منتدى التحكم الآلي والإلكترونيات
مرحبا بك عزيزي الزائر يشرفنا أن تقوم بالدخول إذا كنت من الأعضاء أو التسجيل إذا كنت زائرا ويمكنك إنشاء حسابك ببساطة ويمكنك التفعيل عن طريق البريد أو الانتظار قليلا حتى تقوم الإدارة بالتفعيل
منتدى التحكم الآلي والإلكترونيات

Automatic control , PLC , Electronics , HMI , Machine technology development , Arabic & Islamic topics , Management studies and more
 
الرئيسيةالبوابة*مكتبة الصوراليوميةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الجمعة 15 أكتوبر 2010 - 23:41



من أسرار القرآن
‏365...‏ وكان أمر الله قدرا مقدورا‏......‏ الأحزاب‏38

بقلم: د. زغلول النجار

هذا النص القرآني الكريم جاء في مطلع النصف الثاني من سورة الأحزاب‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها ثلاث وسبعون‏(73)‏ بعد البسملة‏,


‏ وقد سميت بهذا الأسم لورود الإشارة فيها إلي غزوة الأحزاب‏,‏ والأحزاب تكونت من كفار قريش الذين جاءوا من جنوب بلاد الحجاز‏,‏ وممن تجمع معهم من القبائل من مثل قبيلتي غطفان وأشجع الذين جاءوا من شمال بلاد الحجاز‏,‏ وتحزبوا لمحاربة المسلمين‏,‏ وقاموا بمحصارة المدينة المنورة في السنة الرابعة للهجرة‏,‏ فأمررسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بحفر خندق حول المدينة دفاعا عنها ضد حصار الكفار والمشركين الذين دام نحو الشهر ثم أرسل الله‏-‏ تعالي‏-‏ علي أحزاب الكفار المحاصرين للمدينة ريحا عاصفة وجنودا من الملائكة فاضطروا إلي فك الحصار وإلي الفرار بعيدا عن المدينة طالبين النجاة فرجعوا إلي ديارهم بخيبة الأمل‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة الأحزاب حول الوصف التفصيلي للغزوة التي سميت باسمها وما كان فيها من خوف واضطراب وما تم في نهايتها للمسلمين من نصر تحقق به وعد الله‏.‏
وبالإضافة لذلك أوردت السورة عددا من التشريعات والآداب الإسلامية وتحدثت عن الآخرة وأهوالها ونصحت بضرورة الالتزام بتقوي الله وختمت بالحديث عن الأمانة التي حملها الإنسان ولم يطق حملها أي من السماوات والأرض والجبال‏.‏
هذا وقد سبق لنا استعراض سورة الأحزاب وما جاء فيها من التشريعات وركائز كل من العقيدة والعبادات والأخلاق ونورد هنا الحديث عن ومضة الإعجاز التشريعي في الدعوة إلي الأيمان بقدر الله‏.‏
من أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم
يقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ في محكم كتابه‏: (‏ ما كان علي النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا‏)(‏الأحزاب‏:38).‏
نزلت هذه الأية الكريمة في التأكيد علي أنه ما كان علي النبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم من حرج فيما فرض الله تعالي له أي‏:‏ فيما أحل الله سبحانه وتعالي له وأمره به من الزواج بالسيدة‏/‏ زينب بنت جحش رضي الله عنها بعد أن كان زيد بن حارثة قد طلقها من أجل أن يشرع الله جل جلاله تحريم التبني ويؤكد جواز التزوج بمطلقات الأبناء المتبنين تأكيدا علي عدم شرعية عملية التبني التي كانت سائدة في زمن الجاهلية ولا يزال الكثيرون من الجهلة بالدين يمارسونها إلي يومنا هذا‏.‏
وفي هذا السياق يروي ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ خطب زينب بنت جحش لزيد بن حارثة رضي الله عنهما فاستنكفت منه وقالت‏:‏ أنا خير منه حسبا فأنزل الله تعالي‏-: (‏ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا‏).(‏ الأحزاب‏:36).‏
وإن كانت الآية أمرا عاما بطاعة أوامر الله تعالي وأوامر رسوله صلوات الله وسلامه عليه في كل أمر من الأمور فإذا حكم الله ورسوله بشئ فليس لأحد من الخلق مخالفته ولا اختيار لأحد ههناولا رأي ولا قول‏.‏
وتستمر الآيات بعد ذلك بخطاب من الله تعالي موجه إلي خاتم أنبيائه ورسله صلي الله عليه وسلم يقول له فيه‏: (‏ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشي الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضي زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون علي المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا‏*‏ ما كان علي النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا‏).(‏ الأحزاب‏:37‏ـ‏38).‏
وتشير هاتان الآيتان الكريمتان إلي أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان قد زوج زيد ابن حارثة بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية بأمر من الله تعالي بعد أن أنعم الله عليه بالإسلام وبمتابعة الرسول الخاتم صلي الله عليه وسلم ثم أنعم عليه رسول الله بعتقه من الرق وهو من أسرة عريقة ولكنه كان قد أسر صبيا صغيرا وبيع رقيقا في أسواق مكة فاشترته السيدة خديجة عليها رضوان الله‏-‏ ووهبته لرسول الله صلي الله عليه وسلم‏-‏ فأعتقه‏.‏ وبعد زواج دام قرابة السنة وقع بين الزوجين خلاف فجاء زيد يشكوها إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فجعل رسول الله يوصيه بأن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله فيها ولكن الله تعالي كان قد أعلم نبيه بأن ابنة عمته زينب بنت جحش ستكون من أزواجه من قبل أن يتزوجها وكان الله تعالي‏-‏ قد أمره أن يزوجها من زيد بن حارثة ثم أنها سوف تطلق منه ليتزوجها رسول الله صلي الله عليه وسلم حتي يبطل ظاهرة التبني ويبيح للآباء الزواج من مطلقات الأدعياء وأن يعوض السيدة زينب بنت جحش عن الزواج من عبد طليق وهي من سادات قريش وأن يعوض ذلك العبد الطليق الذي كان قد أسر في طفولته وبيع رقيقا في أسواق مكة وهو من أشراف قومه‏.‏ ولذلك عندما جاءه زيد شاكيا من زوجته أوصاه بالمحافظة علي بيته وهو يعلم أن ذلك لن يكون ومن هنا قال له الله تعالي‏(‏ وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشي الناس والله أحق أن تخشاه‏).‏ وكان ذلك كله بتقدير من الله تعالي حتي يؤمن كل مسلم ومسلمة بقضاء الله وقدره كركن من أركان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ولذلك قال تعالي‏-: (‏ ما كان علي النبي من حرج فيما فرض الله له‏).(‏ الأحزاب‏:38).‏
ومن معاني هذا النص الكريم أنه‏:‏ ما كان علي رسول الله صلي الله عليه وسلم من حرج فيما أحل الله تعالي له وأمره به من الزواج بابنة عمته زينب بنت جحش بعد أن طلقها دعيه زيد بن حارثة من أجل التشريع أولا بتحريم التبني وثانيا بجواز زواج الآباء من مطلقات أدعيائهم وهو محرم في حالة مطلقات أبنائهم الشرعيين‏.‏
وقوله‏-‏ تعالي‏(‏ سنة الله في الذين خلوا من قبل‏).‏ يؤكد أن هكذا كان حكم الله‏-‏ تعالي في جميع الأنبياء الذي بعثوا قبل خاتمهم أجمعين فما كان الله سبحانه وتعالي يأمرهم بأمر فيجدوا حرجا في صدورهم من تنفيذ أمر الله وذلك لأن أمر الله تعالي‏-‏ كائن لامحالة لا تستطيع قوة في الكون رفضه‏.‏ وهذا هو صلب الإيمان بقضاء الله وقدره‏,‏ والإيمان بالقضاء والقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان‏.‏
والقضاء والقدر هما أمران متداخلان يكمل أحدهما الآخر فالقضاء هو الحكم بالكليات علي سبيل الإجمال في الأزل أما القدر فهو الحكم في وقوع الجزئيات للكليات التي قدرت في الأزل وقد يكون الأمر بالعكس بمعني أن القدر من التقدير أي‏:‏ ما قدره الله تعالي‏-‏ في الأزل أن يكون في خلقه وعلي ذلك يكون التقدير سابقا علي القضاء‏.‏ وعلي أية حال فالقضاء والقدر أمران لاينفك أحدهما عن الآخر ويكمل أحدهما الآخر حتي إذا أطلق أحدهما منفردا فإنه يشمل الآخر ولعلهما أمر واحد يصف القرار الإلهي الذي لايحده أي من حدود المكان والزمان ولا تقوي أية إرادة للخلق المكلفين من اعتراضه ومن هنا كانت ضرورة التسليم به والرض عنه مهما كان ظاهره في غير صالح الإنسان لأن قضاء الله تعالي هو الحق كله والعدل كله والرحمة كلها وهو قضاء مقضي وحكم مبتوت لاراد له ولامبدل ولامغير ومن هنا وجب الرضا به والقناعة بعدله فمن صفات الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد‏:‏ العلم المحيط بكل شئ والقدرة المطلقة علي كل شئ والإرادة الحاكمة لكل شئ فلا يخرج شئ عن علمه ولا يقف عائق أمام طلاقة قدرته ولا تستطيع إرادة خلقه المكلف الوقوف أمام إرادته فما شاء الله كان وما لم يشأ لن يكون‏.‏ وهذا من ركائز التوحيد الذي علمه ربنا تبارك وتعالي لعبده آدم عليه السلام لحظة خلقه وعاشت به البشرية عشرة قرون كاملة وذلك لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم‏-: (‏ كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم علي شريعة الحق‏)(‏ أخرجه الحاكم في المستدرك‏).‏
وفي ذلك يروي ابن عباس رضي الله عنهما أن رجالا صالحين من قوم نوح هلكوا فوسوس الشيطان إلي قومهم أن انصبوا إلي مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتي إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت‏(‏ أخرجه البخاري في صحيحه‏).‏
وكانت هذه هي أول وثنية في تاريخ البشرية‏.‏
وبعث الله سبحانه وتعالي‏-‏ مائة وأربعة وعشرين ألف نبي واصطفي من هذا العدد الكبير من الأنبياء ثلاثمائة وبضعة عشر رسولا كلهم دعوا إلي الإسلام القائم علي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره وعلي التوحيد الخالص لله الخالق سبحانه وتعالي‏-(‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد‏).‏
والإيمان بالقضاء والقدر جزء لا يتجزأ عن الإيمان بالله تعالي‏-‏ وحده‏.‏ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله والتسليم بإحاطة علمه تعالي‏-:‏ بكل شئ ونفاذ إرادته في كل أمر وتحكم قدرته في جميع خلقه‏.‏
ومن الإعجاز التشريعي في قوله تعالي‏-: (...‏ وكان أمر الله قدرا مقدورا‏).‏ أن الإيمان بالقضاء والقدر تسليم لحكم الله وإرادته إنطلاقا من الإيمان الراسخ بأنه لا سلطان في هذا الوجود كله لغير الله ـ تعالي شأنه‏-‏ فكل شئ يجري بتقديره وحسب مشيئته وإرادته وتدبيره فالله ـ تعالي‏-‏ لاراد لقضائه ولامعقب لحكمه ولاغالب لأمره وإذا آمن العبد منا بذلك عاش سعيدا علي هذه الأرض وإن كان أفقر الناس وأضعف الخلق وأحوج المخلوقين وإذا لم يؤمن بذلك كان أتعس الناس وإن كان أكثرهم مالا وولدا وأعزهم سلطانا وأقواهم بنية‏.‏ ومن هنا تأتي ومضة الإعجاز التشريعي في الأمر بالرضا بقضاء الله وقدره‏.‏ وهذا لايتعارض أبدا مع حقيقة أن الإنسان مخلوق مكرم أكرمه الله تعالي‏-‏ بالعقل الذي يميز به بين الخير والشر وبالإرادة الحرة التي يستطيع أن يسلك بها أيا من الطريقين ولذلك فهو محاسب علي اختياره الذي يتخذه بإرادته الحرة علما بأن الإرادة الإنسانية داخلة في دائرة علم الله وقضائه وقدره وهذا لاينتقص من أجر الصالحين ولايبرر فساد المفسدين لأن لكل مخلوق مكلف أن يختار الصلاح أو الفساد بإرادته الحرة ومن هنا وجب الاستحقاق بالثواب أو بالعقاب لأن الحياة الدنيا هي دار تكليف واختبار وابتلاء ولا يتم ذلك إلا إذا كان المكلف مطلق الحرية في الاختيار بين الحق والباطل وبين الإصلاح في الأرض أو الإفساد فيها‏.‏
والإنسان كأحد الخلق المكلفين يتحرك في حياته الدنيا داخل دائرتين متمركزتين عليه‏:‏ أولاهما هي دائرة إرادته الحرة التي هو مخير فيها بين الاستقامة علي منهج الله أو الخروج عليه وعلي ذلك فهو مكافأ أو معاقب علي أساس من اختياره‏.‏ وثانيتهما هي دائرة قضاء الله وقدره والتي لا سلطان له عليها ولارأي له فيها‏,‏ ومن ثم فلا يحاسب علي ما يحدث له فيها ولكن عليه إذا كان مؤمنا بالله إيمانا صادقا أن يرضي بقضاء الله وقدره رضا كاملا وأن يسلم بأن فيه الخير كل الخير حتي لو ظهر له أنه في غير الصالح بالمقاييس البشرية المحدودة لأن في ذلك تسليم لله الخالق بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه وإيمان بشمول علمه وكمال عدله ونفاذ إرادته وطلاقة قدرته‏.‏
والإيمان بالقضاء والقدر لايتنافي أبدا مع الأخذ بالأسباب التي أمرنا بالأخذ بها مع التوكل علي الله تعالي‏-‏ حق التوكل والإيمان بأن بيده‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ وحده ملكوت كل شئ‏.‏
والإنسان الذي يؤمن بقضاء الله وقدره يتحرر من العبودية لغير الله سبحانه وتعالي‏-‏ لأنه يؤمن بأنه لاسلطان في هذا الوجود لغير الله الخالق البارئ المصور مقدر الأقدار ومصرف الأمور وإنسان هذا إيمانه لا تبطره النعمة ولا تهده المصيبة ولذلك قال فيه المصطفي صلي الله عليه وسلم‏-:‏ عجبا لأمر المؤمن‏!!‏ إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن إصابته ضراء صبر فكان خيرا له‏(‏ أخرجه مسلم في صحيحه‏).‏
فالرضا بقضاء الله وقدره يهدئ النفس ويطمئن القلب ويدفع بالطاقات الإنسانية من أجل حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض برضا وسكينة وراحة وطمأنينة بأن قضاء الله تعالي نافذ لا محالة وهو لا يأتي إلا بخير‏.‏ وهنا تتضح ومضة الإعجاز التشريعي في قول ربنا ـ تبارك وتعالي‏-: (...‏ وكان أمر الله قدرا مقدورا‏)‏ حتي يرضي كل مؤمن بقضاء الله وقدره في تسليم وسلام تامين كاملين فيسعد ويسعد من حوله‏.‏
فالحمد لله علي نعمة الإسلام والحمد لله علي نعمة القرآن والحمد لله علي بعثة خير الأنام صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏-‏ وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏


_________________


أبـوروان


عدل سابقا من قبل PLCMan في السبت 16 أكتوبر 2010 - 8:13 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الجمعة 15 أكتوبر 2010 - 23:45



من أسرار القرآن (‏364‏)


[‏ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏]‏ هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع الثلث الثاني من سورة‏'‏ لقمان‏',‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها أربع وثلاثون‏(34)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها مرتين إلي العبد الصالح‏'‏ لقمان الحكيم‏.


وهي شخصية لا يعرف المؤرخون شيئا عنها‏,‏ ومن هنا كان في ذكر القرآن له وجها من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في ذكر كتاب الله‏.‏ وغالبية الذين كتبوا عن‏'‏ لقمان الحكيم‏'‏ من علماء المسلمين يجمعون علي أنه لم يكن نبيا‏,‏ وقليلون هم الذين يرجحون نبوته لتسمية إحدي سور القرآن باسمه‏,‏ ولمدح الله ـ تعالي ـ له في آيتين متتاليتين من هذا الكتاب العزيز‏.‏ وعلي الرغم من ذلك فإن الجميع متفقون علي أنه كان من أحناف زمانه‏,‏ انطلاقا من دعوته إلي التوحيد الخالص لله ـ تعالي ـ وإلي الالتزام بمكارم الأخلاق‏;‏ واستنكاره لانحرافات الشرك بالله ـ تعالي ـ أو الكفر به‏,‏ وللتكبر علي الخلق والاستعلاء عليهم‏.‏ والجميع يقرون بشهادة القرآن الكريم له بالحكمة وحسن الخطاب‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة‏'‏ لقمان‏'‏ حول العقيدة الإسلامية‏-‏ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏-‏ كما تشير هذه السورة الكريمة إلي ضرورة الالتزام بالضوابط الأخلاقية والسلوكية المميزة للعبد المؤمن‏,‏ وتؤكد علي جزاء كل من المحسنين والمسيئين في الدنيا والآخرة‏,‏ وتستشهد في هذا السياق بعدد من الآيات الكونية الدالة علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ والشاهدة للخالق‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ بالإلوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والخالقية‏,‏ والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وبالقدرة علي البعث‏,‏ والحشر‏,‏ والحساب والجزاء‏,‏ وختمت هذه السورة الكريمة بالإشارة إلي عدد من أمور الغيب التي استأثر بها علم الله‏-‏ تعالي‏-.‏
هذا وقد سبق لنا استعراض سورة‏'‏ لقمان‏'‏ وما جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا علي الإعجاز ألإنبائي والتاريخي والتربوي في ذكر القرآن الكريم للعبد الصالح‏'‏ لقمان‏',‏ ولما آتاه الله‏-‏ تعالي‏-‏ من الحكمة التي انعكست علي نصائحه لابنه‏,‏ وهي نصائح تشكل منهجا تربويا كاملا في تنشئة الأبناء‏.‏
من أوجه الإعجاز في ذكر القرآن الكريم للعبد الصالح المعروف باسم‏'‏ لقمان الحكيم‏'‏
أولا‏:‏ الإعجاز ألإنبائي والتاريخي في ذكر اسم‏'‏ لقمان‏':‏
تعتبر إشارة القرآن الكريم إلي العبد الصالح‏'‏ لقمان‏'‏ وجها من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في كتاب الله الكريم‏,‏ لأنه لم يرد لهذا العبد الصالح ذكر في أي من كتب الأولين‏,‏ وذكر القرآن الكريم له يملأ ثغرة تاريخية في زمن عبد الله ونبيه داود‏-‏ عليه السلام‏-‏ حيث قيل عن‏'‏ لقمان‏'‏ أنه كان قاضيا في زمن ذلك النبي‏,‏ وأن اسمه كان‏'‏ لقمان بن عنقاء بن سدون‏'‏ كما ذكر ذلك ابن كثير‏(‏ في البداية والنهاية‏,‏ ج‏2,‏ ص‏29).‏ وقال عنه السهلي‏(‏ في كتابه المعنون‏:'‏ التعريف والإعلام‏'‏ ص‏101,100)‏ أنه كان نوبيا سكن مدينة أيلة علي خليج العقبة‏(‏ والتي عرفت بعد ذلك باسم‏'‏ أم الرشراش‏'‏ تحت الحكم المصري‏,‏ ثم احتلها الصهاينة في حرب‏1956‏ م‏,‏ وغيروا اسمها إلي إيلات‏)‏ ونقل عن ابن عباس‏-‏ رضي الله عنهما ـ أن‏'‏ لقمان‏'‏ كان عبدا حبشيا‏.‏ ويصف هؤلاء الرواة أن‏'‏ لقمان الحكيم‏'‏ كان رجلا ذا عبادة خاشعة‏,‏ وعبارة ساطعة‏,‏ وإيمان عميق‏,‏ وكان كثير التفكر‏,‏ شديد الورع‏,‏ حسن اليقين بالله‏,‏ وأنه كان عف المطعم‏,‏ عف الجوارح‏,‏ وعف اللسان‏,‏ فأحبه ربه‏,‏ ومن عليه بالحكمة‏.‏
وتعرف الحكمة بأنها الفقه في الدين‏,‏ والإصابة في الحكم‏,‏ وموافقة الحق‏,‏ والنجاح في وضع الأمور في نصابها بلا مبالغة ولا تقصير‏.‏ وقد تميز لقمان بالعدل‏,‏ والعلم‏,‏ والحلم‏,‏ وبمداومة الشكر لله‏,‏ ولذلك تمتع بقدر عال من الاحترام في مجتمعه‏,‏ وبمنزلة رفيعة بين أقرانه حتي اشتهر باسم‏'‏ لقمان الحكيم‏',‏ وامتدحه القرآن الكريم بقول الحق‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ عنه‏:[‏ ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏](‏ لقمان‏:12).‏ كذلك امتدح القرآن الكريم كل من أوتي الحكمة‏,‏ وذلك بقول ربنا‏-‏ سبحانه وتعالي‏-[‏ يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولي الألباب‏](‏ البقرة‏:269).‏
ثانيا‏:‏ من أوجه الإعجاز التربوي في عرض القرآن الكريم لقصة‏'‏ لقمان الحكيم‏':‏
‏(1)‏ التأكيد علي وحدانية الخالق العظيم‏,‏ والإقرار بالعبودية له وحده وهي أساس العقيدة الحقة التي تشكل قاعدة المنهج الرباني في بناء الإنسان‏,‏ وفي تربيته التربية الإسلامية الصحيحة التي توفر له الطمأنينة والراحة النفسية والعقلية وفي ذلك يقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-[‏ وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم‏](‏ لقمان‏:13).‏ وذلك لأن الشرك بالله هو أولي بوابات الشيطان إلي الإنسان‏,‏ وأحد مداخله الرئيسية التي أضل بها البشرية من لدن قوم نوح إلي يومنا الراهن‏,‏ وسيظل كذلك حتي قيام الساعة‏.‏
‏(2)‏ وجوب بر الوالدين حتي لو كانا مشركين بالله ـ علي خطورة الشرك‏,‏ وانحراف المشركين عن جادة الصواب‏:‏ تؤكد الآيات في سورة لقمان علي فضل الوالدين‏,‏ وعلي تعظيم حقوقهما علي أبنائهما‏,‏ وتأكيد واجب الشكر لهما‏,‏ والعرفان بأفضالهما‏,‏ وذلك من أجل استقرار كل من الفرد والمجتمع في البيئة الإسلامية وانتظام الحياة فيها‏.‏ ولذلك جعلت الآيات في سورة‏'‏ لقمان‏'‏ الشكر لهما مقرونا بالشكر لله‏-‏ تعالي‏-‏ صاحب الفضل والمنة علي جميع خلقه وفي ذلك يقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-:[‏ ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا علي وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير‏,‏ وإن جاهداك علي أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون‏](‏ لقمان‏:15,14).‏
‏(3)‏ وجوب مراقبة الله في السر والعلن‏:‏ وذلك لأن علم الله‏-‏ تعالي‏-‏ محيط بكل شئ‏,‏ وأن الله‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ لا يخفي عليه شئ في الأرض ولا في السماء‏.‏ وإذا أيقن العبد منا ذلك كان في استشعاره لمراقبة الله خير ضابط لسلوكه‏.‏ وبذلك يوصي‏'‏ لقمان الحكيم‏'‏ ابنه قائلا‏:[‏ يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير‏].(‏ لقمان‏:16).‏
‏(4)‏ وجوب مخاطبة الأبناء بالخطاب الذي يستميل قلوبهم‏,‏ فالخطاب إلي الابن بصيغة‏(‏ يا بني‏)‏ يحمل من معاني الفهم العميق لطبيعة النفس الإنسانية‏,‏ ومن مشاعر الحب‏,‏ والحنان‏,‏ والشفقة والعطف‏,‏ ما يمكن أن يستميل قلب الولد‏,‏ ويحبب إليه ما يطلبه منه من مختلف الأوامر والنواهي‏,‏ ومن جميع الوصايا والآداب‏.‏ ويعبر ذلك عن مدي الحكمة التي من بها ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ علي عبده‏'‏ لقمان‏',‏ ومدي عمق فهمه للطبيعة البشرية‏,‏ خاصة في مراحلها الأولي‏.‏
‏(5)‏ وجوب فهم المتربي لحقيقة رسالته في هذه الحياة الدنيا‏:‏ عبدا لله‏-‏ تعالي‏-‏ مطالبا بعبادة ربه بما أمر‏,‏ ومستخلفا ناجحا في الأرض‏,‏ مطالبا بعمارتها وبإقامة شرع الله وعدله فيها‏:‏ ولذلك فإن لقمان ـ عليه السلام ـ بعد أن علم ابنه العقيدة الصحيحة القائمة علي الإيمان الحق بالله الخالق‏,‏ وبالتوحيد الكامل لجلاله‏,‏ وبتنزيهه ـ جل شأنه ـ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ واليقين بأن علم الله محيط بكل شئ‏,‏ وأن الله ـ تعالي ـ لا يخفي عليه شئ في الأرض ولا في السماء‏,‏ طالبه بإقامة الصلاة‏,‏ والأمر بالمعروف‏,‏ والنهي عن المنكر‏,‏ وبالصبر علي ما يمكن أن يناله في هذا السبيل لأن من حقيقة الإيمان الصبر علي المكاره‏,‏ ومؤكدا له أن ذلك من عزم الأمور‏,‏ أي من الأمور الواجبة‏,‏ المؤكدة علي حقيقة الإيمان‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:[‏ يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر علي ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور‏](‏ لقمان‏:17).‏
فصلاح المجتمعات الإنسانية كلها قائم علي التواصي بالحق‏,‏ والتواصي بالصبر‏,‏ ومن معاني ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ والصبر علي ذلك كله من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل‏,‏ ولذلك أوصانا المصطفي ـ صلي الله عليه وسل ـ بقوله الشريف‏'‏ والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه‏,‏ ثم تدعونه فلا يستجاب لكم‏'(‏ الترمذي والبيهقي‏)‏ وفي رواية أخري‏:'‏ لتأمرن بالمعروف‏,‏ ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم‏,‏ ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم‏'(‏ الهيثمي‏)‏
ثالثا‏:‏ من الإعجاز الأخلاقي في عرض القرآن الكريم لقصة لقمان الحكيم‏:‏
توحي القصة بوجوب الالتزام بمكارم الأخلاق وتعويد الأبناء والبنات علي ذلك منذ بدء الإدراك حتي تثبت تلك القيم راسخة في قلوبهم وعقولهم‏,‏ وتصبح جزءا من تكوينهم النفسي والعقلي حتي لا ينفصلوا عنها ولا تنفصم منهم تحت ظروف الحياة المختلفة من الضيق والسعة‏,‏ والعسر واليسر‏,‏ وفي ذلك يوصي لقمان ـ عليه السلام ـ ابنه بقوله‏:[‏ ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير‏](‏ لقمان‏19,18).‏
أي لا تزدري الناس بالإعراض عنهم‏,‏ ولا تتبختر في مشيتك استعلاء وتكبرا عليهم‏,‏ لأن الله ـ تعالي ـ لا يحب المتكبرين المتغطرسين علي عباده‏.‏
وهتان الآيتان تشكلان منهجا تربويا صحيحا في تنشئة الأبناء‏,‏ يعودهم علي التواضع وعدم التكبر علي الآخرين أو الإعراض عنهم‏,‏ وقد عبر القرآن الكريم بتشبيه المتكبر علي غيره بتصعير الخد‏[‏ لأن أصل‏(‏ الصعر‏)‏ هو داء يصيب الإبل في أعناقها أو في رؤوسها فتلفت أعناقها عن رؤوسها‏]‏ والمشي في الأرض مرحا كناية عن الاستعلاء علي الخلق‏,‏ والتكبر والاستعلاء علي الخلق من الصفات السيئة التي تهلك صاحبها في الدنيا وتورده العذاب في الآخرة‏,‏ وذلك لأنها تكره الناس فيه‏,‏ وتصدهم عنه وتولد البغضاء قي قلوبهم نحوه‏,‏ كما توجب غضب الرب والطرد من رحمته‏,‏ وذلك لقول رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏'....‏ ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبر‏'(‏ مسلم‏,‏ وابن ماجة‏,‏ والترمذي‏),‏ ويقول‏'....‏ وما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا‏,‏ وما تواضع أحد لله إلا رفعه‏'(‏ الترمذي‏).‏
ومن سمات التكبر علي الخلق رفع الصوت فوق الحد المألوف‏,‏ ولذلك أوصي لقمان ابنه بخفض صوته عند مخاطبة الآخرين‏,‏ وبغض إليه رفع الصوت مذكرا إياه بأن أنكر الأصوات هي تلك الأصوات الحادة المرتفعة النبرة التي تشبه صوت الحمير‏,‏ والتي أثبتت الدراسات العلمية أن آذان البشر تتأذي بسماعها‏,‏ وذلك من مثل نهيق الحمير الذي يمثل أعلي وأحد نبرة لحيوان يحيا علي سطح اليابسة إذ تتجاوز شدة أصواتها مائة ديسيبل والديسيبل هو وحدة قياس شدة الصوت‏,‏ مما ينهي عن رفع الصوت في مخاطبة الآخرين‏.‏
هذه الضوابط التربوية والأخلاقية والسلوكية التي نصح بها‏'‏ لقمان الحكيم‏'‏ ابنه هي قواعد تربوية وضوابط أخلاقية‏:‏ لكل من الفرد والمجتمع المسلم كما يريدهما الله ـ تعالي ـ من عباده المؤمنين‏,‏ وهي دروس وعبر عظيمة لكل قارئ لكتاب الله تخرجه عن الأطر المادية الجامدة التي وضعتها الحضارة المعاصرة للإنسان وحبسته في داخلها‏,‏ ولم تدع له متنفسا للعيش بالقيم الإنسانية العليا التي وضعها ربنا ـ تبارك وتعالي‏_‏ لعباده‏,‏ منذ اللحظة التي خلق فيها أبوينا آدم وحواء ـ عليهما السلام‏_‏ والتي آن الأوان لعودة الناس إليها هروبا من جفاف الأطر المادية القاهرة التي فرضت عليهم‏.‏
وهذه الوصايا التي أوردها القرآن الكريم علي لسان لقمان الحكيم لابنه هي من أوجه الإعجاز التربوي والأخلاقي في كتاب الله‏,‏ كما أن مجرد ذكر قصة هذا العبد الصالح‏'‏ لقمان الحكيم‏'‏ يمثل وجها من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في هذا الكتاب العزيز‏,‏ وهذه الأوجه لمما يشهد له بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏.‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏



_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الجمعة 15 أكتوبر 2010 - 23:47



من أسرار القرآن (363‏)
‏وما آتاكم الرسول فخذوه‏[‏ الحشر‏:7]‏

هذا النص القرآني الكريم جاء في أواخر الثلث الأول من سورة‏'‏ الحشر‏',‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها أربع وعشرون‏(24)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم‏(‏ الحشر‏)‏ بسبب حشر يهود‏'‏ بني النضير‏'‏ العرب.

إلي بلاد الشام بعد أن أخرجهم رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ من جواره‏,‏ وإن لجأت طائفة منهم إلي منطقة خيبر العربية إلي الشمال من مدينة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-.‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول‏'‏ غزوة بني النضير‏'‏ التي وقعت في شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة‏(‏ الموافق شهر أغسطس سنة‏635‏ م‏)‏ وما تبعها من طرد لهؤلاء من شبه الجزيرة العربية‏,‏ وفضح كل من مخططاتهم المريبة ومسالك المنافقين الذين تعاونوا معهم من كفار ومشركي العرب‏.‏ وفي نفس الوقت تمتدح الآيات في سورة‏'‏ الحشر‏'‏ ما أظهره كل من المهاجرين والأنصار من مظاهر الأخوة الإسلامية الحقيقية التي ظلت تضرب بها الأمثال إلي اليوم‏.‏ كذلك بينت الآيات في هذه السورة المباركة أحكام الفيء ووصية الله لعباده المؤمنين بالتزام تقواه‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ والخضوع لأوامره‏,‏ ومداومة التفكر في بديع تدبيره الحكيم في كل أمر من أمور خلقه‏.‏ وتؤكد الآيات في سورة‏'‏ الحشر‏'‏ ضرورة استعداد العبد المؤمن للانتقال من الدنيا إلي الآخرة‏,‏ وضرورة المداومة بالثناء علي الله‏-‏ تعالي‏-‏ وتسبيحه وحمده‏,‏ وتنزيهه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ ولذلك بينت الآيات عددا من أسماء الله الحسني‏,‏ وصفاته العليا‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة‏'‏ الحشر‏'‏ وما جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ ووصف لغزوة‏'‏ بني النضير‏',‏ والدروس والعبر المستفادة من استعراض السورة الكريمة لتلك الغزوة‏.‏ ونركز هنا علي الحكمة التشريعية من الأمر الإلهي باتباع سنة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ خاصة في زمن الفتن الذي نعيشه‏,‏ والذي تطاول فيه الأقزام من الكفار والمشركين ومن المتنطعين والمترددين علي مقام خير الخلق أجمعين وكثر تهجمهم علي سنته المطهرة‏.‏
من الإعجاز التشريعي في الأمر باتباع سنة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏
من أسس الإسلام العظيم‏:‏ العقيدة الصحيحة‏,‏ والعبادة السليمة‏,‏ والحض علي الالتزام بمكارم الأخلاق‏,‏ وبحسن السلوك وانضباط المعاملات‏.‏ وهذا الدين‏(‏ الإسلام‏)‏ علمه ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ لأبينا آدم‏-‏ عليه السلام‏-‏ لحظة خلقه‏,‏ وعلم آدم بنيه‏,‏ وعاشت البشرية عشرة قرون كاملة بين أبينا آدم ونوح‏-‏عليهما السلام‏-‏ علي التوحيد الخالص لله الخالق‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ وذلك انطلاقا من قول رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-'‏ كان بين آدم ونوح عشرة قرون‏,‏ كلهم علي شريعة الحق‏'(‏ أخرجه الحاكم في المستدرك‏).‏
ويروي ابن عباس‏'‏ رضي الله عنهما‏':'‏ أن رجالا صالحين من قوم نوح هلكوا‏,‏ فوسوس الشيطان إلي قومهم أن انصبوا إلي مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم‏,‏ ففعلوا ولم تعبد‏,‏ حتي إذا هلك أولئك‏,‏ وتنسخ العلم عبدت‏'(‏ أخرجه البخاري‏).‏ وتفشت الوثنية في قوم نوح فبعثه الله‏-‏ تعالي‏-‏ إليهم ليردهم إلي توحيد الله من جديد فلم يستجب إلي دعوته إلا أقل القليل‏.‏ ولما يئس نوح من هدايتهم دعا الله‏-‏ تعالي‏-‏ عليهم فأغرقهم بالطوفان‏.‏ وتكرر المشهد مع كل الأمم التي جاءت بعد قوم نوح من مثل أقوام عاد‏,‏ وثمود‏,‏ وفرعون‏,‏ وقوم إبراهيم‏,‏ وقوم لوط‏,‏ وأصحاب الأيكة‏,‏ وأصحاب الرس وقوم تبع وغيرهم إلي اليوم والبشرية تتناوبها فترات من الإيمان ثم الكفر‏,‏ ومن التوحيد ثم الشرك‏,‏ ومن الاستقامة علي منهج الله‏-‏ تعالي‏-‏ ثم الخروج عليه‏,‏ لأن الشيطان كان دوما للإنسان بالمرصاد‏,‏ ولذلك أرسل الله‏-‏ تعالي‏-‏ عددا كبيرا من الأنبياء والمرسلين لهداية البشرية‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-Sad...‏ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير‏..)(‏ فاطر‏:24).‏ ويروي الإمام أحمد‏-‏ رحمه الله‏-‏ عن أبي ذر الغفاري‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أنه قال‏:'‏ أتيت رسول الله‏-‏ صلي اله عليه وسلم‏-‏ قائلا يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-'‏ آدم‏',‏ قلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ ونبي كان؟ قال‏:'‏ نعم‏,‏ نبي مكلم‏'‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ كم المرسلون ؟ قال‏:‏ ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا‏'(‏ مسند الإمام أحمد‏).‏ وفي رواية أبي أمامة‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ فال أبو ذر‏:...‏ قلت يا رسول الله‏!‏ كم وفي عدة الأنبياء؟ قال‏:‏ مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا‏,‏ الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا‏'(‏ مسند الإمام أحمد‏).‏ وهذه النصوص من القرآن والسنة تؤكد أن الهداية الربانية ظلت تتنزل علي أهل الأرض لعدة آلاف من السنين‏,‏ وبواسطة عشرات الآلاف من الأنبياء‏,‏ وبضع المئات من الرسل‏,‏ وكان لا بد من ختام لوحي السماء‏,‏ وقد تجسد هذا الختام في القرآن الكريم وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ ولذلك تعهد ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ بحفظهما‏,‏ فحفظا علي مدي يزيد علي أربعة عشر قرنا في نفس لغة الوحي بهما‏-‏ اللغة العربية‏-‏ وتعهد ربنا‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ بحفظ هذه الرسالة الخاتمة تعهدا مطلقا حتي تبقي حجة الله علي خلقه إلي يوم الدين فقال‏-‏ تعالي‏-(‏ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون‏)(‏ الحجر‏:9).‏ وقال‏-‏عز من قائل‏-(...‏ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا‏...)(‏ المائدة‏:3).‏
وباستعراض تاريخ البشرية علي الأرض نجد أن فترات سيادة النبوة والتزام الناس بدين الله كانت ومضات بارقة من أنوار الهداية الربانية وسط ظلمات طويلة من الجاهلية الدامسة‏,‏ وكأن الإنسان لم يتعلم من هذه التجربة الطويلة التي استمرت لعدة عشرات الألوف من السنين‏.‏ فبعد جهود مائة وأربعة وعشرين ألف نبي‏,‏ وبعد تنزل ثلاثمائة وبضعة عشر رسالة سماوية فإن أهل الأرض جميعا‏-‏ فيما عدا آحادا متناثرة من الأحقاب‏_‏ فقدوا اتصالهم بهداية خالقهم‏,‏ حتي جاءت الرسالة الخاتمة علي قلب ولسان الرسول الخاتم‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة‏,‏ التي عنيت بشرح ما جاء من ركائز الدين في كتاب الله‏,‏ وبشرح كيفيات تطبيقها تطبيقا عمليا في واقع حياة الناس‏,‏ وتفصيلها لهم‏,‏ وتثبيتها في قلوبهم وعقولهم وممارساتهم‏,‏ ومن هنا فإن الأمر الإلهي بالعناية بسنن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ وجعلها من ضرورات الدين ولوازمه أصبحت وجها من أوجه الإعجاز التشريعي في كتاب الله لأنها توضح كثيرا من الأحكام التي أجملها كتاب الله‏-‏ تعالي‏-‏ وتفسر آياته‏,‏ ولذلك قال رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ أقوالا كثيرة تؤكد حجية السنة النبوية المطهرة منها ما يلي‏:‏
‏(1)'....‏ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين‏,‏ عضوا عليها بالنواجذ‏...'(‏ أخرجه كل من أبي داود والترمذي‏,‏ وابن ماجه وأحمد‏).‏
‏(2)'....‏ ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه‏'(‏ أخرجه كل من أبي داود وأحمد‏).‏
‏(3)'‏ تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما‏:‏ كتاب الله وسنتي‏(‏ مالك والبيهقي‏).‏
‏(4)'‏ كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي‏'‏ قالوا يا رسول الله ومن يأبي قال‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبي‏'.(‏ البخاري وأحمد‏).‏
‏(5)'‏ نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمع‏,‏ فرب مبلغ أوعي من سامع‏'(‏الترمذي والدارمي‏).‏
‏(6)‏ وقيل لرسول الله صلي الله عليه وسلم‏-‏ في عام سنة‏(‏ أي جدب‏)‏ سعر لنا يا رسول الله‏(‏ أي‏:‏ ثمن لنا لكل سلعة‏),‏ قال‏:'‏ لا يسألني الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرني بها‏,‏ ولكن اسألوا الله من فضله‏'(‏ الطبراني‏,‏ وأبو داود‏,‏ والترمذي‏,‏وابن ماجه وأحمد‏).‏
لذلك حذر رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم تحذيرا شديدا فقال‏:‏
‏(7)'‏ إن كذبا علي ليس ككذب علي أحد‏,‏ ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار‏'(‏ البخاري ومسلم‏).‏
‏(Cool‏ وقال‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ لعبد الله بن عمرو‏:'‏ اكتب عني فوالذي نفسي بيده ما خرج من فمي إلا الحق‏'(‏ أبو داود وأحمد‏).‏
وكان ذلك بعد نهيه‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ عن كتابة غير القرآن لمن لا يؤمن عليه الغلط والخلط بين المصدرين فقد قال‏'‏ لا تكتبوا عني‏,‏ ومن كتب عني غير القرآن فليمحه‏'(‏ مسلم‏,‏ أحمد والدارمي‏).‏
‏(9)‏ وقد تنبأ المصطفي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بخروج طائفة من منكري السنة فقال‏:‏ ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه‏,‏ ألا يوشك رجل شبعان علي أريكته يقول‏:‏ عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه‏,‏ وما وجدتم فيه من حرام فحرموه‏....'(‏ أبو داود‏).‏
‏(10)‏ وقال‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-'‏ لا ألقين أحدكم متكئا علي أريكته‏,‏ يأتيه أمر مما أمرت به‏,‏ أو نهيت عنه فيقول‏:‏ لا ادري‏!‏ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه‏(‏ أبو داود‏,‏ والترمذي‏).‏ وهذان الحديثان من المعجزات الإنبائية لرسول الله‏.‏
ولذلك أمر ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ بطاعة خاتم أنبيائه ورسله‏-‏ صلي الله عليه وسلم في كل ما أمر‏,‏ وباجتناب نواهيه في كل ما حرم‏,‏ وفي ذلك يقول‏_‏ وقوله الحق‏-Sad‏ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب‏)(‏ الحشر‏:7).‏
ومن معاني هذا النص الكريم أن الله‏-‏ تعالي‏-‏ يأمر المسلمين كافة بطاعة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ في كل أمر أمرهم به‏,‏ وفي كل شيء نهاهم عنه لأنه هو الموصول بالوحي‏,‏ والمعلم من قبل خالق السموات والأرض‏,‏ فلا يأمر إلا بكل خير وصلاح ولا ينهي إلا عن كل شر وفساد‏.‏ والآية وإن كانت قد نزلت في أموال الفيء‏,‏ إلا أن الحكم فيها يبقي عاما في كل ما أمر به النبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ أو نهي عنه‏,‏ ويشمل ذلك كل واجب‏,‏ ومندوب‏,‏ ومستحب أو محرم‏,‏ ولذلك حذر في ختام الآية من نزول عقاب الله الشديد بالخارجين عن أوامر رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ فقال‏(...‏ إن الله شديد العقاب‏).‏ ولذلك أيضا قال‏-‏ تعالي‏-‏ مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله‏:[‏ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون‏)(‏ النحل‏:44).‏ وقال‏-‏ عز من قائل‏-Sad‏ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين‏)(‏ الجمعة‏:2).‏
والسنة النبوية المطهرة هي كل ما أثر عن النبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ من قول أو فعل‏,‏ أو تقرير‏,‏ أو صفة‏,‏ أو سيرة‏,‏ سواء كان ذلك قبل البعثة الشريفة أو بعدها‏.‏ ولذلك حفظها ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ كما حفظ القرآن الكريم‏,‏ مع تسليمنا بأن استحالة الدس علي كتاب الله لكثرة حفاظه‏,‏ قد ألجأت نفرا من حقدة الكفار والمشركين في محاولة الدس علي رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ ألا أن جهود علماء المسلمين من أجل تحقيق السنة قد فاقت جهود التحقيق في أي مجال علمي آخر‏.‏ وقد سلك علماء الحديث من أجل تحقيق ذلك طرقا في النقد والتمحيص لم يسبقوا بمثلها أبدا‏,‏ حتي فاقت علوم الحديث خمسة وستين علما‏,‏ فأبقوا سنة هذا الرسول الخاتم‏,‏ وسيرته الشريفة مدونة تدوينا لم تنله أقوال وأفعال وصفات نبي من قبل‏,‏ وجعلت من هذه السنة الشريفة أحد مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم‏,‏ وقبل كل من الإجماع والقياس‏,‏ والاستحسان‏,‏ والمصالح المرسلة ولولا ذلك ما فهمنا الكثير من أحكام الإسلام خاصة في مجال العبادات والمعاملات‏.‏
من ذلك تتضح ومضة الإعجاز التشريعي في النص القرآني الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال‏,‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام‏,‏ والحمد لله علي العهد الإلهي المطلق بحفظ كل ما أوحي إليه من قرآن وسنة‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏


_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
metwally.mustafa
فريق أول
فريق أول
avatar

عدد الرسائل : 4224
العمر : 32
الموقع : Egypt
العمل/الترفيه : automation engineer
تاريخ التسجيل : 12/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   السبت 16 أكتوبر 2010 - 1:30

جزاكم الله خيرا اخى الكريم

_________________
I am so far behind, I think i am first
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
HAFSA
عقيد
عقيد
avatar

عدد الرسائل : 515
العمر : 41
تاريخ التسجيل : 06/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الأحد 17 أكتوبر 2010 - 4:36

من اسرار القرآن الكريم (سورة الروم) د/ زغلول النجار --------------------------------------------------------------------------------

ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون‏(‏ الروم‏:41)


هذا النص القراني الكريم جاء في بدايه الثلث الاخير من سوره‏'‏ الروم‏'‏ وهي سوره مكيه واياتها ستون‏(60)‏ بعد البسمله وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بخبر انتصار الروم علي الفرس قبل وقوعه بتسع سنوات وذلك بعد هزيمتهم المنكره امام الجيوش الفارسيه قبل نزول هذه السوره المباركه بعده سنوات ويدور المحور الرئيس لسوره‏'‏ الروم‏'‏ حول عدد من ركائز العقيده الاسلاميه شانها في ذلك شان كل السور المكيه‏.‏

وتبدا سوره الروم بقول ربنا تبارك وتعالي ‏:‏

الم‏(1)‏ غلبت الروم‏(2)‏ في ادني الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون‏(3)‏ في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المومنون‏(4)‏ بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم‏(5).‏ (‏ الروم‏:1‏ ‏5).‏

والحروف المقطعه الثلاثه التي استهلت بها هذه السوره المباركه‏(‏ الم‏)‏ تكررت في مطلع ست من سور القران الكريم هي‏‏ البقره ال عمران العنكبوت الروم لقمان السجده‏).‏ والحروف المقطعه بصفه عامه جاءت في مطلع تسع وعشرين سوره من سور القران الكريم وان كان عدد من الدارسين لا يعتبر كلا من‏(‏ طه‏)‏ و‏(‏ يس‏)‏ من المقطعات وذلك لتوجيه الخطاب بعد كل منهما مباشره الي رسول الله صلي الله عليه وسلم مما يوحي بانهما من اسمائه الشريفه‏.‏

و‏'‏المقطعات‏'‏ تعتبر من اسرار القران الكريم التي اوكلها اغلب المفسرين الي علم الله سبحانه وتعالي وحاول البعض الاجتهاد في تفسيرها بما عرضناه في عدد من المقالات السابقه‏.‏ وقد اشارت الايات في مطلع هذه السوره المباركه الي هزيمه الروم في‏(‏ ادني الارض‏)‏ وهي المنطقه الممتده من حوض وادي عربه جنوبا الي بحيره طبريه شمالا مرورا بكل من حوضي البحر الميت ووادي الاردن‏.‏ وقد اثبتت الدراسات الميدانيه ان هذه المنطقه هي اكثر اجزاء اليابسه انخفاضا عن مستوي سطح البحر وهي في نفس الوقت اقرب الاراضي الي شبه الجزيره العربيه بل هي جزء من تكوينها‏;‏ ولفظه‏(‏ ادني‏)‏ في اللغه العربيه تحتمل المعنيين‏:‏ الاخفض والاقرب‏.‏

واكدت السوره الكريمه علي ان الروم سوف يغلبون من بعد غلبهم هذا في بضع سنين والبضع في اللغه بين الثلاثه والتسعه وقد تحقق نصر الروم علي الفرس بالفعل بعد تسع سنوات‏.‏

وهذه الايات الكريمه التي جاءت في مطلع سوره‏'‏ الروم‏'‏ توكد ان الامر لله تعالي من قبل ومن بعد وان النصر بيده يهبه لمن يشاء من عباده‏‏ وهو العزيز الرحيم‏)‏ كما اكدت فرح المسلمين يومئذ لسببين واضحين‏:‏

اولهما‏:‏ بشري انتصارهم في معركه‏(‏ بدر الكبري‏)‏ علي كفار ومشركي قريش‏.‏

ثانيهما‏:‏ بشري انتصار جيوش الروم وكانوا من بقايا اهل الكتاب علي جيوش الفرس وكانوا من عبده الاوثان‏.‏ وقد تحققت البشارتان بامر الله تعالي ‏.‏

ثم تتابع الايات بالتاكيد علي ان وعد الله سبحانه وتعالي لا يخلف‏,‏ وباستنكار غفله اغلب الناس عن الاخره وضرورتها وحتميه وقوعها‏,‏ وعدم اعتبارهم بابداع الخلق في انفسهم وفي الكون من حواليهم وباستنكار كفرهم بلقاء ربهم وعدم استفادتهم بما حدث للامم من قبلهم جزاء تكذيبهم واستهزائهم بايات الله ورسله وفي ذلك تقول الايات‏:‏

وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن اكثر الناس لا يعلمون‏*‏ يعلمون ظاهرا من الحياه الدنيا وهم عن الاخره هم غافلون‏*‏ اولم يتفكروا في انفسهم ما خلق الله السماوات والارض وما بينهما الا بالحق واجل مسمي وان كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون‏*‏ اولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبه الذين من قبلهم كانوا اشد منهم قوه واثاروا الارض وعمروها اكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون‏*‏ ثم كان عاقبه الذين اساءوا السواي ان كذبوا بايات الله وكانوا بها يستهزئون‏*‏‏(‏ الروم‏:6‏ ‏10).‏

وتستمر الايات في التاكيد علي ان الله تعالي هو الذي يبدا الخلق ثم يعيده وان الخلق جميعهم اليه راجعون وان المجرمين سوف يصلون الي حد الياس من فرط الحزن علي مصيرهم الاسود يوم تقوم الساعه ويوم يتخلي عنهم شركاوهم الذين اشركوهم في عباده الله فيكفرون بهم ويتفرق الخلق الي الذين امنوا وعملوا الصالحات وجزاوهم الجنه ينعمون فيها في فرح وسرور والذين كفروا وكذبوا بايات الله ولقائه او اشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ففي النار يصطلون وفي ذلك تقول الايات‏:‏ الله يبدا الخلق ثم يعيده ثم اليه ترجعون‏*‏ ويوم تقوم الساعه يبلس المجرمون‏*‏ ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين‏*‏ ويوم تقوم الساعه يومئذ يتفرقون‏*‏ فاما الذين امنوا وعملوا الصالحات فهم في روضه يحبرون‏*‏ واما الذين كفروا وكذبوا باياتنا ولقاء الاخره فاولئك في العذاب محضرون‏*‏ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون‏*‏ وله الحمد في السماوات والارض وعشيا وحين تظهرون‏*‏ ‏(‏ الروم‏:11‏ ‏18).‏

وفي هذه الايات امر بذكر الله وتسبيحه وحمده في المساء والصباح وفي العشيه والظهيره وذلك بالصلاه وبالدعاء وبالتنزيه عن الشبيه والشريك والمنازع والصاحبه والولد‏,‏ وعن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وامر بتمجيده سبحانه وتعالي بذكره باسمائه الحسني وصفاته العليا باللسان والقلب في هذه الاوقات المحدده لما فيها من بركات خاصه مما شجع بعض المفسرين علي اعتبارها اوقات الصلوات الخمس التي حددها لنا ربنا تبارك وتعالي او هي تعبير علي اطلاق العباده والذكر والتسبيح علي طول الزمن انسجاما مع ما يقوم به كل ما بالكون من الجمادات والاحياء ومن الخلق المكلف وغير المكلف‏.‏

ثم تستعرض السوره الكريمه في الايات‏(19‏ ‏27)‏ عددا من ايات الله في الكون مما يشهد له سبحانه وتعالي بطلاقه القدره وبديع الصنعه واتقان الخلق وتضرب للناس مثلا من انفسهم وتسالهم بطريقه الاستفهام الانكاري التقريعي التوبيخي فتقول لهم‏:‏ هل لكم من مواليكم شركاء فيما مكناكم من حطام هذه الدنيا فلا تستطيعون التصرف في شيء منه الا باذنهم فان كنتم لا ترضون ذلك لانفسكم ولا تفعلونه وهم امثالكم في البشريه والعبوديه لله تعالي فكيف ترضونه لله الخالق وكيف تشركون في عبادته بعض مخلوقاته او بعض مصنوع مخلوقاته تصنعونه بايديكم ثم تعبدونه من دون الله او تشركونه في عبادته؟ وبمثل هذا التفصيل تبين الايات لاصحاب العقول المستنيره كلا من الحق والباطل‏,‏ وتوكد ان الذين كفروا يتبعون اهواءهم دون علم بعواقب كفرهم او شركهم ولعلم الله تعالي بكبرهم وعنادهم يضلهم ومن يضلل الله فلا هادي ولا ناصر له‏.‏

وبعد ذلك تامر الايات خاتم الانبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم ومن بعده كل مومن برسالته بان يقيم وجهه للاسلام الحنيف اي يقبل عليه بكليته وبجماع قلبه وعقله لانه هو الدين الوحيد الذي يرتضيه ربنا تبارك وتعالي من عباده‏,‏ ولا يرتضي منهم دينا سواه لانه دين الفطره التي فطر عباده عليها‏,‏ والتي لا تبديل لها‏,‏ وان كان اكثر الناس لا يعلمون ذلك اما لجهلهم او لاستكبارهم علي الحق او لانغماسهم في معاصي الله‏.‏ كذلك تامر الايات بالانابه الي الله تعالي وتقواه كما تامر باقامه الصلاه وتحذر مره اخري من الوقوع في دنس الشرك بالله وفي ذلك تقول‏:'‏ فاقم وجهك للدين حنيفا فطره الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون‏*‏ منيبين اليه واتقوه واقيموا الصلاه ولا تكونوا من المشركين‏*‏ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون‏*(‏ الروم‏:30-32).‏وفي الاشاره الي شيء من طبائع النفس الانسانيه تذكر الايات ان الناس اذا اصابهم الضر التجاوا الي الله تعالي متضرعين كشفه عنهم فاذا استجاب الله لتضرعهم سارع فريق منهم الي الشرك به فتكون عاقبه امرهم الكفر بانعم الله تعالي وتنذرهم الايات من شر تلك العاقبه موكده ان من الناس من اذا اذاقهم ربهم نعمه ورحمه منه فرحوا بها الي حد البطر واذا اصابهم بشده بسبب ما اقترفوا من ذنوب يئسوا الي حد القنوط ونسوا ان الله تعالي هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفي ذلك تقول‏:‏

واذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين اليه ثم اذا اذاقهم منه رحمه اذا فريق منهم بربهم يشركون‏*‏ ليكفروا بما اتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون‏*‏ ام انزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون‏*‏ واذا اذقنا الناس رحمه فرحوا بها وان تصبهم سيئه بما قدمت ايديهم اذا هم يقنطون‏*‏ اولم يروا ان الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ان في ذلك لايات لقوم يومنون‏*‏ ‏(‏ الروم‏:33‏ ‏37).‏

وتامر الايات بايتاء ذي القربي حقه والمسكين وابن السبيل وتحرم الربا تحريما قاطعا وتحض علي اداء الزكاه موكده ان الله تعالي هو الخلاق الرزاق المحيي المميت وان الذين عبدهم المشركون لا يستطيعون تحقيق شيء من ذلك وفي ذلك تقول‏:‏ فات ذا القربي حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله واولئك هم المفلحون‏*‏ وما اتيتم من ربا ليربو في اموال الناس فلا يربو عند الله وما اتيتم من زكاه تريدون وجه الله فاولئك هم المضعفون‏*‏ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالي عما يشركون‏*‏ ‏(‏ الروم‏:38‏ ‏40).‏

وبعد ذلك تشير الايات الي ظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس موكده عقاب الله تعالي للمفسدين في الارض لعلهم يرجعون عن فسادهم وفي ذلك تقول‏:‏ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون‏*.(‏ الروم‏:41).‏

وتامر الايات في سوره الروم بالسير في الارض للاعتبار بما وقع من عذاب للامم المشركه والكافره من قبل موكده ضروره الاستقامه علي منهج الله وهو الاسلام العظيم من قبل ان تاتي الاخره فتصدع به كل الخلائق ثم يجزي كل بعمله الذي اداه في الدنيا وفي ذلك تخاطب الايات خاتم الانبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم بقول ربنا تبارك وتعالي‏:‏

قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبه الذين من قبل كان اكثرهم مشركين‏*‏ فاقم وجهك للدين القيم من قبل ان ياتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون‏*‏ من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلانفسهم يمهدون‏*‏ ليجزي الذين امنوا وعملوا الصالحات من فضله انه لا يحب الكافرين‏*‏ ‏(‏الروم‏:42‏ ‏45).‏

وتذكر الايات بان تصريف الرياح هو من دلالات طلاقه القدره الالهيه المبدعه في الكون والمستوجبه لشكر العباد كما تعاود التذكير بعقاب المكذبين من مجرمي الامم السابقه انتقاما منهم والتاكيد علي ان نصر المومنين حق فرضه رب العالمين علي ذاته العليه في كل مكان وزمان وفي ذلك تقول‏:‏

ولقد ارسلنا من قبلك رسلا الي قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين اجرموا وكان حقا علينا نصر المومنين‏*(‏ الروم‏:47).‏

وفي الايات من‏(46‏ ‏51)‏ تفصل سوره الروم كيفيه تكون السحب الطباقيه وانزال الماء منها فيستبشر العباد بذلك بعد ان كانوا من اليائسين وتشبه اخراج الموتي من قبورهم باحياء الارض بعد موتها وذلك بانبات النبات من خلالها موكده ان الله تعالي علي كل شيء قدير‏,‏ وتقارن بين الرياح المبشره بالخير وبين ريح العقاب المصفره‏.‏

وتشبه الايات اعراض كل من الكفار والمشركين عن الاستماع الي رساله الله الخاتمه بعجز كل من الموتي والصم عن الاستماع الي محدثيهم‏,‏ خاصه اذا كان الاصم منهم مدبرا عن محدثه‏,‏ وبعجز الاعمي عن ابصار الطريق القويم وفي ذلك تقول موجهه الخطاب الي خاتم الانبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم‏:‏ فانك لا تسمع الموتي ولا تسمع الصم الدعاء اذا ولوا مدبرين‏*‏ وما انت بهادي العمي عن ضلالتهم ان تسمع الا من يومن باياتنا فهم مسلمون‏*‏ ‏(‏الروم‏:52‏ و‏53).‏

وتذكر الايه رقم‏(54)‏ من سوره‏'‏ الروم‏'‏ كل الناس بان الله تعالي خلقهم من ضعف ثم جعل من بعد الضعف قوه ثم من بعد القوه ضعفا وشيبه حتي يرعي الصغير في طفولته‏,‏ ولا يغتر شاب بقوته‏,‏ ولا يحزن شيخ لضعفه في شيبته ويعلم الجميع انها سنه الله في خلقه فيرضي كل بقسمته وبتقدير الله العليم القدير له‏.‏

وفي الايات من‏(55-57)‏ تاكيد علي مرحليه الحياه الدنيا وفتنه الناس بها وغفلتهم عن الاخره وخلودها وتناسيهم لحتميه وقوعها ثم مفاجاتهم بها في يوم القيامه ولذلك يقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-:'‏ فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون‏*‏ ‏(‏ الروم‏:57).‏

وتختتم سوره‏'‏ الروم‏'‏ بخطاب موجه من الله تعالي الي خاتم انبيائه ورسله صلي الله عليه وسلم والي جميع المومنين برسالته من بعده موكدا كفر الذين يكذبون بالقران الكريم وقد طبع الله تعالي علي قلوبهم بكفرهم فهم لا يرون الحق ابدا ولا يجدون اليه سبيلا وتامر الايات بالصبر علي استخفافهم بدعوه الحق وتطمئن القلوب المومنه بان وعد الله حق وهو واقع لا محاله وفي ذلك يقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-'‏ ولقد ضربنا للناس في هذا القران من كل مثل ولئن جئتهم بايه ليقولن الذين كفروا ان انتم الا مبطلون‏*‏ كذلك يطبع الله علي قلوب الذين لا يعلمون‏*‏ فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون‏*.‏‏(‏ الروم‏:58‏ ‏60).‏

من ركائز العقيده الاسلاميه في سوره الروم

‏1‏ الايمان بالله تعالي ربا واحدا احدا فردا صمدا‏(‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبه ولا ولد‏)‏ هو رب كل شيء ومليكه وله الامر من قبل ومن بعد في كل شيء ومن هنا وجب تنزيهه عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏
‏2‏ اليقين بان النصر من الله تعالي الذي ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وبان وعد الله حق وانه تعالي لا يخلف وعده ولكن اكثر الناس لا يعلمون‏.‏

‏3‏ التصديق بالاخره وبحتميه الرجوع الي الله ولقائه‏.‏
‏4‏ الايمان بجميع انبياء الله ورسله وبخاتمهم سيدنا محمد بن عبد الله صلي الله عليه وسلم ‏.‏

‏5‏ اليقين بان الله تعالي يبدا الخلق ثم يعيده وبانه هو الذي‏(‏ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر‏)‏ وانه لا يظلم احدا ولكن الناس انفسهم يظلمون‏.‏
‏6‏ التسليم بحقيقه كل من الجنه والنار وبان الذين امنوا وعملوا الصالحات سوف ينعمون في روضه يحبرون وان الذين كفروا بالله تعالي او اشركوا به او كذبوا باياته سوف يشقون في نار جهنم وهم في العذاب محضرون‏.‏
‏7‏ التصديق بعمليتي الخلق الاول من تراب ثم البعث بعد الموت وبانهما مناظرتان تماما لعمليتي اخراج الحي من الميت في الدنيا واحياء الارض بعد موتها بمجرد ريها بالماء وبان الله‏-‏ تعالي‏-‏ يخلق ما يشاء وانه هو العليم القدير‏.‏

‏8‏ الايمان بان الاسلام العظيم هو دين الله الذي انزله علي فتره من الرسل ثم اتمه واكمله وحفظه في رسالته الخاتمه التي انزلها علي خاتم انبيائه ورسله صلي الله عليه وسلم وان هذا الدين هو فطره الله التي فطر الناس عليها وان الذين يتبعون اهواءهم بغير علم يضلهم الله ومن يضلل الله فلا هادي له‏.‏
‏9‏ اليقين بان‏(‏ الربا‏)‏ الذي‏(‏ يربو‏)‏ في اموال الناس لا يربو عند الله وان صدقات التطوع التي تبذل في سبيل الله طلبا لمرضاته هي التي تستحق الاضعاف من الحسنات وبان لكل من ذوي القربي والمساكين وابناء السبيل حقوقا منحهم اياها الله تعالي ولا يجوز لمسلم ان يقصر في ادائها ابدا‏.‏

من الاشارات الكونيه في سوره الروم‏1‏ وصف الارض التي هزمت فيها جيوش الدوله الرومانيه امام جحافل الفرس سنه‏614‏ ‏615‏ م بوصف ادني الارض بمعني اخفضها او اقربها وقد اثبتت الدراسات الحديثه ان اغوار وادي عربه البحر الميت ووادي الاردن هي اخفض اجزاء اليابسه علي الاطلاق واقربها الي شبه جزيره العرب‏.‏
‏2‏ الاخبار بغلبه الروم علي الفرس بعد هذه الهزيمه المنكره ببضع سنين وقد تم ذلك فعلا في حدود سنه‏624‏ م‏.‏

‏3‏ التقدير بان خلق السماوات والارض قد تم بالحق واجل مسمي وان الله تعالي هو الذي يبدو الخلق ثم يعيده وهو الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الارض بعد موتها ويبعث الخلق من قبورهم يوم القيامه‏.‏
‏4‏ الاشاره الي خلق الانسان من تراب في زوجيه واضحه جعلها ربنا تبارك وتعالي سكنا وراحه نفسيه للزوجين وجعل بينهما موده ورحمه وجعل اصل البشريه واحدا مع اختلاف الالسنه والوان البشره‏.‏
‏5‏ التاكيد علي ان الليل قد جعل الله تعالي سكنا للناس والنهار معاشا وعلي الرغم من ذلك فقد اعطي الله سبحانه وتعالي الانسان القدره علي النوم بالنهار كما جعل من الحيوانات ما ينام بالليل فقط وما ينام بالنهار فقط‏.‏

‏6‏ ذكر ظاهره البرق وارتباطها بانزال المطر واحياء الارض بعد موتها والتاكيد علي علاقه الارض بالسماء والاشاره الي ان اخراج الموتي من قبورهم في يوم البعث يشبه ذلك‏.‏
‏7‏ الاشاره الي الافساد المادي والمعنوي بكل من البر والبحر بما تكسبه ايدي الناس والتاكيد علي ان الله تعالي سوف يذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون‏.‏
‏8‏ وصف تصريف الرياح وعلاقه ذلك بجريان الفلك بامر الله ووصف كل من السحاب الطباقي وطرائق تكوينه وانزال المطر منه وتكوين السحاب الركامي ومصاحبته بالبرق والرعد والمطر وهو سبق لكل العلوم المكتسبه بمئات من السنين‏.‏

‏9‏ الاشاره الي المراحل المتعاقبه في دوره حياه الانسان علي الارض من ضعف الي قوه ثم الي ضعف وشيبه‏.‏
وكل قضيه من هذه القضايا تحتاج الي معالجه خاصه بها ولذلك فسوف اقصر الحديث هنا علي النقطه السابعه في القائمه السابقه والتي تتحدث عن الافساد المادي والمعنوي الذي ظهر في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس والذي تعاني منه الارض واحياوها اشد المعاناه اليوم‏.‏


من الدلالات العلميه للنص الكريم

اولا‏:‏ الافساد المعنوي في الارض‏:‏
الافساد لغه‏:‏ هو اذهاب ما في الشيء من نفع وصلاحيه والفساد هو خروج الشيء عن حد الاعتدال والصلاح ولكل من الفساد والافساد معناه المادي الملموس في البيئات الفطريه ومدلوله المعنوي الضمني لسلوك الانسان في البيئات الاجتماعيه‏.‏
ويتجسد الفساد المعنوي في فقد الانسان لقدرته علي تحقيق رسالته في هذه الحياه‏:‏ عبدا لخالقه‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ يعبده بما امر ومستخلفا في الارض من قبل هذا الخالق العظيم ليحسن القيام بواجبات الاستخلاف فيها بعمارتها واقامه شرع الله تعالي‏-‏ وعدله فيها‏.‏ وبانعدام فهم الانسان لهذه الرساله تفسد عنده المعتقدات وتنحرف العبادات وتنحط الاخلاق والسلوكيات والمعاملات وتضيع القيم والحقوق وتفسد الانظمه والمجتمعات ويفشل الانسان في القيام بواجباته في هذه الحياه فيظل تائها حائرا فيها حتي يخرج منها صفر اليدين من الحسنات مثقلا بالذنوب والتبعات قد ضيع كلا من دنياه واخراه سدي وليس هنالك افساد اخطر من هذا الافساد‏.‏ وذلك لان الانسان مخلوق عاقل مكرم مكلف ذو اراده حره فاذا صلحت ارادته صلحت حياته وصلح مجتمعه واذا فسدت ارادته فسدت حياته ومجتمعه وملا الارض من حوله فسادا وظلما وجورا‏.‏ ومن صور هذا الفساد ما يلي‏:‏

‏1‏ فساد الاعتقاد‏:‏
والذي يظهر في العديد من صور الكفر او الشرك بالله تعالي التي تعم مختلف جنبات الارض اليوم والله تعالي خلق كل شيء في ثنائيه واضحه‏(‏ من اللبنات الاوليه للماده الي الانسان‏)‏ حتي يبقي ربنا متفردا بالوحدانيه المطلقه فوق جميع خلقه ثم ان الله سبحانه وتعالي‏-‏ خلق كل خلقه علي نمط واحد حتي يشهد خلقه له بالوهيته وربوبيته وخالقيته ووحدانيته وبمغايرته لخلقه مغايره كامله ومن هنا كان الكفر بالله تعالي او الشرك به غمط لاول حقوق الله علي عباده وانكار لاعظم حقائق هذا الوجود ومفسده للانسان اي مفسده لان المخلوق اذا غفل عن حقيقه عبوديته لخالقه فسدت عقيدته وبفسادها يفسد فكره وارادته وسلوكه وعلاقاته بغيره ويفسد مجتمعه وبفساد المجتمعات تفسد الامم وتلوث بمختلف صور الفساد لخروجها عن منهج الله واوامره ولفقدانها الصله الحقيقيه بالله تعالي‏.‏ وبهدايته الربانيه في الامور التي لا يمكن للانسان ان يضع لنفسه فيها ايه ضوابط صحيحه وهي امور الدين‏.‏

‏2‏ فساد العبادات‏:‏
ويظهر ذلك في العديد من العبادات الموضوعه المنتشره في مختلف جنبات الارض والله تعالي يحب ان يعبد بما امر ولان المفهوم اللغوي للعباده هو الخضوع الكامل لله تعالي بالطاعه لاوامره واجتناب نواهيه والانسان مجبول بفطرته علي الايمان بالله وعبادته بما امر واذا لم يهتد الانسان الي العباده الصحيحه لله سول له الشيطان انماطا من العباده المصطنعه يملا بها الحاجه الداخليه الي الدين والي العباده‏.‏ ولا يمكن لعاقل ان يتصور امكانيه ان يصطنع لنفسه نمطا من العباده او ان يصنعها له انسان مثله ثم يتخيل قبول الله سبحانه وتعالي لتلك العباده الموضوعه‏.‏ وغالبيه اهل الارض واقعون اليوم في هذا الشرك من شراك الشيطان التي اذا وقع الانسان فيها فقد صلته بالله وبفقدها يفقد الانسان انسانيته ويتحول الي كيان فاسد مفسد مدمر لذاته ولاهله ولمجتمعه يعبد ذاته او اهواءه وشهواته ورغائبه او يعبد غيره من البشر او يعبد الشيطان وفي كل هذه الحالات لا يمكن له ان يحيا حياه سويه علي الارض او ان يكون مستخلفا صالحا فيها‏.‏

‏3‏ فساد كل من الاخلاق والمعاملات‏:‏
اذا فسدت العقائد والعبادات فسدت الاخلاق والمعاملات وانتشر بين الناس حب استغلال السلطه والتعدي علي المال العام وصاحب ذلك فساد الذمم والخداع والكذب ونقض العهود والعقود والمواثيق واكل اموال الناس بالباطل وتطفيف الموازين والمكاييل والغش في الصنعه والعمل وانتشار السرقات والنهب والسلب والرشوه والمحسوبيه والربا واشاعه كل من الاستبداد والمظالم والفواحش والفتن والاعتداء علي الاعراض والاموال والممتلكات واختلاط الانساب ونصره الباطل واهله ومحاربه الحق وجنده وفساد الاحكام والتصورات والقيم والنظم وافساد العقول وضياع القدوه الحسنه وغياب الشفافيه وغير ذلك من صور الفساد المعنوي والاخلاقي والسلوكي وهو من ابشع صور الافساد في الارض وكلها من معاصي الله التي تستجلب غضبه‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ وتستوجب نزول عقابه في صور عديده منها جدب الارض ونقص الاموال والانفس والثمرات وتفشي الاوبئه والامراض والاوجاع والاجتياح بمختلف الكوارث ومنها الزلازل وثوران البراكين والعواصف والاعاصير والحرائق والغرق والاجتياح كذلك بالاعداء الجائرين وبالمظالم المتفشيه والشح والغلاء وانتزاع البركه من كل شيء والهبوط بالانسانيه الي ما هو دون مستويات الحيوان الاعجم لان الحيوان لا يخرج بسلوكه عن الفطره التي فطره الله تعالي عليها والتي يعبد خالقه بها بينما الانسان يستطيع بارادته الحره ان ينحط الي ما دون مستوي الحيوان‏.‏ وليس ادل علي ذلك من اباحه عدد من الحكومات الغربيه للشذوذ الجنسي والزواج بالمثل والسماح لهولاء الشواذ بالتبني فينشا الاطفال في هذه البيئات العفنه التي تدعمها الدوله وتسمح لها بكل الحقوق الاجتماعيه والماليه ينشاون وهم يالفون الفساد والانحراف ولا يرون فيه شيئا يشين او يعيب وهو من اخطر صور الافساد المعنوي في الارض‏.‏

ثانيا‏:‏ الافساد المادي في الارض‏:‏


بالاضافه الي الفساد المعنوي الذي قد عم الارض في زمن الفتن الذي نعيشه فان هذا النص القراني المعجز يشير ايضا الي الافساد المادي في بيئات الارض الثلاث‏:‏ التربه والماء والهواء وذلك لان لفظه‏(‏ البر‏)‏ تشمل كلا من اليابسه وما يحيط بها من غلاف غازي وكذلك لفظه‏(‏ البحر‏)‏ تشمل كلا من القاع المنخفض والماء الذي يمتلئ به وما يحيط بهما من غلاف غازي‏.‏ وهذه البيئات الثلاث وما بكل منها من مختلف صور الاحياء والجمادات تشكل حلقات مترابطه يتاثر بعضها ببعض واي اخلال بنظام احداها يوثر سلبا علي النظم الاخري‏.‏

وقد بدات مشكله تلوث البيئه في التفاقم مع بدايه الثوره الصناعيه في اوروبا الغربيه والتي كانت اولي خطواتها مع اختراع الاله البخاريه‏.‏ فقد ادي سوء استخدام الوقود الاحفوري‏(‏ من امثال الفحم الحجري والنفط والغازات الطبيعيه‏)‏ في الات الاحتراق الداخلي ومحركات الدفع والمصانع المختلفه الي زياده نسبه عدد من الغازات السامه التي من اخطرها اكسيد كل من الكربون والكبريت والنيتروجين والرصاص والهيدروكربونات غير كامله الاحتراق التي تطلق كلها في الغلاف الغازي للارض‏.‏

وهذا الاعتداء علي البيئه وعلي ما فيها من احياء هو من معاني الافساد في الارض لانه افساد مادي ملموس يحدثه الانسان بسوء سلوكياته وتصرفاته في مختلف بيئات الارض وقد احكم الله خلقها وضبط علاقاتها ببعضها كما وكيفا باحكام واتزان بالغين لا يخله الا افساد الانسان وذلك لان الله تعالي خلق كل شيء بقدر اي بمكونات ومقادير محدده ومتوازنه وبصفات وخصائص معينه تكفل لكل بيئه الملاءمه الكامله لانواع الحياه التي خلقت لها في توافق واعتدال لا يفسده الا تدخل الانسان بطمعه وجشعه واسرافه او بجهله وتخلفه وتسيبه او بسوء نواياه وخبث مقاصده مما يفسد مكونات النظم البيئيه الدقيقه كما وكيفا ويخرجها عن سويتها التي خلقها الله تعالي بها ويجعلها غير موائمه للاحياء التي تعيش فيها ويصيبها بشيء من الخلل او الشلل الذي يعطلها عن اداء وظيفتها ويفقدها صلاحيتها ونفعها‏.‏ ومن صور هذا الافساد المادي ما يلي‏:‏

‏1‏ التلوث الكيميائي للبيئه‏:‏
ويتم ذلك بتزايد اطلاق كميات هائله من الملوثات الغازيه والسائله والصلبه الي مختلف بيئات الارض من التربه والماء والهواء وذلك من مثل غازات اول وثاني اكسيد الكربون واكاسيد كل من النيتروجين والكبريت والرصاص والزئبق والهيدروكربونات غير كامله الاحتراق وغيرها من الملوثات السامه لكل حي‏.‏ وتميل هذه الغازات الي التفاعل السريع مع ماده الهيموجلوبين في خلايا الدم الحمراء اثناء مرور الدم بشعيرات الرئتين فينتج عن هذه التفاعلات اعداد من المركبات الكيميائيه المعقده التي تعيق الدم عن القيام بدوره في الاتحاد مع الاكسجين القادم مع عمليه الشهيق من اجل نقله الي بقيه اجزاء الجسم ومن اعراض ذلك حدوث ضيق في التنفس الي حد الشعور بالاختناق وما يستتبعه من تاثيرات سلبيه علي كل من المخ وبقيه الجهاز العصبي تصحبها الام الصداع الحاده وقد تودي الي حدوث الذبحه الصدريه وتنتهي بالوفاه‏.‏

كذلك فان غاز ثاني اكسيد الكربون له قدره هائله علي امتصاص الاشعه تحت الحمراء القادمه مع اشعه الشمس مما يودي الي رفع درجه حراره الغلاف الغازي للارض بالتدريج خاصه وان ثاني اكسيد الكربون اذا زادت نسبته في الغلاف الغازي للارض فانه يتجمع بالقرب من سطحها نظرا للكثافه النسبيه العاليه له فيعمل كحاجز حراري يحيط بالارض احاطه كامله مما يودي الي خلخله واضطراب المناخ وتحرك العواصف والاعاصير المدمره‏.‏

وتدل القياسات العلميه المختلفه علي ان نسبه ثاني اكسيد الكربون في جو الارض وهي في الاصل في حدود‏0.003%‏ تقدر اليوم بحوالي‏0.0318%‏ بمعني انها قد تضاعفت اكثر من عشر مرات منذ بدايه الثوره الصناعيه الي اليوم‏.‏

اما اكاسيد النيتروجين والتي ينتج بعضها عن تعفن النفايات التي ينتجها الانسان وينتج البعض الاخر عن اكسده نيتروجين الغلاف الغازي للارض بواسطه درجات الحراره العاليه الناتجه عن اجهزه الاحتراق الداخلي المختلفه في كل من المصانع ووسائل النقل المتعدده من‏(‏ السيارات والطائرات والصواريخ والبواخر والبوارج وغيرها‏).‏ واكاسيد النيتروجين هي غازات سامه وضاره خاصه بالاجهزه التنفسيه للاحياء وفي مقدمتها الانسان اذا زادت نسبتها في الهواء عن‏00.05%‏ جرام‏/‏ م‏3.‏ بينما تركيزها السائد في اغلب المدن الصناعيه اليوم يتعدي‏1‏ جرام‏/‏ م‏3.‏

وبالمثل فان اكاسيد الكبريت‏(‏ اول وثاني اكسيد الكبريت‏)‏ هي غازات مهيجه لانسجه الاجهزه التنفسيه عند كل من الانسان والحيوان وضاره بالنباتات وبالجمادات وذلك لان ثاني اكسيد الكبريت بالذات له قابليه عاليه للذوبان في الماء مكونا حمض الكبريتيك وهو واحد من اقوي الاحماض المعروفه لنا وله قدره فائقه علي اذابه العديد من المواد العضويه وغير العضويه مما يودي الي اتلاف الانسجه الحيه والي تاكل كل من المواد الفلزيه‏(‏ من مثل الحديد والنحاس والرصاص وغيرها‏)‏ وغير الفلزيه‏(‏ ومنها احجار البناء والمواد الخرسانيه والخشبيه‏)‏ وقد ينتج عن هذه التفاعلات هباءات من المركبات الكبريتيه الضاره‏(‏ من مثل كبريتات وكبريتيدات العناصر المختلفه‏)‏ التي تنتشر في الجو فتلوثه وسرعان ما تنتقل من الهواء الي كل من التربه والماء فتلوثهما ثم تجد طريقها الي الاحياء فتصيبهم باضرار بالغه وذلك عن طريق ما يعرف باسم الامطار الحمضيه‏.‏

ومن الثابت علميا ان مثل هذه الملوثات للبيئه لها علاقه مباشره بانتشار العديد من الامراض الخطيره من امثال الاورام السرطانيه ونقص المناعه والحساسيه وغيرها من امراض الجهاز التنفسي‏.‏

ولا يتوقف دور مختلف المصانع والانشطه الصناعيه الاخري ووسائل المواصلات‏(‏ من السيارات والشاحنات والطائرات والبواخر والغواصات وحاملات الطائرات والصواريخ وغيرها‏)‏ عند حدود ما تطلقه من الغازات والسوائل والجوامد السامه بل تتعدي ذلك الي ما تثيره اجهزه المصانع ووسائل الاتصال والنقل المختلفه من ضجيح له تاثيراته السلبيه علي مختلف صور الحياه وما تنتجه وسائل النقل الارضيه من غبار ونتائج تاكل كل من الاطارات وصفائح الكوابح واسطح الطرق المرصوفه وغيرها‏.‏

ولم يهتم الدارسون بقياس معدلات تلوث البيئه خاصه في اجواء المدن الصناعيه المكتظه بالسكان حتي شتاء‏1952‏ م حيث سادت حاله من الركود الجوي في الغلاف الغازي لمدينه لندن‏(‏ العاصمه البريطانيه‏)‏ لعده ايام متتاليه تجمعت خلالها ادخنه المصانع في جو المدينه علي هيئه كتل من الضباب الاسود الراكد القريب من سطح الارض والشديد التلوث بعوادم مداخن المصانع وتسبب هذا الضباب الاسود في وفاه اكثر من اربعه الاف شخص واستمر التلوث في جو المدينه بعد زوال هذا السحاب الراكد لمده زادت علي خمسه عشر يوما وقد تكرر حدوث هذه الكارثه في تاريخ مدينه لندن عده مرات كان من اشدها ما حدث في شتاء سنه‏1962‏ م كما تكرر في تاريخ غيرها من المدن الصناعيه الاوروبيه والامريكيه‏.‏

ومن اخطر كيماويات التلوث غازات كلورو فلوريد الكربون‏(C.F.C.)‏ او ما يعرف باسم‏'‏ غاز الفريون‏'‏ الذي يستخدم في وسائل التبريد والتكييف المختلفه وفي مختلف حاويات وعلب الرش كدافع لرذاذ السوائل والغازات المضغوطه‏.‏ ومن مخاطر هذا الغاز انه يعمل علي اختزال الاوزون‏(O3)‏ في طبقته الخاصه المحبطه بالارض وتحويلها الي الاكسجين‏(O2)‏ مما يعرض الحياه علي سطح الارض للدمار‏,‏ وذلك لان طبقه الاوزون جعلها الخالق‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ حمايه للحياه علي الارض من اخطار الاشعه فوق البنفسجيه القادمه مع اشعه الشمس وهي اشعات لها قدرات كبيره علي اختراق الاجسام الصلبه ومنها جسم الانسان فتصيبه بعدد من الامراض التي منها سرطانات الجلد وامراض العيون‏.‏ ومن رحمه الله تعالي‏-‏ ان حركه الرياح تحمل غاز الفريون المنطلق الي الجو بواسطه عمليات التلويث المختلفه الي المنطقتين القطبيتين الشماليه والجنوبيه وادي ذلك الي تفكك طبقه الاوزون فوق قطبي الارض محدثا ما يعرف اليوم مجازا باسم‏'‏ ثقبي طبقه الاوزون‏'‏ ومن هذين الثقبين تنفذ حزم الاشعه فوق البنفسجيه بجرعات تفوق طاقه احتمال الحياه الارضيه‏.‏

ولم يكتشف ثقب الاوزون في القطب الجنوبي الا في سنه‏1982‏ م ولم يتم الانذار بمخاطره بالنسبه للاحياء الارضيه الا في سنه‏1984‏ م‏.‏ وفي قمه الارض التي عقدت في‏(‏ ريودي جانيرو‏)‏ في اوائل الثمانينات تعهد الموتمرون بالعمل علي خفض انتاج الفريون الي النصف قبل سنه‏1999‏ م ولم يتم ذلك بعد‏.‏

واذا اضفنا الي ذلك امكانيه تسرب المواد الكيميائيه ذاتها من المصانع كما حدث في كارثه بوبال في الهند والتي راح ضحيتها الاف من البشر ومن الحيوانات‏.‏ واذا اخذنا في الاعتبار تزايد معدلات تراكم العديد من المركبات الكيميائيه الضاره في اجساد الكائنات الحيه نتيجه للافراط في استخدامات المواد الحافظه والملونه للاغذيه والمبيدات الحشريه والمخصبات الزراعيه والمنظفات الصناعيه وغيرها‏.‏ ومن مثل الافراط في استخدام مياه الصرف الصحي المعالجه كيميائيا في ري النباتات او نتيجه لقذف نفايات المصانع والمستشفيات وغيرها من النفايات الي مياه الانهار والبحيرات والبحار مما يودي الي تلوث كل من الماء وما يذخر به من الاحياء خاصه في ظل تزايد ما ينتجه الانسان المعاصر من نفايات منزليه‏(‏ تقدر للفرد الامريكي الواحد بحوالي الالف كيلو جرام من القمامه في المتوسط سنويا‏)‏ اتضحت لنا جوانب من اخطار تلوث البيئه تهدد الحياه علي الارض بمختلف اشكالها تهديدا حقيقيا يستوجب من كل انسان عاقل التوقف لدراسه كيفيه التقليل من انتاج تلك الملوثات والتخلص مما تكدس منها في بيئات الارض لاعاده الحياه الارضيه الي فطرتها السويه التي خلقها الله تعالي عليها‏.‏

‏2‏ الافساد في الارض بالتلوث الحراري‏:‏
لا تقتصر اخطار حرق ملايين الاطنان من الفحم والنفط والاخشاب والغازات الطبيعيه يوميا في مختلف دول العالم علي ما تطلقه من غازات وابخره سامه وملوثات صلبه وسائله بل يمتد ذلك الي رفع درجه حراره الهواء الملاصق لسطح الارض لعدم تشتت هذه الحراره بالكامل الي طبقات الجو العليا بسبب ما تحدثه هذه الغازات السامه من ظاهره‏'‏ الاحتباس الحراري‏'‏ واثرها علي اختلال الميزان المناخي الدقيق للارض وما يمكن ان يصاحب هذا الاختلال من كوارث مثل العواصف والاعاصير المدمره وموجات الجفاف والتصحر المهلكه وانصهار الجليد من كل من المناطق القطبيه وقمم الجبال وما يمكن ان يوديه ذلك الي ارتفاع لمنسوب الماء في البحار والمحيطات واغراق لكل من الجزر البحريه والمناطق الساحليه والمنبسطه‏.‏

وتكفي هنا الاشاره الي تصحر اكثر من سته ملايين هكتار من الاراضي الزراعيه واراضي الرعي سنويا منذ بدء الثوره الصناعيه في اوروبا الغربيه والي تدمير اكثر من عشره ملايين هكتار من اراضي الغابات وتحويلها الي اراض زراعيه فقيره‏.‏

‏3‏ الافساد في الارض بالتلوث الاشعاعي‏:‏
وهو من اشد منتجات التقنيات الحديثه افسادا لبيئه الارض وفتكا بالانسان والحيوان والنبات وينتج عن تحلل العناصر المشعه التي اخذت دوائر استخدامها في الاتساع بانتشار كل من المفاعلات والاجهزه والاسلحه النوويه بمختلف صورها واشكالها ومحطات توليد الطاقه الكهربائيه بواسطه المواد النوويه والاجهزه الطبيه والبحثيه المستخدمه لتلك المواد وتوظيف اليورانيوم المنضب‏(‏ المستنفد‏)‏ في العديد من الصناعات الحربيه والمدنيه وصعوبه التخلص من النفايات النوويه والتي لا تجد الدول المنتجه لها مثوي سوي قيعان البحار والمحيطات او اراضي دول العالم الثالث واستحاله ضمان عدم وصول هذه النفايات الي مختلف بيئات الارض بعد دفنها او عدم تسرب الاشعاع من محطات توليد الطاقه النوويه وتكفي في ذلك الاشاره الي تسربات الاشعاع من مفاعل تشرنوبل بالاتحاد السوفيتي السابق ومن مفاعل جزيره الاميال الثلاثه بالولايات المتحده الامريكيه ومفاعل اسكتلنده بالمملكه المتحده وما احدثته هذه التسربات الاشعاعيه من كوارث بيئيه وبشريه كبيره‏.‏

وقد اخذت نسب الاشعاعات النوويه بالتزايد في مختلف بيئات الارض بصوره تنذر بالخطر وذلك مع التوسع في العقود القليله الماضيه في استخدام النظائر المشعه في العديد من الانشطه الصناعيه والطبيه‏.‏

والاشعه النوويه لها قدرات تدميريه مهلكه للخلايا والانسجه الحيه اذا تعرضت لها بجرعات تتجاوز احتمالها ويعتقد بان لذلك علاقه بزياده الاصابه بالاورام السرطانيه في السنوات الاخيره خاصه وان اهل الارض لم يكادوا ان يخرجوا من اثار الثوره الصناعيه حتي دخلوا في حربين عالميتين كان ضحاياهما اكثر من‏65‏ مليون قتيل غير ملايين المقعدين والمشردين والايتام والارامل وعشرات البلايين من الدولارات علي هيئه خسائر ماديه متنوعه‏.‏ وانتهت الحرب العالميه الثانيه بكارثتي كل من فلسطين واليابان حين سلمت الموامره البريطانيه ارض فلسطين لغلاه الحركه الصهيونيه العالميه دون ادني حق فاغرقوها في بحر من الدماء والاشلاء والخراب والدمار وضربت الطائرات الامريكيه مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين بالقنابل الذريه فابادتهما اباده كامله واهلكت سكانهما وتركت الناجين من بينهم في حالات من التشوه والاعاقه المرعبين ولوثت مختلف البيئات باثار الاشعاع الي يومنا الراهن‏.‏ وتخزين كل من الدول الصناعيه الكبري والكيان الصهيوني الغاصب لارض فلسطين لالاف الرووس النوويه ولغيرها من اسلحه الدمار الشامل بكميات كبيره لهو من اكبر مصادر تلوث البيئه‏.‏

ولا تزال الارض تعصف بها اعاصير الحروب البارده والساخنه ويزداد بها مخزون اسلحه الدمار الشامل عند الدول الصناعيه واذنابها‏,‏ ولا يقتصر خطر تلك الاسلحه علي استعمالها ولكن يكمن الخطر في امكانيه وقوع ثوره بركانيه او هزه ارضيه او سلسله من العواصف والاعاصير المدمره التي يمكن ان تصل الي ذلك المخزون وتفجره‏...!!‏ ومن دوافع تكديس اسلحه الدمار الشامل الصراع علي استنزاف ثروات الارض واغلبها ثروات غير قابله للتجدد بنفس سرعات الاستنزاف‏.‏ والاسراف المخل في التعامل مع العديد من هذه الثروات وهدرها في غير اوجهها الصحيحه او تعطيلها بالكامل وكل ذلك يعرض الارض اليوم لسلاسل من الكوارث البيئيه والبشريه بالاضافه الي الكوارث المعنويه ولذلك قال تعالي‏:'‏ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون‏(41)'‏ الروم‏(41).‏

وهذه الايه الكريمه من ايات الاعجاز العلمي والغيبي في كتاب الله لانه لم يكن لاحد من الخلق امكانيه تصور الواقع الحالي البئيس للارض من قبل الف واربعمائه من السنين‏.‏ وهذا السبق الاخباري وامثاله في القران الكريم مما يشهد له بانه لا يمكن ان يكون صناعه بشريه بل هو كلام الله الخالق الذي انزله بعلمه علي خاتم انبيائه ورسله وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العليه في نفس لغه وحيه‏(‏ اللغه العربيه‏)‏ وحفظه حفظا كاملا علي مدي الاربعه عشر قرنا الماضيه وتعهد بهذا الحفظ الي ما شاء الله تعالي‏-‏ فالحمد لله علي نعمه القران والحمد لله علي نعمه الاسلام وصلي الله وسلم وبارك علي النبي الذي تلقاه واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الجمعة 29 أكتوبر 2010 - 23:09



من أسرار القرآن (‏366)
بقلم: د. زغلول النجار


يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلي المرافق هذا النص القرآني الكريم جاء في أوائل سورة المائدة وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائة وعشرون‏(120)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي من طوال سور القرآن الكريم‏,‏ ومن أواخرها نزولا‏.

فقد أنزلت في السنة السادسة من الهجرة بعد صلح الحديبية‏,‏ وقد سميت السورة بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي المائدة التي أنزلها الله‏-‏ تعالي‏-‏ من السماء كرامة لعبده ورسوله المسيح عيسي بن مريم‏(‏ عليهما السلام‏).‏

ويدور المحور الرئيسي لسورة المائدة حول التشريع بأحكام الدولة الإسلامية‏,‏ وتنظيم مجتمعاتها علي أساس من الإيمان بوحدانية الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وعبادته وحده‏(‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏),‏ وتنزيهه فوق جميع صفات خلقه‏,‏ وفوق كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ ومن هنا كان حقه في التشريع لعباده‏.‏ وكانت أول بنود هذا التشريع الإسلامي هو عقد الإيمان بالله تعالي‏-‏ ربا وبالإسلام دينا‏,‏ وبسيدنا محمد‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ نبيا ورسولا‏.‏ وهذا العقد هو القاعدة التي يقوم عليها سائر العقود في حياة المسلم‏,‏ ومن هنا استهلت هذه السورة الكريمة بمطالبة الذين آمنوا بالوفاء بالعقود‏.‏ هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة المائدة‏,‏ وما جاء فيها من التشريعات‏,‏ وركائز العقيدة‏,‏ والإشارات العلمية‏,‏ ونركز هنا علي وجه الإعجاز التشريعي في النص الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال‏.‏
من فقه الوضوء

يقول ربنا تبارك وتعالي‏-‏ في محكم كتابه‏: (‏ يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلي المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلي الكعبين‏....)(‏ المائدة‏:6).‏

والقيام إلي الصلاة هو تهيؤ للوقوف بين يدي الله‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ خالق الخلق ومبدع الوجود‏,‏ رب هذا الكون ومليكه‏,‏ موجده وسيده ومصرف أمره‏,‏ ولا بد لهدا الموقف من طهارة مادية ومعنوية كبيرة‏,‏ ومن هنا كان تشريع الوضوء‏,‏ ومن فرائضه غسل الوجه‏,‏ وغسل اليدين إلي المرافق‏,‏ ومسح الرأس‏,‏ وغسل الرجلين إلي الكعبين‏,‏ ولذلك قال المصطفي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ لا يقبل الله صلاة أحدكم أذا أحدث حتي يتوضأ‏(‏ روا الشيخان‏,‏ وأبو داود‏,‏ والترمذي‏).‏

والوضوء في حق المحدث واجب‏,‏ وفي حق المتطهر ندب‏,‏ وكان النبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ يتوضأ عند كل صلاة‏,‏ فلما كان عام الفتح توضأ ومسح علي خفيه وصلي الصلوات بوضوء واحد من أجل التشريع بالأمرين‏.‏ وعنه‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ أنه قال‏:‏ من توضأ علي طهر كتب له عشر حسنات‏.‏

وقد استدل عدد من العلماء بقوله‏-‏ تعالي‏-(‏ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا وجوهكم‏...)‏علي وجوب النية في الوضوء‏.‏

ويستحب للمسلم قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله‏-‏ تعالي‏-‏ علي وضوئه‏.‏ وذلك لقول المصطفي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:‏ لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه‏.‏

كذلك يستحب أن يغسل كفيه ثلاثا قبل البدء في الوضوء خاصة عند القيام من النوم‏.‏

وحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت الشعر إلي منتهي اللحيين والذقن طولا ومن الأذن إلي الأذن عرضا‏,‏ ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة‏.‏ وقد ثبت عن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ أنه كان إذا توضأ تمضمض واستنشق ثلاثا لقوله‏:‏ من توضأ فليستنشق وفي رواية‏:‏ إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينثر والانتثار هو المبالغة في الاستنشاق‏.‏ وفي قوله‏-‏ تعالي‏-: (‏ وأيديكم إلي المرافق‏)‏ معناه مع المرافق‏,‏ ويستحب للمتوضئ أن يبدأ بالعضد فيغسله مع ذراعيه‏,‏ لقول المصطفي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء‏,‏ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل‏(‏ البخاري‏,‏ مسلم‏);‏ ولقوله تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء‏(‏ مسلم‏).‏

وفي قوله‏-‏ تعالي‏-: (‏ وامسحوا برؤوسكم‏)‏ وفسرت‏(‏ الباء‏)‏ هنا بأنها للإلصاق‏(‏ وهو الأظهر‏)‏ أو للتبعيض‏,‏ فذهب بعض الفقهاء إلي تكميل مسح جميع الرأس من مقدمته إلي القفا مقبلا ومدبرا‏(‏ مرة واحدة أو ثلاث مرات‏).‏

وفي قوله‏-‏ تعالي‏-: (‏ وأرجلكم إلي الكعبين‏)‏ فالواجب هو غسل الرجلين إلي الكعبين‏(‏ والكعبان هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم‏),‏ ولذلك قال المصطفي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:‏ أسبغوا الوضوء‏,‏ ويل للأعقاب من النار‏,‏ وفي رواية‏:‏ ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار إسباغ الوضوء إتمامه‏(‏ رواه البيهقي والحاكم‏).‏

وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن الخليفة الثالث عثمان بن عفان‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم‏-‏ توضأ ثلاثا ثلاثا‏.‏

كذلك أخرج الإمام أحمد عن عمرو بن عبسة أنه قال‏:‏ قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء ؟ قال‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر إلا خرت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر‏,‏ ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء‏,‏ ثم يغسل يديه إلي المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله‏,‏ ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء‏,‏ ثم يغسل قدميه إلي الكعبين كما أمره الله إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء‏,‏ ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل‏,‏ ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏(‏ أحمد‏,‏ مسلم‏).‏

وعن أنس‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ قال إن الخصلة الصالحة تكون في الرجل يصلح الله بها عمله كله‏,‏ وطهور الرجل لصلاته يكفر الله بطهوره ذنوبه وتبقي صلاته له نافلة‏(‏ أبو يعلي‏,‏ البزار‏,‏ الطبراني‏)‏

وعن أبي هريرة‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ قال ألا أدلكم علي ما يمحو الله به الخطايا‏,‏ ويرفع به الدرجات‏,‏ قالوا بلي يا رسول الله‏,‏ قال‏:‏ إسباغ الوضوء علي المكاره‏,‏ وكثرة الخطي إلي المساجد‏,‏ وانتظار الصلاة بعد الصلاة‏,‏ فذلكم الرباط فذلكم الرباط‏(‏ رواه مالك‏,‏ مسلم‏,‏ الترمذي‏,‏ النسائي‏).‏

وعلي ذلك فإن فرائض الوضوء هي‏:‏ النية‏,‏ غسل الوجه‏,‏ غسل اليدين إلي المرفقين‏,‏ مسح الرأس‏,‏ غسل الرجلين مع الكعبين‏,‏ بهذا الترتيب‏.‏

ومن سنن الوضوء‏:‏ التسمية في أوله‏,‏ السواك‏,‏ غسل الكفين ثلاثا في أول الوضوء‏,‏ المضمضة ثلاثا والاستنشاق والاستنثار ثلاثا‏,‏ تخليل اللحية‏,‏ تخليل الأصابع‏,‏ التيامن‏,‏ الدلك‏,‏ الموالاة‏,‏ مسح الأذنين‏,‏ إطالة الغرة‏(‏ بالزيادة عن المفروض في غسل الوجه‏),‏ وإطالة التحجيل‏(‏ بغسل ما فوق المرفقين والكعبين‏),‏ الاقتصاد في الماء‏,‏ الدعاء أثناءه وبعده‏,‏ وصلاة ركعتين بعده‏.‏ ويجب الوضوء للصلاة مطلقا‏,‏ وللطواف بالبيت الحرام‏,‏ وللمس المصحف الشريف‏.‏

من أوجه الإعجاز التشريعي في فريضة الوضوء


الأصل في العبادات أنها تؤدي طاعة لله‏-‏ تعالي‏-‏ ولرسوله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ دون تعليل‏,‏ وذلك لأن المفهوم اللغوي لكلمة العبادة هو الخضوع لله‏-‏ تعالي‏-‏ بالطاعة والتذلل‏,‏ والعبادة ضربان‏:‏ عبادة بالتسخير وهي للخلق غير المكلف‏,‏ وعبادة بالاختيار وهي للخلق المكلف‏.‏ والعبد المكلف إذا فهم الحكمة من وراء العبادة التي كلفه الله‏-‏ تعالي‏-‏ بها فإنه يؤديها بطريقة أفضل ويتمتع بأدائها متعة أكبر‏,‏ ويؤجر علي ذلك أجرا أوفي وأوفر‏.‏ وانطلاقا من هذا الفهم نورد هنا بعض ما استشفه العلماء من حكمة تشريع الوضوء في النقاط المحددة التالية‏:‏

‏(1)‏ يتعرض جسم الإنسان خاصة الأجزاء المكشوفة منه لأعداد مهولة من الميكروبات تعد بالملايين في كل سنتمتر مكعب من الهواء‏(‏ خاصة في زمن تلوث البيئة الذي يعاني منه إنسان اليوم وحيوانه ونباته‏).‏ وهذه الميكروبات في حالة هجوم دائم علي الإنسان خاصة علي الأجزاء غير المستورة من جسمه كاليدين والوجه والرأس والرجلين إلي الكعبين وكلا من الفم والأنف‏,‏ وبالوضوء تكسح هذه الميكروبات أولا بأول من فوق سطح الجلد ومن فتحات كل من الأنف والفم والعينين والأذنين خاصة مع إتقان الوضوء وإسباغه‏,‏ وحسن تدليك الجلد والعضلات والأعصاب السطحية‏,‏ ومع تكرار الوضوء خمس مرات في اليوم الواحد فلا يبقي أثر للأدران أو الجراثيم علي جسم الإنسان الذي أكرمه الله‏-‏ تعالي‏-‏ بنعمة الإسلام‏.‏

‏(2)‏ تنتقل معظم الأمراض المعدية عن طريق اليدين الملوثتين بالجراثيم‏,‏ وعلي ذلك فإن غسل اليدين جيدا قبل الدخول في الوضوء يعتبر وقاية جيدة من العديد من الأمراض‏.‏

‏(3)‏ عملية المضمضة في مقدمة الوضوء تطرد فضلات الطعام المتبقية في الفم بعد تناوله‏,‏ والتي لو تركت في الفم لتعفنت‏,‏ وأدت إلي تغير رائحة الفم‏,‏ وإلي تسوس الأسنان والتهاب اللثة وتقيحها‏.‏ هذا بالإضافة إلي أن المضمضة تقوي عضلات الوجه‏,‏ وتحفظ عليه نضارته وحيويته‏.‏

‏(4)‏ إن عملية الاستنشاق والاستنثار في مقدمة الوضوء تطهر مجاري الأنف من النفايات والجراثيم التي يمكن أن تتجمع في جوانبها‏,‏ كما تدفع بما قد يتعلق منها بالشعر الموجود بالأنف‏,‏ وبذلك يكون في الوضوء تطهير لتجاويف الأنف من الأوساخ والجراثيم‏.‏ وهذه التجاويف هي المدخل إلي الجهاز التنفسي الذي إذا وصل إليه شئ من تلك الجراثيم فسرعان ما تلهبه التهابات مؤقتة أو مزمنة‏.‏

‏(5)‏ إن في التنظيف المستمر بالوضوء خمس مرات في اليوم للأجزاء المكشوفة من الجسم كاليدين‏,‏ والوجه‏,‏ والرأس‏,‏ والرقبة‏,‏ والأذنين والرجلين يقي بإذن الله‏-‏ تعالي‏-‏ من العديد من الأمراض الجلدية التي قد تنتج عن التكاثر المفزع للملايين من جراثيم الجو في زمن التلوث البيئي الذي نعيشه أو عن طريق العدوي بالاحتكاك‏,‏ أو بتراكم الملوثات البيئية علي جلد الإنسان‏.‏ والتنظيف المستمر للجلد بالوضوء يؤدي إلي تفتح مسام الغدد العرقية والدهنية فيه‏,‏ وبالتالي يؤدي إلي عدم تراكم الأدران والأوساخ عليه ويحفظ للجلد البشري وظائفه التي أوجده الخالق‏-‏ سبحانه وتعالي للقيام بها‏.‏

‏(6)‏ إن الوضوء خمس مرات في اليوم يؤدي إلي انقباض وانبساط الشعيرات الدموية بالجلد مما يزيد من تحرك الدم إليها‏,‏ وبالتالي يؤدي إلي تنشيط الدورة الدموية بالجسم كله‏,‏ وينشط عملية التنفس مما ينعكس علي بقية أعضاء وأجهزة الجسم‏.‏

‏(7)‏ ومع تنشيط الدورة الدموية بالجسم كله تنشط غدد العرق الموجودة بالجلد في امتصاص قدر من نفايات الدم وإزاحتها إلي الخارج عبر مسام الجلد فتغسلها مياه الوضوء أولا بأول مما يعين علي تطهر جسم الإنسان منها‏,‏ ويؤدي ذلك إلي نشاط النهايات العصبية في الجلد‏,‏ وإلي شئ من راحة القلب‏,‏ وعودة الشعور بالحيوية إلي الجسم‏.‏

‏(8 )‏ من سنن الوضوء السواك وهو دلك الأسنان بعود من الاراك أو ما يشبهه من الخشب النباتي‏,‏ وفي ذلك يروي أبو هريرة‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ قال‏:‏ لولا أن أشق علي أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء‏(‏ مالك‏,‏ الشافعي‏,‏ البيهقي‏,‏ الحاكم‏).‏ وعن أم المؤمنين السيدة عائشة‏-‏ رضي الله عنها‏-‏ أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه‏:‏ قال‏:‏السواك مطهرة للفم‏,‏ مرضاة للرب‏(‏ أحمد‏,‏ النسائي ألترمذي‏).‏
والفم مدخل الخير والشر إلي جسم الإنسان فإذا نظف وتطهر بالمداومة علي الوضوء والسواك سلم بدن الإنسان‏.‏

‏(9)‏ الوضوء ليس مجرد تطهير للبدن‏,‏ وإنما هو إحياء لعلاقة الإنسان بربه‏,‏ وتهيؤ للوقوف بين يدي خالقه سبحانه وتعالي‏-‏ وهذا الموقف يتطلب الطهارة المعنوية كما يتطلب الطهارة المادية‏,‏ ومن هنا كان للوضوء السابغ المتقن أثره النفسي علي المسلم‏,‏ فيخرج منه يقظا‏,‏ حيا‏,‏ متألقا‏,‏ مستعدا للوقوف بين يدي الله‏-‏ جل جلاله‏-‏ وما أروعه من شعور‏,‏ وهنا يتضح وجه الإعجاز التشريعي في فريضة الوضوء‏,‏ وما أجملها من فريضة‏,‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏


_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الجمعة 29 أكتوبر 2010 - 23:27



من أسرار القرآن(367)
‏[....‏فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره‏....]‏
بقلم: د. زغلول النجار


هذا النص القرآني الكريم جاء في مطلع النصف الثاني من سورة‏'‏ البقرة‏',‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور القرآن الكريم علي الإطلاق‏.

وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي معجزة أجراها ربنا‏_‏ تبارك وتعالي‏_‏ علي يدي عبده ونبيه موسي بن عمران‏-‏ علي نبينا وعليه من الله السلام‏_‏ حين تعرض شخص من قومه للقتل‏,‏ ولم يعرف قاتله‏,‏ فأوحي الله‏_‏ تعالي‏-‏ إلي عبده موسي أن يأمر قومه بذبح بقرة‏,‏ وأن يضربوا الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله‏,‏ ويخبر عن قاتله‏,‏ ثم يموت‏,‏ وذلك إحقاقا للحق وشهادة لله الخالق بالقدرة علي إحياء الموتي‏.‏

ويدور المحور الرئيسي لسورة‏'‏ البقرة‏'‏ حول قضية التشريع الإسلامي في العبادات‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات‏,‏ وإن لم تغفل هذه السورة الكريمة الإشارة إلي عدد من ركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ وقصص عدد من الأنبياء وأممهم‏.‏

هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة‏'‏ البقرة‏'‏ وما جاء فيها من التشريعات‏,‏ وركائز العقيدة‏,‏ والعبادات‏,‏ ومكارم الأخلاق‏,‏ والقصص والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا علي الحكمة من جعل التوجه إلي الكعبة المشرفة‏(‏ استقبال القبلة‏)‏ فرضا من فروض الصلاة وشرطا من شروط صحتها‏,‏ لا تصح الصلاة بدونه إلا ما جاء في صلاة الخوف والفزع‏,‏ وفي صلاة النافلة علي الدابة‏,‏ أو السفينة‏,‏ أو الطائرة وذلك للأمر الإلهي إلي خاتم أنبيائه ورسله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بذلك حيث يقول ربنا‏_‏ تبارك وتعالي‏-‏ له‏: darkred]فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره‏...](‏ البقرة‏:144).‏

من أوجه الإعجاز التشريعي في استقبال الكعبة المشرفة‏:‏

أولا‏:‏ تأكيد ضرورة توحيد المسلمين وجمع كلمتهم علي التوحيد الكامل للإله الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ‏(‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏).‏ فكما أن البيت المعمور هو قبلة أهل السماء فإن البيت العتيق هو قبلة أهل الأرض‏.‏

ثانيا‏:‏ أن الكعبة المشرفة هي أول بيت وضع للناس في الأرض من أجل عبادة الله الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ حيث أمر الله الملائكة ببنائها قبل خلق أبينا آدم ـ عليه السلام ـ ببلايين السنين وذلك لقول رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم‏:‏

‏(1)'‏ أول من طاف بالبيت الملائكة‏'(‏ أحمد‏).‏
‏(2)'‏ كانت الكعبة خشعة علي الماء فدحيت منها الأرض‏'(‏ الهروي‏,‏ الزمخشري‏,‏ البيهقي‏,‏ عبدالرزاق‏).‏
‏(3)'‏ دحيت الأرض من تحت مكة‏,‏ فمدها الله تعالي ـ من تحتها فسميت‏(‏ أم القري‏)'(‏ الإمام أحمد‏,‏ السيوطي‏).‏
وهذا المد كان في بدء تكوين الكتل القارية للأرض‏.(4)‏ وفي شرح هذين الحديثين الشريفين ذكر كل من ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وابن قتيبة ـ رحمه الله ـ أن مكة المكرمة سميت باسم‏'‏ أم القري‏'‏ لأن الأرض دحيت من تحتها لكونها أقدم الأرض‏'(‏ البيهقي‏,‏ الطبراني‏).‏
‏(5)‏ كذلك أخرج كل من البيهقي والطبراني عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ موقوفا أنه‏(‏ أي البيت الحرام‏)‏ كان أول ما ظهر علي وجه الماء عند خلق السموات والأرض زبدة‏(‏ بفتح الزاي أي كتلة من الزبد‏)‏ بيضاء فدحيت الأرض من تحته ولعل ذلك يفسر قول الحق‏_‏ تبارك وتعالي‏-: red]إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدي للعالمين‏](‏ آل عمران‏:96).‏

ثالثا‏:‏ لذلك شرع الله ـ تعالي ـ الحج إلي بيته العتيق‏,‏ وجعله ركنا من أركان الإسلام‏,‏ كما جعله حقا لذاته العلية علي كل مسلم‏,‏ بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر‏,‏ مستطيع‏,‏ ولو لمرة واحدة في العمر‏,‏ وهو من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة لقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ في محكم كتابه‏: red]ولله علي الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين‏](‏ آل عمران‏:97).‏

رابعا‏:‏ أكدت المعارف المكتسبة توسط مكة من اليابسة واستقامة خط الطول المار بها مع الشمال الحقيقي دون أدني انحراف مغناطيسي‏,‏ وهي خاصية محددة لهذه البقعة المباركة‏.‏ كذلك أكدت آيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ أن مكة المكرمة ليست فقط في مركز يابسة الأرض‏,‏ بل هي في موقع مميز من الكون كله وفي ذلك يقول المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم‏:‏

‏(1)'‏ البيت المعمور بيت في السماء يقال له الضراح وهو علي منا الكعبة‏'(‏ البيهقي‏,‏ الأرزقي‏).‏
‏(2)'‏ يا معشر أهل مكة إنكم بحذاء وسط السماء‏'(‏ الفاكهي‏).‏
‏(3)'‏ إن الحرم حرم مناء من السموات السبع والأراضين السبع‏'(‏ الأرزقي‏).‏

خامسا‏:‏ تؤكد آيات القرآن الكريم توسط الكرة الأرضية من السموات وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ
‏(1)‏ يا معشر الجن الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان‏(‏ الرحمن‏:33)‏ واجتماع أقطار السموات‏_‏ علي ضخامتها ـ مع أقطار الأرض علي ضآلتها يؤكد مركزية الأرض من الكون‏.‏
‏(2)‏ ـ في عشرين آية قرآنية كريمة جاء ذكر البينية الفاصلة بين السموات والأرض وذلك من قوله ـ تعالي ـ ‏red]رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا‏](‏ مريم‏:65).‏ وهذه البينية لا تتحقق إلا إذا كانت الأرض في مركز السموات السبع‏,‏ فإذا كانت الأرض في مركز السموات السبع‏,‏ وكانت الأرضون السبع كلها في أرضنا هذه‏,‏ وكانت الكعبة المشرفة في مركز الأرض الأولي‏(‏ وهي اليابسة‏)‏ اتضح تفرد موقع الكعبة المشرفة بالنسبة للكون كله‏,‏ خاصة إذا أكد رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أن البيت المعمور يقع فوق الكعبة تماما حتي إذا خر خر فوقها‏.‏

سادسا‏:‏ والكعبة المشرفة تعرضت للهدم بعد بنائها الأول عدة مرات حتي كان زمن نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ فبوأ له الله ـ تعالي ـ مكان البيت‏,‏ وأمره أن يرفعه من قواعده‏,‏ وأن يؤذن في الناس بالحج‏,‏ وأن يطهر هذا البيت‏( ...‏ للطائفين والقائمين والركع السجود‏)‏ ففعل ما أمر به وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالي‏ red]وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم‏](‏ البقرة‏:128,127).‏ ويقول‏: red]وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلي كل ضامر يأتين من كل فج عميقق يشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات علي ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق‏](‏ الحج‏:26-29).‏

سابعا‏:‏ إن قدم عبادة الحج تؤكد حرمة الكعبة المشرفة فقد شرع ربنا‏_‏ تبارك وتعالي‏-‏ حج البيت لأبينا آدم‏_‏ عليه السلام‏_‏ كما شرعه لذريته من بعده‏,‏ ولجميع من أرسلوا لهداية البشرية من الأنبياء والمرسلين فمن الثابت من أحاديث رسول الله‏_‏ صلي الله عليه وسلم‏_‏ أن جميع الأنبياء والمرسلين وغيرهم من عباد الله الصالحين قد قدموا إلي الحرم المكي لأداء شعيرتي الحج والعمرة‏,‏ ومن ذلك قوله‏_‏ صلي الله عليه وسلم‏-:‏ وما من نبي من الأنبياء ولا رسول من الرسل إلا قد حج البيت الحرام‏,‏ وطاف به‏,‏ ووقف علي المشاعر المقدسة في هذه البقاع الطاهرة‏,‏ فلما كان إبراهيم‏-‏ عليه السلام‏_‏ بالشام أراه الله‏_‏ سبحانه وتعالي‏_‏ البيت وبوأه له‏,‏ فخرج إليه من الشام‏,‏ ومعه ابنه إسماعيل وزوجه هاجر أم إسماعيل الذي كان طفلا صغيرا ترضعه‏'(‏ الطبري‏).‏

ثامنا‏:‏ يذكر القرآن الكريم أن من فضائل الحرم المكي أن من دخله كان آمنا‏,‏ وليس ذلك الأمن لمكان آخر علي وجه الأرض‏.‏ وقد بقي الحرم المكي مكانا آمنا أبد الدهر حتي في أيام الجاهلية التي كان العرب قد نسوا فيها دعوة كل من عبد الله ونبيه إبراهيم وولده إسماعيل‏_‏ عليهما السلام‏_‏ فانحرفوا إلي الشرك بالله‏,‏ وعبدوا الأصنام والأوثان والنجوم والكواكب‏,‏ وبقيت حرمة الكعبة المشرفة مصونة عندهم‏,‏ وفي ذلك يمتن الله‏_‏ تعالي‏_‏ علي أهل مكة‏,‏ بقوله العزيز‏red]أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبي إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون‏](‏ القصص‏:57).‏ وفي عهد داود ـ عليه السلام‏_‏ بقيت حرمة مكة وشرعة الحج إليها في مزاميره‏(‏ من مثل مزمور رقم‏(84)‏ من سفر المزامير في العهد القديم‏).‏

تاسعا‏:‏ من تعاظم حرمة البيت العتيق وحدود حرمه أن الله ـ تعالي ـ تهدد الذين يقترفون المحرمات فيه بعقاب منه‏,‏ وأمر بتعظيم الدية علي من يرتكب جناية فيه‏,‏ وبتغليظ العقوبة علي المسيئين في حدوده‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏_‏ تبارك وتعالي‏_ red]ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم‏](‏ الحج‏:25).‏
وقال المصطفي‏_‏ صلي الله عليه وسلم‏_:‏
‏(1)'‏ إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس‏(‏ البخاري‏).‏
‏(2)'‏ إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض‏,‏ لا يعضد شوكه‏,‏ ولا ينفر صيده‏,‏ ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها‏'(‏ البخاري‏,‏ أحمد‏).‏
‏(3)'‏ إن الله حبس عن مكة الفيل‏,‏ وسلط عليها رسوله والمؤمنين‏,‏ ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي‏,‏ ولا تحل لأحد بعدي‏,‏ ألا وإنها ساعتي هذه حرام‏,‏ لا يختلي خلاها‏,‏ ولا يعضد شجرها‏,‏ ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد‏'(‏ البخاري‏).‏
‏(4)'‏ لا يكون بمكة سافك دم‏,‏ ولا آكل ربا‏,‏ ولا نمام‏,‏ ودحيت الأرض من مكة‏,‏ وأول من طاف بالبيت الملائكة‏'(‏ أحمد‏).‏
‏(5)'‏ لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة‏'(‏ مسلم‏).‏
‏(6)'‏ صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه‏,‏ ألا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة في غيره‏,‏ وصلاة في المسجد الأقصي بخمسمائة صلاة‏'(‏ مسلم‏).‏
‏(7)'‏ لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها‏,‏ فإذا ضيعوا ذلك هلكوا‏'(‏ الطبراني‏).‏
‏(Cool‏ وروي عن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ قوله عن مكة المكرمة‏'‏ والله إنك خير أرض الله‏,‏ وأحب أرض الله إلي الله‏,‏ ولولا أني أخرجت منك ما خرجت‏'(‏ أحمد‏).‏
‏(9)'‏ ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال ألا مكة والمدينة‏'(‏ متفق عليه‏).‏
وهذه الأحاديث النبوية الشريفة هي مذكرة تفسيرية لقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏_‏ علي لسان خاتم أنبيائه ورسله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏- red]إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شئ وأمرت أن أكون من المسلمين‏](‏ النمل‏:91).‏

من هنا كان رسول الله‏_‏ صلي الله عليه وسلم‏_‏ وهو مقيم في مكة المكرمة يستقبل في الصلاة كلا من الكعبة المشرفة وبيت المقدس‏,‏ فلما هاجر إلي المدينة أمره الله‏_‏ تعالي‏_‏ بالصلاة إلي بيت المقدس ستة عشر شهرا‏,‏ ليؤكد وحدة رسالة السماء‏,‏ الأخوة بين الأنبياء‏,‏ وليتبين الثابت علي دينه من المتشكك فيه‏.‏ ولعلمه‏_‏ صلوات ربي وسلامه عليه‏_‏ بفضل مكة المكرمة علي سائر بقاع الأرض كان يتوق لأمر الله‏_‏ تعالي‏_‏ بتغيير القبلة إلي المسجد الحرام‏,‏ وفي ذلك يقول له ربنا‏_‏ تبارك وتعالي‏-:‏
red]قد نري تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وما الله بغافل عما يعملون وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم‏](‏ البقرة‏:144).‏
وقد أخبر الله‏-‏ تعالي‏_‏ خاتم أنبيائه ورسله‏_‏ صلي الله عليه وسلم‏_‏ عما سيقوله السفهاء من الكفار والمشركين عن تحويل القبلة قبل نزول الأمر بذلك‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏: red]سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم‏,‏ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب علي عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا علي الذين هدي الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم‏](‏ البقرة‏:143,142).‏
وهذا الإخبار من معجزات القرآن الإنبائية‏,‏ ومن الشهادات علي صدق نبوة المصطفي ـ‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏ روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما‏_‏ أنه قال‏:'‏ لما وجه النبي ـ صلي الله عليه وسلم‏_‏ إلي الكعبة‏,‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله‏:‏ كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلي بيت المقدس ؟ فأنزل الله ـ تعالي‏_‏ قوله العزيز‏red]وما كان الله ليضيع إيمانكم‏]‏ أي صلاتكم‏.‏
وكان تحويل القبلة كان بأمر من الله‏_‏ تعالي‏_‏ لاختبار إيمان المؤمنين وغربلة صفهم من المنافقين‏,‏ ولتأكيد وحدة رسالة السماء‏,‏ الأخوة بين الأنبياء‏,‏ حرمة مكة المكرمة وفضلها علي جميع بقاع الأرض‏.‏ من هنا كان استقبال القبلة واجبا من واجبات الصلاة لا تصح بدونه‏.‏ ولكن إذا خفيت أدلة القبلة لغيم أو ظلمة وجب علي من يريد الصلاة سؤال من يرشده إليها‏,‏ فإن لم يجد اجتهد قدر طاقته‏,‏ وصلاته صحيحة حتي لو تبين له خطؤه بعد الفراغ من أدائها‏,‏ ولا إعادة عليه‏.‏ ولكن إذا تبين له الخطأ أثناء الصلاة استدار إلي القبلة الصحيحة دون أن يقطع صلاته‏,‏ وذلك لاستدارة الرسول‏_‏ صلي الله عليه وسلم‏_‏ من اتجاه بيت المقدس إلي اتجاه مكة حين جاءه الوحي بذلك في قباء واستدار المصلون من ورائه‏.‏ ولا يسقط شرط التوجه إلي القبلة إلا في صلاة النافلة للراكب وصلاة كل من المكره‏,‏ والمريض والخائف‏.‏ من كل ذلك يتضح وجه الإعجاز التشريعي في تحديد قبلة المسلمين إلي الكعبة المشرفة‏,‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏


_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الجمعة 5 نوفمبر 2010 - 23:47



من أسرار القرآن
يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج
بقلم: د. زغلول النجار



هذا النص القرآني الكريم جاء في بداية الثلث الأخير من سورة‏'‏ البقرة‏',‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏


وهي أطول سور القرآن الكريم علي الإطلاق‏,‏ وتأتي بعد فاتحة الكتاب مباشرة‏.‏ وقد سميت السورة الكريمة بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي معجزة حسية أجراها الله‏-‏ تعالي‏-‏ علي يدي عبده ونبيه موسي‏-‏ علي نبينا وعليه من الله السلام‏-‏ حين تعرض شخص من قومه للقتل‏,‏ ولم يعرف قاتله‏,‏ فأوحي الله‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ إلي عبده موسي أن يأمر قومه بذبح بقرة‏,‏ وأن يضربوا جثة الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله‏,‏ ويخبر عن قاتله ثم يموت‏,‏ وذلك إحقاقا للحق‏,‏ وشهادة لله‏-‏ تعالي‏-‏ بالقدرة علي إحياء الموتي‏.‏

هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة‏'‏ البقرة‏',‏ وما جاء فيها من تشريع‏,‏ ومن ركائز العقيدة‏,‏ ومن دعوة إلي الالتزام بمكارم الأخلاق‏,‏ وقصص‏,‏ وإشارات كونية‏,‏ ونركز هنا علي أوجه الإعجاز العلمي والتشريعي في التأكيد علي أهمية الشهر القمري في تحديد الزمن النسبي لأهل الأرض‏,‏ والإعجاز التشريعي في فريضة الحج‏.‏

أولا‏:‏ من أوجه الإعجاز التشريعي والعلمي في اختيار الأهلة مواقيت للناس‏:‏

القمر هو أقرب أجرام السماء إلي الأرض‏,‏ إذ يدور حولها في فلك شبه دائري يبلغ طوله حوالي‏(2.4)‏ مليون كم‏,‏ ويبلغ متوسط نصف قطره‏ (‏ أي بعده عن مركز الأرض‏ ) ( 384.400 ) ‏ كم‏,‏ ومن هنا فإن حركته بالنسبة لأهل الأرض هي أكثر الحركات الفلكية انضباطا‏.‏ ففي أثناء هذه الدورة يقع القمر في وضع وسطي بين كل من الأرض والشمس وعلي استقامة واحدة مع مراكز هذه الأجرام الثلاثة‏,‏ وبذلك يواجه القمر الأرض بوجه مظلم تماما‏,‏ وتسمي هذه المرحلة باسم‏ (‏ مرحلة الاقتران ‏) ,‏ أو ‏(‏ المحاق‏ ),‏ وتستغرق هذه المرحلة ليلة واحدة أو ليلتين‏,‏ ثم يتحرك القمر ليخرج عن الاستقامة الواصلة بين مراكز هذه الأجرام الثلاثة فيولد‏(‏ الهلال‏ )‏ الذي تحدد رؤيته عقب غروب الشمس‏ (‏ لمدة لا تقل عن عشر دقائق‏ )‏ بداية الشهر القمري الجديد‏.‏ وباستمرار تحرك القمر في دورته حول الأرض تزداد مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل للأرض بالتدريج حتي يصل إلي ‏(‏ التربيع الأول ‏)‏ في ليلة السابع من الشهر القمري‏,‏ ثم إلي‏ (‏ الأحدب الأول ‏)‏ في ليلة الحادي عشر‏,‏ ثم إلي‏(‏ البدر الكامل‏)‏ في ليلة الرابع عشر‏,‏ وفيها تكون الأرض بين الشمس من جهة‏,‏ والقمر من الجهة الأخري‏.‏
وبمزيد من تحرك القمر حول الأرض تبدأ مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل للأرض تتناقص بالتدريج حتي يتحول البدر إلي ‏(‏ الأحدب الثاني ‏)‏ في حدود ليلة الثامن عشر‏,‏ ثم إلي ‏(‏ التربيع الثاني‏ )‏ في ليلة الثالث والعشرين‏,‏ ثم إلي ‏(‏ الهلال المتناقص‏ )‏ في ليلة السادس والعشرين من الشهر القمري‏,‏ ويستمر في هذه المرحلة لليلتين حتي يصل إلي مرحلة‏(‏ المحاق‏)‏ في آخر ليلة أو ليلتين من الشهر القمري حين يعود القمر إلي وضع الاقتران‏.‏
ولما كان القمر يقطع في كل يوم من أيام الشهر القمري حوالي‏ ( 12)‏ درجة من درجات دائرة البروج‏ (360‏ درجة‏ 29,5‏ يوما‏_12,2‏ درجة ‏),‏ فإنه يقع في كل ليلة من ليالي الشهر القمري في منزل من المنازل التي تحددها ثوابت من النجوم أو من تجمعاتها الظاهرية حول دائرة البروج‏,‏ وهذه المنازل هي ثمانية وعشرون منزلا‏,‏ بعدد الليالي التي يري فيها القمر‏,‏ وتعرف باسم‏ (‏ منازل القمر ‏) .‏
ولما كان القمر يجري مع الأرض حول الشمس ليتم دورته الشمسية السنوية فإنه يمر عبر البروج السماوية الإثني عشر التي تقع فيها الشمس في كل شهر من شهور السنة الشمسية‏.‏ وعلي ذلك فإن كل منزل من منازل القمر اليومية يحتل مساحة في برج من هذه البروج‏.‏
وفي الحضارات القديمة عرف الناس دورة القمر من المحاق إلي المحاق‏,‏ أو من الهلال الوليد إلي الهلال المتناقص‏,‏ كما عرفوا منازل القمر الثمانية والعشرين‏,‏ واستخدموا ذلك في تحديد الزمن‏,‏ وفي التأريخ للأحداث‏,‏ ويبدو أن ذلك من بقايا الحقب القديمة‏.‏
من هنا يأتي وجه الإعجاز العلمي والتشريعي في التأكيد علي أهمية الشهر القمري في تحديد الزمن النسبي لأهل الأرض بدقة فائقة‏,‏ أما الزمن المطلق فلا يعلمه إلا الله‏-‏ تعالي‏-‏ وعلي ذلك فإن سنة المسلمين هي سنة قمرية‏/‏ شمسية‏,‏ يحدد الشهر فيها دورة كاملة للقمر حول الأرض‏,‏ ويحدد السنة فيها دورة كاملة لكل من الأرض والقمر حول الشمس‏.‏ والفارق الزمني بين الإثني عشر شهرا قمريا‏,‏ والدورة الكاملة للأرض والقمر حول الشمس هي في حدود ‏(11‏ يوما‏ ) ,‏ وذلك يحرك عبادة المسلم عبر الفصول المناخية رحمة بالناس‏,‏ وإشعارا لهم بحركة الزمن‏,‏ ولذلك قال‏-‏ تعالي‏-‏ موجها الخطاب إلي خاتم أنبيائه ورسله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏ - (‏ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج‏...).‏
و‏(‏ الأهلة ‏)‏ جمع ‏(‏ هلال ‏),‏ وهو تعبير عن مراحل القمر من الهلال الوليد إلي البدر الكامل ومنه إلي الهلال المتناقص حتي المحاق‏.‏
ومن أسباب نزول هذه الآية الكريمة أن كلا من معاذ بن جبل وثعلبة بن عثمة‏-‏ رضي الله عنهما‏-‏ قالا‏:‏ يا رسول الله‏!‏ ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقا مثل الخيط‏,‏ ثم يزيد حتي يعظم ويستوي‏,‏ ثم لا يزال ينقص ويدق حتي يعود كما كان‏,‏ لا يكون علي حال واحد ؟ فنزلت هذه الآية الكريمة توضح لهم أن الأهلة هي أفضل وسيلة لتحديد الزمن لأهل الأرض وتحديد الأوقات المضروبة لعباداتهم من مثل أوقات صومهم وفطرهم‏,‏ وأداء زكاتهم‏,‏ وحجهم‏,‏ وأوقات معاملاتهم من مثل حساب عدة نسائهم‏,‏ وأوقات حلول ديونهم‏,‏ وأزمنة وفاء شروطهم المؤجلة‏,‏ وغير ذلك من أمور دينهم ودنياهم‏.‏

ثانيا‏:‏ من أوجه الإعجاز التشريعي في فريضة الحج‏:‏

الحج يعني قصد المسلم مكة المكرمة محرما من الميقات المحدد في أشهر الحج‏,‏ والوقوف بعرفة‏,‏ وما يتبع ذلك من مناسك‏,‏ يؤديها المسلم البالغ العاقل‏,‏ الحر‏,‏ المستطيع‏(‏ ذكرا كان أو أنثي‏ )‏ ولو لمرة واحدة في العمر‏,‏ وذلك طاعة لله‏-‏ تعالي‏-‏ واستجابة لأوامره‏,‏ وطلبا لمرضاته‏.‏ والحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة‏,‏ وهو فرض من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة‏,‏ وهو حق لله‏-‏ تعالي‏-‏ علي المستطيعين من عباده لقوله‏-‏ جل في علاه‏ - : (‏ ولله علي الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين‏)(‏ آل عمران‏: 97 ) .‏
والحج هو عبادة من أجل العبادات وأفضلها عند رب العالمين وذلك لما رواه أبو هريرة‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ سئل‏'‏ أي الأعمال أفضل ؟ قال‏:‏ إيمان بالله ورسوله‏,‏ قيل‏:‏ ثم ماذا ؟ قال‏:‏ ثم جهاد في سبيل الله‏,‏ قيل‏:‏ ثم ماذا ؟ قال‏:‏ ثم حج مبرور‏'(‏ والحج المبرور هو الذي لا يخالطه إثم‏ )(‏ البخاري ومسلم‏ ).‏
وأصل العبادة الخضوع لأوامر الله‏-‏ تعالي‏-‏ بالطاعة‏,‏ ومن هنا فإن العبادة لا تحتاج إلي تبرير‏,‏ ولكن إذا عرفت الحكمة من وراء أداء العبادة فإن مؤديها يتمكن من إتقان أدائها بطريقة أفضل‏,‏ ويسلك في أدائها سلوكا أنبل وأجمل‏,‏ ويكون أجره علي أدائها أوفي وأكمل‏.‏

الحكمة من تشريع فريضة الحج‏:‏

‏(1)‏ تعريض كل من حج البيت لكرامة أشرف بقاع الأرض في أشرف أيام السنة‏:‏ فمكة المكرمة هي أشرف بقاع الأرض قاطبة‏,‏ يليها في الكرامة مدينة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ ثم بيت المقدس‏,‏ وذلك لقول رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ عن الكعبة المشرفة‏:'‏ هذا البيت دعامة الإسلام‏,‏ من خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر أو زائر‏,‏ كان مضمونا علي الله‏-‏ عز وجل‏-‏ إن قبضه يدخله الجنة‏,‏ وإن رده‏,‏ رده بغنيمة وأجر‏'(‏ الحارث‏,‏ ابن حجر‏).‏
وفي المقابل فإن أشرف أيام السنة هي الأيام العشرة الأولي من شهر ذي الحجة‏,‏ وأشرفها علي الإطلاق هو‏'‏ يوم عرفة‏'.‏ وذلك لقول رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:'‏ ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة‏...,‏ وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة‏...'(‏ أبو يعلي‏,‏ البزار‏,‏ ابن خزيمة‏,‏ ابن حبان‏).‏ فإذا اجتمع فضل الزمان وفضل المكان تضاعفت البركات والأجور بإذن الله‏.‏
‏(2)‏ تذكير الحاج بمرحلية الحياة وبحتمية الرجوع إلي الله‏:‏ لأن دوامة الحياة تكاد تنسي الإنسان حتمية الخروج منها‏,‏ وهنا تأتي شعيرة الحج لتخرج الناس من دوامة الحياة ـ ولو لفترة قصيرة ـ وتذكرهم بحتمية العودة إلي الله‏.‏
‏(3)‏ تذكير الإنسان بضرورة محاسبة نفسه قبل أن يحاسب‏:‏ وذلك لأن للحج العديد من الأعمال الإجرائية التي منها‏:‏ التوبة إلي الله من الذنوب والمعاصي‏,‏ ووصل كل مقطوع من صلات الرحم‏,‏ وقضاء الديون‏,‏ ورد المظالم‏,‏ ورد كل ما هو غير ذلك من حقوق العباد‏,‏ وإخلاص النوايا لله‏-‏ تعالي‏-‏ والحرص علي الحلال‏,‏ والتطهر من كل حرام‏,‏ والحرص علي تسديد زكاة المال قبل الخروج بالحج‏,‏ وكتابة الوصية‏,‏ وتهيئة كل حاج نفسه لحساب الله‏-‏ تعالي‏-‏ قبل أن يحاسبه الله‏.‏
‏(4)‏ تدريب الحاج نفسه علي مفارقة الحياة الدنيا بواسطة المشاعر التي يدركها أثناء غسل الإحرام‏,‏ ولبسه‏,‏ والنية بالإحرام للحج أو العمرة أو بهما معا‏(‏ متمتعا أو قارنا‏),‏ وعند الوقوف بالميقات‏,‏ والانتقال من الحل إلي الحرم عبر الميقات‏,‏ وعند التلبية‏.‏
‏(5)‏ تذكير الحاج نفسه بضرورة الالتزام بأوامر الله ـ تعالي ـ واجتناب نواهيه‏;‏ حيث إن جميع الخلق غير المكلف ملتزم بقوانين الخالق‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ التي أودعها في كل أمر من أمور الكون‏.‏ ولعل الطواف حول الكعبة في عكس اتجاه عقارب الساعة يذكر بذلك‏,‏ وهو النظام الغالب في الكون كله‏.‏
‏(6)‏ تدريب الحاج علي الالتزام بسنة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ في أداء هذه العبادة الكبري‏,‏ وفي كل أمر من أمور الحياة‏,‏ وهو‏-‏ صلوات ربي وسلامه عليه‏-‏ القائل‏:'‏ خذوا عني مناسككم‏'.‏
‏(7)‏ تذكير الحاج بجهاد السابقين من الأنبياء والمرسلين‏,‏ ومن الصالحات والصالحين‏,‏ ولعل في اتخاذ مقام إبراهيم مصلي‏,‏ وفي الشرب من ماء زمزم‏,‏ وفي السعي بين الصفا والمروة ما يذكر الحاج بذلك‏.‏
‏(Cool‏ تذكير الحاج بيوم البعث وزحامه‏,‏ ولعل النفرة إلي مني ثم إلي عرفات تلعب دورا في هذا التذكير‏.‏
‏(9)‏ ولعل الوقوف بعرفات يذكر بيوم الحشر فيعمل كل من أكرمه الله‏-‏ تعالي‏-‏ بالوقوف في هذا الموقف الكريم أن يستعد ليوم الحشر‏.‏
‏(10)‏ ولعل المبيت بالمزدلفة ثم بمني يذكر الحاج بآلاف الأنبياء وبمئات المرسلين الذين حجوا من قبل‏,‏ ونزلوا بتلك المنازل‏,‏ فيتأكد من وحدة رسالة السماء‏,‏ ومن الأخوة بين الأنبياء وبين الناس جميعا‏,‏ ويعلم أن ذلك كله منبثق من الإيمان بوحدانية الخالق العظيم‏.‏
‏(11)‏ ولعل كلا من النحر والحلق‏(‏ أو التقصير‏),‏ ورمي الجمار يذكر بعمق إيمان كل من عبدي الله ونبييه إبراهيم وولده الذبيح إسماعيل ـ عليهما السلام‏-‏ وبضرورة التسليم لرب العالمين وطاعة أوامره‏,‏ والتطهر من الذنوب والآثام‏,‏ ومعرفة أبعاد المعركة بين الشيطان والإنسان والتعهد لله بالانتصار فيها لعباده الذين اختارهم لحج بيته الحرام‏.‏ ثم يكون في التحلل من الإحرام‏,‏ وفي كل من طواف الإفاضة والوداع رمز لانتهاء أداء هذه الشعيرة العظيمة‏,‏ وعودة إلي دوامة الحياة الدنيا بذنب مغفور‏,‏ وعمل صالح مقبول‏,‏ وصفحة جديدة مع رب العالمين‏,‏ وعزيمة علي كسب مرضاته‏-‏ تعالي‏-‏ باجتناب نواهيه وبعمل كل ما يرضيه‏,‏ ومن ذلك‏:‏ الزهد في الدنيا‏,‏ اليقين في الله‏,‏ الحرص علي إتقان العبادة‏,‏ التمسك بطهارة النفس‏,‏ وبمكارم الأخلاق‏,‏ والاستقامة علي منهج الله‏,‏ والاجتهاد في نصرة دين الله‏.‏
‏(12)‏ الحج هو أول مؤتمر عالمي في تاريخ البشرية‏,‏ شرعه الله‏-‏ تعالي‏-‏ ليكون وسيلة من وسائل تعارف المسلمين‏,‏ وجمع كلمتهم‏,‏ وتوحيد صفوفهم وحل مشاكلهم‏,‏ والتعاون فيما بينهم‏,‏ ومواجهة التحديات التي تصادفهم‏,‏ وشهود غير ذلك من المنافع التي تعود عليهم أفرادا وجماعات‏,‏ ودولا‏,‏ وتعود علي الإنسانية عامة بكل خير‏.‏
هذا‏,‏ وبالإضافة إلي ما ذكرناه آنفا إلي مكاسب الفرد المسلم‏(‏ ذكرا كان أم أنثي‏,‏ صغيرا أم كبيرا‏)‏ من أداء هذه العبادة العظيمة‏,‏ يمثل طرفا من الحكمة الإلهية بتشريع فريضة الحج‏,‏ وجعلها حقا لله‏-‏ تعالي‏-‏ علي كل مسلم‏,‏ بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر مستطيع‏,‏ ولو لمرة واحدة في العمر‏.‏ لذلك جاءت الإشارة إلي الحج في هذا النص القرآني الكريم‏-‏ فضلا عن غيره من العبادات المفروضة علي أهميتها ـ كما جاءت الإشارة إلي الحج في أحد عشر موضعا من كتاب الله‏.‏
فالحمد لله علي نعمة الإسلام والحمد لله علي نعمة القرآن والحمد لله علي بعثة خير الأنام سيدنا محمد ـ صلي الله عليه وسلم وعلي آله وصحبه أجمعين‏-‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏



_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
metwally.mustafa
فريق أول
فريق أول
avatar

عدد الرسائل : 4224
العمر : 32
الموقع : Egypt
العمل/الترفيه : automation engineer
تاريخ التسجيل : 12/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   السبت 6 نوفمبر 2010 - 9:45

جزاكم الله خيرا اخى العزيز

_________________
I am so far behind, I think i am first
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الجمعة 12 نوفمبر 2010 - 22:21



من أسرار القرآن (‏369‏)

بقلم: د. زغلول النجار


"الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج" هذا النص القرآني الكريم جاء في بداية الثلث الأخير من سورة‏'‏ البقرة‏',‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور القرآن الكريم علي الإطلاق‏.

وتأتي بعد فاتحة الكتاب مباشرة‏.‏ وقد سميت السورة الكريمة بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي معجزة حسية أجراها الله‏-‏ تعالي‏-‏ علي يدي عبده ونبيه موسي‏-‏ علي نبينا وعليه من الله السلام‏-‏ حين تعرض شخص من قومه للقتل‏,‏ ولم يعرف قاتله‏,‏ فأوحي الله‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ إلي عبده موسي أن يأمر قومه بذبح بقرة‏,‏ وأن يضربوا جثة الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله‏,‏ ويخبر عن قاتله ثم يموت‏,‏ وذلك إحقاقا للحق‏,‏ وشهادة لله‏-‏ تعالي‏-‏ بالقدرة علي إحياء الموتي‏.‏

هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة‏'‏ البقرة‏',‏ وما جاء فيها من تشريع‏,‏ ومن ركائز العقيدة‏,‏ ومن دعوة إلي الالتزام بمكارم الأخلاق‏,‏ وقصص‏,‏ وإشارات كونية‏,‏ ونركز هنا علي أوجه الإعجاز التشريعي في تحديد مواعيد الحج وآدابه‏.‏

من أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم‏:‏

أولا‏:‏ الإعجاز التشريعي في تحديد زمن الحج‏:‏

حدد ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ لأداء فريضة الحج وقتا معلوما هو شهور شوال‏,‏ وذو القعدة والعشر الأوائل من شهر ذي الحجة‏.‏
ولله‏-‏ تعالي‏-‏ أن يفضل بعلمه المحيط ما يشاء من خلقه علي بعض وذلك من الأزمنة‏,‏ والأماكن‏,‏ والرسل والأنبياء‏,‏ والأفراد الآخرين من بني آدم‏,‏ ففي تفضيل الرسل قال‏-‏ تعالي‏-:]تلك الرسل فضلنا بعضهم علي بعض‏](‏ البقرة‏:253).‏

ومن تفضيل الأنبياء قال‏-‏ تعالي‏-:]وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين علي بعض‏](‏ الإسراء‏:55).‏ ومن تفضيل بعض أفراد بني آدم علي بعض قال‏-‏ سبحانه وتعالي‏-:‏ أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون‏(‏ الزخرف‏:32).‏

ومن تفضيل بعض الأماكن علي بعض قال‏-‏ تعالي‏-‏ في فضل مكة المكرمة‏:‏

‏(1)]وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلي وعهدنا إلي إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود‏](‏ البقرة‏:125).‏
‏(2)]إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدي للعالمين‏(96)‏ فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله علي الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين‏(97)](‏ آل عمران‏:97,96).‏
‏(3)]أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبي إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون‏](‏ القصص‏:57).‏
‏(4)]وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القري ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم علي صلاتهم يحافظون‏](‏ الأنعام‏:92).‏
‏(5)]وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القري ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير‏](‏ الشوري‏:7).‏
‏(6)]إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم‏](‏ الحج‏:25).‏
‏(7)]قد نري تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون‏](‏ البقرة‏:144).‏

ومن تفضيل بعض الأزمنة علي بعض قال‏-‏ تعالي‏-:‏

‏(1)]إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم‏](‏ التوبة‏:36).‏
‏(2)]جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم‏](‏ المائدة‏:97).‏
‏(3)]شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس وبينات من الهدي والفرقان‏](‏ البقرة‏:185).‏
‏(4)]والفجر‏(1)‏ وليال عشر‏(2)](‏ الفجر‏:2-1).‏
‏(5)]يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله‏](‏ الجمعة‏:9).‏
‏(6)]ليلة القدر خير من ألف شهر‏(3)‏ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر‏(4)‏ سلام هي حتي مطلع الفجر‏(5)](‏ القدر‏:5-3).‏

وواضح من هذه الآيات الكريمة أن الله‏-‏ تعالي‏-‏ قد جعل يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع‏,‏ وأنزل في فضله سورة من سور القرآن الكريم‏(‏ هي سورة الجمعة‏),‏ وجعل شهر رمضان أفضل شهور السنة‏,‏ واختصه بإنزال هدايته للبشرية فيه‏,‏ وجعل الليالي العشر الأخيرة منه أفضل عشرة ليال بالسنة وجعل أفضلها علي الإطلاق ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر‏.‏ ومن بعد رمضان يأتي فضل أشهر الحج وفضل بقية الأشهر الحرم‏.‏ فجعل ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ الأيام العشر الأولي من شهر ذي الحجة أفضل عشرة أيام في السنة‏(‏ بمعني النهار‏)‏ وجعل أشرفها علي الإطلاق يوم عرفة‏(‏ أي نهار عرفة‏),‏ وفي ذلك يقول رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:'‏ ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة‏'‏ فقال رجل‏:‏ هن أفضل‏,‏ أم عدتهن جهادا في سبيل الله؟ قال‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:'‏ هن أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله‏,‏ وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة‏,‏ ينزل الله‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ إلي السماء الدنيا‏,‏ فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول‏:‏ انظروا إلي عبادي‏,‏ جاءوني شعثا غبرا ضاحين‏,‏ جاؤوا من كل فج عميق‏,‏ يرجون رحمتي ولم يروا عذابي‏,‏ فلم ير يوم أكثر عتقا من النار من يوم عرفة‏'(‏ أبو يعلي‏,‏ البزار‏,‏ ابن خزيمة وابن حبان‏).‏

لذلك كان الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم‏.‏ وحرم ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ الأشهر الحرم منذ الأزل‏(‏ وهي ذو القعدة‏,‏ وذو الحجة‏,‏ والمحرم‏,‏ ورجب‏)‏ وجعل القتال فيها محرما‏.‏
من هنا كان في قول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-:]الحج أشهر معلومات‏...]‏ تأكيد حرمة الوقت الذي حدده‏-‏ سبحانه‏-‏ منذ الأزل للإحرام بالحج في أشهر معلومات‏(‏ هي شوال‏,‏ وذو القعدة‏,‏ والعشر الأوائل من ذي الحجة‏).‏ وعلي ذلك فلا يصح الإحرام بالحج إلا في هذه الأشهر التي حددها ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ والتزم بها خاتم أنبيائه ورسله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-.‏
ففي سنة‏8‏ للهجرة تم فتح مكة المكرمة‏,‏ وتم تطهير الحرم المكي مما كان المشركون قد وضعوا فيه من الأصنام والأوثان والنصب‏.‏ وفي السنة التاسعة من الهجرة نزلت سورة‏'‏ التوبة‏'‏ بتحريم الطواف بالبيت علي المشركين‏.‏ وفي السنة العاشرة من الهجرة أخبر ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ خاتم أنبيائه ورسله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بأن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض‏,‏ بعد أن كان عرب الجاهلية قد عبثوا بالأشهر القمرية عندما استخدموا فكرة النسيء وهي فكرة شيطانية‏,‏ فأربكوا معلومات الناس عن شهور السنة‏,‏ ومن ثم أمره‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ بأداء فريضة الحج بعد أن طهر هذه الشعيرة من أدران الجاهلية بالكامل‏,‏ وبين للمسلمين مواقيت‏,‏ ومناسك‏,‏ وآداب هذه العبادة العظيمة التي يكرم الله‏-‏ تعالي‏-‏ من يختاره من عباده لأدائها‏.‏ فخرج رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ للحج في أواخر شهر ذي القعدة سنة عشر هجرية‏,‏ وكانت الحجة الوحيدة التي أداها ورافقه فيها جمع غفير من المسلمين‏,‏ ولذلك عرفت باسم‏'‏ حجة الوداع‏',‏ أو‏'‏ حجة البلاغ‏'‏ أو‏'‏ حجة الإسلام‏'.

ثانيا‏:‏ من الإعجاز التشريعي في تحديد آداب أداء فريضة الحج‏:‏

في قول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-:]فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج‏...](‏ البقرة‏:197).‏
نجد أن من معاني هذا النص الكريم ما يفهم منه أنه من أوجب علي نفسه أداء فريضة الحج وأحرم بها من المسلمين‏,‏ البالغين‏,‏ العقلاء‏,‏ الأحرار‏,‏ المستطيعين‏,‏ فعليه مراعاة آداب هذه العبادة الجليلة‏.‏ ومن ذلك التنزه عن مباشرة العلاقات الزوجية أو التفكير فيها‏,‏ والاستعلاء علي كل قبيح من الكلام أو الأفعال‏;‏ لأن الحاج مقبل علي الله‏-‏ تعالي‏-‏ والمقبل علي ربه يجب أن يتجرد لله دون سواه‏,‏ وأن ينشغل بذكره وبالطاعات له‏,‏ والقربات إليه‏,‏ وأن يسمو بنفسه ولسانه فوق كل الشهوات والرغبات الدونية وهو ما يجمع تحت مدلول‏(‏ الرفث‏)‏ الذي نهي القرآن الكريم عنه لأن من معاني‏(‏الرفث‏)‏ الفحش في الكلام أو الأفعال‏.‏

أما‏(‏ الفسوق‏)‏ فهو الخروج عن حدود الشرع‏,‏ أو علي الآداب المرعية وعن الأخلاق السوية وذلك بإتيان المعاصي‏(‏ كبرت أم صغرت‏)‏ ومنها المظالم في حق الفرد نفسه أو في حق من يصحبه من الحجاج‏,‏ وأما‏(‏ الجدال‏)‏ فهو المماراة والمشادة في الكلام حتي يغضب الإنسان صاحبه ويؤدي إلي الشحناء والخصام بينهما‏.‏ خاصة أن المطلوب في الحج هو الاجتهاد في فعل الخيرات‏,‏ والأعمال الصالحات طلبا للأجر من الله‏-‏ تعالي‏-‏ ورجاء التعلق برحماته‏,‏ والتزام الواجب بالتأدب في هذه الأماكن المباركة التي حرمها الله‏-‏ تعالي‏-‏ يوم خلق السموات والأرض‏,‏ ولذلك قال‏-‏ تعالي‏-‏ عن الحرم المكي‏:]ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم‏](‏ الحج‏:25).‏
‏(‏ والإلحاد‏)‏ هو الميل عن الحق‏,‏ ويقصد به ارتكاب المعاصي في مكة المكرمة وحرمها الشريف‏.‏ أو من ارتكب جرما خارج الحرم ثم لجأ إليه‏.‏
ومن معاني ذلك‏:‏ أن كل من يقصد في الحرم المكي تصرفا سيئا أو ينوي الإتيان بمعصية أو إساءة فيه‏,‏ فإن الله‏-‏ تعالي‏-‏ قد أخذ علي ذاته العلية العهد أن يذيقه أشد أنواع العذاب إيلاما‏,‏ لأن الحرم المكي تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات‏,‏ فكل من يحيد عن الحق فيه أو يرتكب ظلما علي أهله أو ساكنيه فإن الله‏-‏ تعالي‏-‏ قد تعهد بعذابه عذابا شديدا‏.‏
والحيود عن الحق في الحرم المكي يشمل سائر الآثام‏,‏ ومن ذلك الصد عنه‏,‏ واحتكار الطعام والشراب فيه بغير حق‏,‏ والإسراف في كل شيء وأمر‏,‏ وظلم الآخرين‏,‏ والتدافع في الزحام‏,‏ وعدم مراعاة الضعفاء من النساء والأطفال وكبار السن والعجزة‏.‏ وهذا التعبير القرآني الكريم يهدد ويتوعد كل من يقوم بمجرد التفكير في الميل عن الحق في الحرم المكي وذلك زيادة في التحذير‏,‏ ومبالغة في التوكيد علي نزول عذاب الله الشديد بكل من تسول له نفسه ذلك‏.‏

ومن هنا تتضح ومضة الإعجاز التشريعي في قول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-]الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج‏....]‏ ومن معاني ذلك أن لفريضة الحج وقت معلوم‏,‏ وأن من آداب أداء هذه الفريضة الالتزام بمكارم الأخلاق حرصا علي الأجر من الله‏,‏ وتهذيبا لنفس الحاج حتي يخرج من هذه الطاعة بطهارة القلب والبدن‏,‏ وبتهذيب النفس والسلوك‏,‏ وبالحرص الدائم علي الإحسان إلي الآخرين‏,‏ وبحب مساعدة الضعفاء والمحتاجين‏,‏ وبالسعي الجاد من أجل تحقيق سعادة الدارين‏,‏ وبالحصول علي مرضاة رب العالمين‏,‏ فيعود من حجه كيوم ولدته أمه بذنب مغفور وعمل صالح مقبول‏,‏ والله يعلم صدق عباده ويجازيهم عليه بأفضل الجزاء‏.‏ ويكون ذلك إحدي الثمار العديدة لأداء تلك الفريضة‏(‏ الحج‏),‏ والله‏-‏ تعالي‏-‏ يعتبر تقصير العبد المستطيع آداءها‏,‏ والممتنع عن ذلك دون عذر شرعي مقبول ضربا من ضروب الكفر بالله ولذلك قال‏_‏ وقوله الحق‏_:]ولله علي الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين‏](‏ آل عمران‏:97).‏

والنص الكريم يشير إلي دقة الشهور القمرية المحددة بدورة القمر حول الأرض دورة كاملة‏,‏ لأن القمر هو أقرب أجرام السماء إلي الأرض‏,‏ لذلك كانت دورته هذه هي أدق وسائل أهل الأرض لقياس الزمن النسبي‏.‏ من هنا كانت سنة المسلمين قمرية‏/‏ شمسية‏,‏ يحدد طول الشهر فيها دورة كاملة للقمر حول الأرض‏,‏ ويحدد السنة فيها دورة كاملة لكل من الأرض والقمر حول الشمس‏.‏ ويبقي الفارق الزمني بين الإثني عشر شهرا قمريا‏,‏ والسنة الشمسية للأرض هو في حدود أحد عشر يوما‏,‏ وهذا الفارق البسيط يجعل الشهور القمرية تنتقل عبر فصول السنة حتي لا ترتبط عبادات المسلمين بمناخ واحد محدد رحمة بالناس‏,‏ وبذلك يتمكنون من إدراك حركة مرور الزمن‏.‏ والله هو الموفق والمستعان‏,‏ والهادي إلي سواء السبيل‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصل الله وسلم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏.‏


_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الجمعة 19 نوفمبر 2010 - 22:21



من أسرار القرآن ‏(370)‏
‏[‏ وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتي‏][‏ طه‏:69]‏
بقلم: د. زغلول النجار

هذا النص القرآني الكريم جاء في منتصف سورة‏(‏ طه‏),‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها مائة وخمس وثلاثون‏(135)‏ بعد البسملة‏,‏

وقد سميت بهذا الاسم تكريما لخاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ لأن‏(‏ طه‏)‏ اسم من أسمائه الشريفة بدليل توجيه الخطاب إليه مباشرة بعد هذا النداء‏,‏ وإن اعتبر عدد من المفسرين هذين الحرفين‏(‏ طه‏)‏ من المقطعات الهجائية التي استهل بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم‏,‏ ويؤكد ذلك أن سورة‏(‏ طه‏)‏ من أولها إلي آخرها تعتبر خطابا من الله ـ تعالي ـ إلي خاتم أنبيائه ورسله ـ يؤكد صدق نبوته‏,‏ وخاتمية رسالته‏,‏ ويثبته علي الحق الذي بعث به‏,‏ ويسري عنه مما كان يلقاه من كفار ومشركي قريش من مقاومة لدعوته‏,‏ واضطهاد للمؤمنين به‏,‏ وتجريح لشخصه الكريم‏,‏ وهو الذي اشتهر بينهم بوصف الصادق الأمين‏,‏ ويهون عليه الأمر بتكليفه بمجرد البلاغ عن الله ـ تعالي ـ والتبشير بالجنة ونعيمها‏,‏ والتحذير من النار وأهوالها‏,‏ والإنذار من خطر الوقوع في أي من مواردها‏,‏ وترك الخيار للإنسان‏(‏ ذلك المخلوق المكرم‏,‏ العاقل‏,‏ المختار‏,‏ المكلف‏)‏ أن يسلك ما يشاء من الطريقين‏,‏ وأمره متروك إلي الله ـ تعالي ـ وحده الذي يحكم بين الناس بعلمه المحيط بكل شيء‏,‏ وعدله المطلق الذي لا يظلم أحدا‏.‏

هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة‏(‏ طه‏),‏ وما جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ والاشارات الكونية والتاريخية والعلمية‏,‏ ونركز هنا علي أوجه الإعجاز التاريخي والتشريعي في النص الكريم الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال‏.‏

أولا‏:‏ من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في النص الكريم‏:

يشير هذا النص القرآني الكريم إلي واقعة تاريخية مهمة في سيرة عبد الله ورسوله موسي بن عمران‏(‏ علي نبينا وعليه من الله السلام‏),‏ وقد وقعت في يوم عاشوراء المعروف بيوم الزينة‏,‏ وهو اليوم الذي أظهر الله ـ تعالي ـ فيه عبده ورسوله موسي علي فرعون وسحرته‏.‏ وكان ذلك بعد أن أوفي موسي بالأجل الذي قطعه علي نفسه لصهره بأرض مدين‏(‏ في أقصي الشمال الغربي من جزيرة العرب‏)‏ وسار بأهله تجاه أرض مصر فتاهوا في شبه جزيرة سيناء‏.‏ وفي ليلة مظلمة شديدة البرد رأي موسي نارا تتأجج في جانب الطور‏,‏ فتحرك إليها لعله أن يأتي لأهله بقبس منها أو أن يجد علي النار هدي‏,‏ فلما وصل إليها في الجانب الغربي من‏'‏ الوادي المقدس طوي‏'‏ ناداه الله ـ تعالي ـ وشرفه بالنبوة‏,‏ وكلفه بهداية فرعون وملئه إلي عبادة الله وحده‏,‏ فشكا موسي إلي الله ـ تعالي ـ خوفه من انتقامهم‏,‏ لسابق قتله نفرا منهم‏,‏ وهروبه إلي أرض مدين‏,‏ كما شكا من عقدة لسانه‏,‏ وسأل ربه أن يشد أزره بأخيه هارون‏,‏ فآتاه الله ـ تعالي ـ طلبه‏,‏ وأعطاه تسع آيات بينات تشهد له بالنبوة‏.‏ وأوحي الله ـ سبحانه وتعالي ـ إلي هارون أن يلقي أخاه موسي وأن يكون بجانبه في هدايته إلي فرعون وملئه‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ : ed]اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري‏(42)‏ اذهبا إلي فرعون إنه طغي‏(43)‏ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشي‏(44)‏ قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغي‏(45)‏ قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأري‏(46)‏ فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام علي من اتبع الهدي‏(47)‏ إنا قد أوحي إلينا أن العذاب علي من كذب وتولي‏(48)‏ قال فمن ربكما يا موسي‏(49)‏ قال ربنا الذي أعطي كل شيء خلقه ثم هدي‏(50)‏ قال فما بال القرون الأولي‏(51)‏ قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسي‏(52)‏ الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتي‏(53)‏ كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهي‏(54)‏ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخري‏(55)‏ ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبي‏(56)‏ قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسي‏(57)‏ فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوي‏(58)‏ قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحي‏(59)‏ فتولي فرعون فجمع كيده ثم أتي‏(60)‏ قال لهم موسي ويلكم لا تفتروا علي الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افتري‏(61)‏ فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوي‏(62)‏ قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلي‏(63)‏ فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلي‏(64)‏ قالوا يا موسي إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقي‏(65)‏ قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعي‏(66)‏ فأوجس في نفسه خيفة موسي‏(67)‏ قلنا لا تخف إنك أنت الأعلي‏(68)‏ وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتي‏(69)‏ فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسي‏(70)‏ قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقي‏(71)‏ قالوا لن نؤثرك علي ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا‏(72)‏ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقي‏(73)[‏ طه‏:42-73].‏

وجاء تفصيل واقعة يوم الزينة في أربعة مواقع أخري من القرآن الكريم في كل من سورة‏'‏ الأعراف‏'(102-136),‏ وسورة‏'‏ يونس‏'(62‏ـ‏75),‏ وسورة‏'101‏ و‏102,‏ وسورة‏'‏ الشعراء‏'(10‏ ـ‏51)‏

ويتضح وجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في تسجيل القرآن الكريم لواقعة لقاء كل من موسي وهارون ـ عليهما السلام ـ مع فرعون وسحرته بهذا التفصيل الدقيق‏.‏ وهو أروع ما في الواقعة مما يجعل رواية القرآن الكريم لها وجها من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في كتاب الله‏.‏

ثانيا‏:‏ من أوجه الإعجاز التشريعي في تحريم السحر‏:‏

يعرف السحر بمجموع الأقوال والأفعال المنافية لأصول الدين الإسلامي‏,‏ والمتعارضة مع الأخلاق الشرعية‏,‏ ولذلك عرفه الفقهاء بأنه الكلام الموضوع الذي يعظم به غير الله ـ تعالي ـ‏,‏ وهذا المخلوق المعظم زورا ينسب إليه زورا كذلك القدرة علي التحكم في مقدرات الكائنات‏,‏ وبذلك يصبح السحر كبيرة من أقبح الكبائر‏,‏ ويمثل ردة ظاهرة عن الدين‏,‏ بصرف النظر عما يترتب علي ذلك من الآثار‏,‏ وذلك لأن الذي يعظم غير الله بما هو مختص بالذات الإلهية فقط أو يصف الإله بما لا يليق به هو كافر بين الكفر إلي أن يتوب‏.‏

ومن السحر ما هو من باب التوهم والخيال‏,‏ ومنه ما هو حقيقة‏,‏ وقد تترتب عليه آثار حقيقية‏,‏ سواء كانت ضعيفة محدودة‏,‏ أو كانت بالغة الضرر والأثر‏.‏ ويخبرنا القرآن الكريم بأن فرعون موسي قد جمع من قومه كل سحار عليم‏,‏ وجاء بهم مجتمعين‏,‏ فلم يأتوا إلا بخيال لا حقيقة له‏,‏ كما وصفه القرآن الكريم بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏ed]قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعي‏][‏ طه‏:66].‏

والنص صريح بأن سحرة فرعون ـ وقد كانوا من أمهر السحرة ـ لم يأتوا إلا بخيال لا حقيقة له‏,‏ وكان ذلك قصاري جهدهم‏.‏

أما السحر الحقيقي فقد جاءت الإشارة إليه في القرآن الكريم عن قصة‏(‏ هاروت وماروت‏)‏ ومنه قول ربنا ـ تبارك وتعالي‏: ed]واتبعوا ما تتلو الشياطين علي ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل علي الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتي يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون‏][‏ البقرة‏:102].‏

والقرآن الكريم ينفي عن عبدالله ونبيه سليمان أنه كان ساحرا‏,‏ ويقرر أن السحر كفر ينفيه عن سليمان‏,‏ ويثبته للشياطين‏,‏ ويعتبر تعلمه واستخدامه كفرا كذلك‏,‏ كما ينفي أن السحر منزل من عند الله علي الملكين ببابل‏(‏ هاروت وماروت‏),‏ ويبين أن هذين الملكين كانا في بابل‏(‏ من أرض الكوفة‏)‏ ابتلاء للناس لحكمة يعلمها الله ـ تعالي ـ وقد كان بعض الناس يصبر علي تعلم السحر منهما علي الرغم من تحذيرهما من ذلك‏,‏ ومن تأكيد الله ـ تعالي ـ أن السحر يضر القائم به ولا ينفعه وأن من يشتريه لا نصيب له من خيري الدنيا والآخرة‏,‏ فما أسوأ ما باعوا به أنفسهم لو كانوا يعلمون‏.‏ وفي ختام الآية الكريمة تقرير لكلية التصور الإسلامي الصحيح بأنه لا يقع شيء في هذا الوجود إلا بإذن الله‏,‏ لأنه هو رب هذا الكون ومليكه‏,‏ حاكمه ومدبر كل أمره‏.‏

ولذلك أوصانا ربنا ـ تبارك وتعالي ـ بالتعوذ به والاعتصام بجلاله بقوله العزيز‏: ed]ومن شر النفاثات في العقد‏][‏ الفلق‏:4].‏ والنفاثات هن النساء الساحرات اللائي كن ينفثن‏(‏ أي ينفخن‏)‏ في عقد الخيوط حين يسحرن بها ليصبن عباد الله بسحرهن‏.‏ والسحر يدفع شره بكثرة التعوذ بالله ـ تعالي ـ والتحصن به‏,‏ واللجوء إليه‏,‏ وبتقوي الله‏-‏ تعالي‏-‏ في السر والعلن‏,‏ وأداء حقوقه‏,‏ ومراقبة أوامره ونواهيه‏,‏ فمن اتقي الله‏-‏ تعالي‏-‏ تولي حفظه‏,‏ ولم يكله إلي غيره‏.‏

ومباشرة السحر كفر وارتداد عن الإسلام‏,‏ سواء كانت المباشرة عملا به أو تعليما أو تعلما له‏.‏ والمجاهر بالسحر حكمه القتل لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:‏ حد الساحر‏,‏ ضربه بالسيف‏'.‏

وقد تدخل الكهانة في السحر‏,‏ وإن كان الكاهن هو العراف الذي يحدث ويتخرص‏,‏ والذي له من الجن من يأتيه بالأخبار‏.‏ والكاهن حكمه حكم الساحر‏,‏ فيقتل إن جاهر بكهانته لقول سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه‏:'‏ اقتلوا كل ساحر وكاهن‏'.‏

وفي قوله ـ تعالي‏:ed]ولا يفلح الساحر حيث أتي‏][‏ طه‏:69].‏ تأكيد علي ذم السحر وأهله‏,‏ وقد اعتبره رسول الله صلي الله عليه وسلم من الكبائر‏,‏ ومن السبع الموبقات المهلكات‏.‏

ومن ذلك كله يتضح وجه الإعجاز التشريعي في تحريم السحر تحريما قاطعا بمختلف أشكاله وأساليبه وصوره‏,‏ ومساواته بالكفر‏,‏ واعتباره من الكبائر‏,‏ لأنه قائم علي الاتصال الخفي بشياطين الجن وتوظيفهم في الإضرار بالأبرياء الغافلين من خلق الله‏,‏ من أجل منازعة الله في سلطانه‏,‏ وهو‏_‏ تعالي ـ رب هذا الكون ومليكه‏,‏ وحاكمه ومدبر أمره‏.‏ والسحر ضرب من أخذ زمام معاقبة الأبرياء دون محاكمة‏,‏ ونوع من الظلم المتجاوز لكل الحدود في حق الله ـ تعالي ـ وفي حق عباده‏.‏
فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏


_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   السبت 4 ديسمبر 2010 - 22:24



من أسرار القرآن (‏371)
‏ولا تنكحوا المشركات حتي يؤمن‏.(‏ سورة البقرة‏:221)
بقلم: د. زغلول النجار

هذا النص القرآني الكريم جاء في الربع الأخير من سورة‏'‏ البقرة‏'‏ ونركز فيها علي وجه الإعجاز التشريعي في تحريم زواج المسلمين من المشركات ـ وتحريم زواج المسلمات من المشركين كما حددته هذه الآية المباركة‏.‏

من أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم

يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ في محكم كتابه‏: (‏ ولا تنكحوا المشركات حتي يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتي يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلي النار والله يدعو إلي الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون‏).(‏ البقرة‏: 221) .‏

وهذه الآية القرآنية الكريمة يأمر فيها ربنا ـ تبارك وتعالي‏-‏ جميع الذكور من المسلمين بألايتزوجوا من المشركات حتي يؤمن بالله ـ تعالي ـ ربا واحدا أحدا ـ فردا صمدا ـ بغير شريك ـ ولا شبيه ـ ولا منازع ـ ولاصاحبة ولا ولد ـ وأن ينزهن هذا الخالق العظيم عن جميع صفات خلقه ـ وعن كل وصف لايليق بجلاله ـ وأن يؤمن بملائكة الله ـ وكتبه ـ ورسله ـ واليوم الآخر ـ وبالقدر خيره وشره ـ وهذه هي أركان الإيمان‏.‏

وتؤكد الآية الكريمة لكل رجل مسلم أن زواجه من أمة مؤمنة‏( ‏ أي الأنثي المملوكة بملك اليمين‏)‏ أفضل من زواجة من حرة مشركة‏-‏ مهما كان جمالها ـ وثراؤها ـ وسلطانها وغير ذلك من المغريات التي يمكن أن تدفعه إلي الاقتران بها ـ وفي ذلك يقول المصطفي‏ :‏

‏(1)'‏ لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسي حسنهن أن يرديهن ـ ولا تنكحوهن علي أموالهن فعسي أموالهن أن تطغيهن ـ وانكحوهن علي الدين ـ فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل‏'(‏ ابن ماجه‏).‏
‏(2)'‏ تنكح المرأة لأربع‏:‏ لمالها ـ ولحسبها ـ ولجمالها ـ ولدينها ـ فاظفر بذات الدين تربت يداك‏'(‏ البخاري ومسلم‏).‏
‏(3)'‏ الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة‏'(‏ مسلم‏).‏
‏(4)'‏ إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ـ إلاتفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض‏'(‏ ابن ماجه‏).‏
‏(5)'‏ تخيروا لنطفكم ـ وأنكحوا الأكفاء ـ وأنكحوا إليهم‏'(‏ ابن ماجه‏).‏

وفي المقابل يأمر ربنا ـ تبارك وتعالي ـ جميع المسلمين بألا يزوجوا المشركين من نسائهم المؤمنات حتي يؤمن هؤلاء المشركون لله ـ تعالي ـ ربا واحدا أحدا فردا صمدا‏,‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد‏,‏ وأن ينزهوا الله‏'‏ تعالي‏'‏ عن جميع صفات خلقه ـ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ـ وأن يؤمنوا بملائكة الله ـ وكتبه ـ ورسله ـ واليوم الأخر ـ وبالقدر خيره وشره‏.‏

وتؤكد الآية الكريمة أن زواج المسلمة من عبد مؤمن خير من زواجها من مشرك ـ مهما كان ثراؤه أو جاهه أو سلطانه‏.‏ وليس هذا من قبيل التعصب الديني لأن الإسلام العظيم يؤكد الأخوة المطلقة بين بني الإنسان الذين ينتهي نسبهم إلي أب واحد وأم واحدة ولكن الحكمة من هذا التشريع أن رابطة الزوجية هي أعمق رابطة تربط بين ذكر وأنثي ـ ومن ثم فإنها تستلزم القيام علي أقوي الركائز وأدومها ـ وهي ركيزة الإيمان الصحيح بالله ـ سبحانه وتعالي ـ ـ والذي ينبني عليه فهم الإنسان لرسالته في هذه الحياة الدنيا‏:‏ عبدا لله ـ مطالبا بعبادته وحده بما أمر ـ ومستخلفا في الأرض ـ مطالبا بحسن القيام بواجبات الاستخلاف فيها وذلك بعمارتها وبإقامة شرع الله وعدله في ربوعها ـ وأول ما يجب تحقيق ذلك يكون في نطاق الأسرة لأنها هي أساس المجتمع ـ فإذا صلحت صلح المجتمع كله‏,‏ وإذا فسدت انهار المجتمع من أساسه‏.‏ والنظام الاجتماعي في الإسلام قائم علي نظام الأسرة ـ ولذلك فإنه يعتبر أية علاقة بين الجنسين خارج هذا الإطار هي علاقة محرمة تحريما قاطعا‏.‏ والأسرة تلبي كل احتياجات الفطرة الإنسانية وترسيخ مقوماتها حيث تتوحد في ظلها القلوب والعقول وماينتج عن ذلك التوحد من المفاهيم والمشاعر والأحاسيس‏.‏ وإذا لم تبدأ الأسرة علي أساس من العقيدة الدينية الصحيحة فإن مثل هذا اللقاء لايمكن له أن يتحقق ـ وذلك لأن الحياة بطبيعتها مليئة بالابتلاءات والشدائد والمصاعب ـ والتي إذا لم تصادف وحدة علي العقيدة الصحيحة فإن العلاقات الزوجية سرعان ماتنهار تحت ضغط تلك الشدائد ـ ويكون لانهيارها من التبعات ما لا يعلمه إلا الله‏.‏ ومن هنا فإن الاستجابة السريعة لعاصفة عابرة تؤجحبها غمزات الشياطين لا يمكن أن تكون مبررا لإقامة علاقة زوجية مع اختلاف في العقيدة بين الزوجين مهما كانت مساحة الإغراءات لتحقيق ذلك ـ والتجارب السابقة كلها تؤكد علي حتمية انهيار تلك العلاقة مهما بدت دوافع تحقيقها مغرية وميسرة وممكنة في أول الأمر‏.‏ فالزوجة إذا لم تكن علي دين زوجها فإنها تحاول أن تصبغ بيتها بصبغة معتقداتها ـ وأن تغرس تلك المعتقدات في عقول وقلوب أبنائها مما يؤدي إلي تمزق الأسرة عقديا وعباديا ـ وفكريا ـ وسلوكيا وما يمكن أن يحدثه ذلك في تنشئة الأبناء والبنات منذ بدايات الإدراك الأولي عندهم بشروخ حقيقية في المعتقدات والعبادات والسلوكيات‏.‏ ولذلك ختمت الآية الكريمة بقول الحق ـ تبارك وتعالي‏:‏

‏(....‏أولئك يدعون إلي النار والله يدعو إلي الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون‏).(‏ البقرة‏:221).‏

أي أن مصاهرة المشركين تؤدي بالمسلمين حتما إلي النار ـ وأن الثبات علي أوامر الله ـ تعالي ـ بتحريم ذلك يؤدي بالمسلمين إلي جنات الله ومغفرته ـ والله ـ سبحانه وتعالي ـ يوضح مبررات أوامره للناس حتي يفيقوا من ركام الادعاءات المادية الباطلة فيميزوا بين الخير والشر ـ والطيب والخبيث ـ وبين ما ينفعهم في الدنيا والآخرة ـ وما يدمرهم في الدارين ـ والله يقول الحق ويهدي إلي سواء السبيل‏.‏

وفي قوله‏-‏ تعالي‏-: (‏ ولا تنكحوا المشركات حتي يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم‏...).‏

أي لاترتبطوا بزواج أي من المشركات إلي أن يؤمن إيمانا صادقا صحيحا لا لبس فيه ولامجاملة ـ والمراد بالنكاح هنا هو عقد عقدة الزواج وهو من الفعل الثلاثي‏(‏ نكح‏)‏ أي عقد عقدة الزواج ـ وهذا الفعل الثلاثي لايتعدي إلا إلي مفعول واحد هو هنا‏(‏ المشركات‏).‏

وفي قوله ـ تعالي‏-: (...‏ ولا تنكحوا المشركين حتي يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم‏...).(‏ البقرة‏:221).‏

تأكيد حرمة تزويج المسلمة أو زواجها هي بالمشرك‏.‏ والفعل‏(‏ تنكحوا‏)‏ بضم التاء مستمد من الفعل الرباعي‏(‏ أنكح‏)‏ بمعني عقد عقدة الزواج لذكر علي أنثي ـ وهذا الفعل الرباعي يتعدي إلي مفعولين أولها‏(‏ المشركين‏)‏ وثاينهما محذوف ويشير إلي‏(‏ المؤمنات‏)‏ أي‏:‏ يا أيها الذين أمنوا لاتزوجوا المشركين بالمؤمنات من بناتكم أو نسائكم ـ ولاتسمحوا لهن بتزويج أنفسهن من المشركين إذا كن مؤهلات للقيام بذلك‏-‏ مهما كانت الدوافع والمغريات للوقوع في تلك المعصية‏.‏ والعلة في تحريم عقد زواج المشرك علي مؤمنة هو أن الولاية في الأسرة هي للرجل ـ وإذا كان الرجل مشركا فقد يستخدم سلطة الولاية في الاستخفاف بدين زوجته ـ أو إيذائها بسبب دينها أو منعها من ممارسة عبادتها‏,‏ أو إجبارها علي ترك دينها بالكامل وحملها علي الكفر بالله أو الشرك به ـ فيدمرها تدميرا كاملا في الدنيا والآخرة‏.‏ خاصة أن المسلمة تؤمن بجميع أنبياء الله ورسله وكتبه دون أدني تفريق ـ والمشرك لا يعظم ذلك أبدا‏.‏ ثم إن الأولاد عادة يتبعون الأب‏-‏ مهما كان معتقده فاسدا‏-‏ فيدمر أبوهم حياتهم في الدنيا والآخرة ولذلك قال‏-‏ تعالي‏- (....‏أولئك يدعون إلي النار والله يدعو إلي الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون‏).(‏ البقرة‏:221).‏

ومن المعلوم أن المغفرة تسبق دخول العبد إلي الجنة ـ ولكن في هذه الآية الكريمة قدمت‏(‏ الجنة‏)‏ علي‏(‏ المغفرة‏)‏ لرعاية المقابلة مع لفظ‏(‏ النار‏)‏ السابقة لتكمل المقابلة وتظهر بإذن الله‏.‏

وتأكيد النص القرآني أن الشرك يقود إلي النار ينطلق من قول ربنا ـ تبارك وتعالي‏ :‏ ‏(‏إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افتري إثما عظيما‏).(‏ النساء‏:48).‏

ونحن نري الحكمة من هذا التشريع الالهي العظيم اليوم في زمن الانفتاح الذي نعيشه ـ والذي يسهل فيه اتصال كل من المسلم بغير المسلمات من النساء ـ والمسلمة بغير المسلمين من الرجال عن طريق التليفون المحمول أو الإنترنت أو كتاب الوجه المعروف باسم‏(‏ الفيس بوك‏)‏ ـ أو عن طريق السفر إلي الخارج أو الإقامة في ديار غير المسلمين ـ وهنا قد يصور الشيطان لأي من الطرفين أو لهما معا إمكانية العيش برباط الزوجية مع اختلاف العقائد والعبادات ـ وقد يحاول الطرفان جبر أنفسهما علي التعايش مع هذا الاختلاف لفترة من الزمن ـ ثم بعد فترة تهدأ العواطف الملتهبة ـ ويبدأ الزوجان في مواجهة تكاليف الحياة الصعبةـ ويبدأ الصدام الحتمي الذي تتكسر علي أحجاره كل ما تصوره الطرفان من مشاعر الحب الأعمي الذي دفعهما إلي الارتباط برباط الزواج مع إدراكهما الاختلافات الهائلة التي تفصلها في مجال العقيدة والعبادات والأخلاق والسلوكيات‏,‏ وفي مجال المطعومات والمشروبات‏,‏ والعادات ـ والعلاقات الأسرية وغيرها وعندها سرعان ما تنهار الأحلام الوردية التي حلموا بها ـ والأماني المستقبلية التي خططوا لها ـ فتنفصم عري هذه العلاقة المحرمة بمأساوية قاتلة ـ تكون الضحية فيها غالبا هي المرأة التي تسبق العاطفة عندها حكم العقل ـ وتبدا المعاناه إلي آخر العمر في الدنيا ـ والله أعلم بالمصير في الآخرة إذا لم تتحقق التوبة والعودة إلي الله بعد هذا القرار الذي اتخذ بلا روية وتتضخم المأساة إذا نتج عن هذه العلاقة المحرمة أطفال لأتهم حتما سيضيعون بين أقدام الأبوين المنفصلين ـ وسيعانون من آثار التمزق النفسي والعقدي والفكري والسلوكي الذي عاشوا في ظله ما قد يكون سببا في دمارهم الكامل في الدنيا والآخرة‏.‏

ولا أقرر ذلك من فراغ فقد اتصل بي عشرات من الشباب المسلمين الذين حدث وأن تعرفوا علي نصفهم الآخر من غير المسلمات ـ عبر الدردشة علي التليفون المحمول أو الإنترنيت ـ واستشاروني في إتمام الزواج‏,‏ وكنت دائما أنصح بالانصراف عن ذلك الوهم الخاسر‏.‏ ومنهم من كان يقتنع بنصيحتي‏,‏ ومنهم من جرفته العاطفة العمياء فتمم الزواج الذي سرعان ما انهار وجاءني يبكي حظه الأغبر‏.‏

وفي المقابل جاءني عدد من المسلمات اللائي تعرفن بشباب من غير المسلمين إما عبر شبكة المعلومات الدولية‏(‏ الإنترنيت‏)‏ أو الإرشاد السياحي ـ أو الإقامة بالخارج ـ وهؤلاء الشبان تظاهروا بقبول الإسلام دينا كي يتم الزواج الذي سرعان ما انهار وتحطم علي أول احتكاك فعلي ـ وكانت الضحية في كل مرة هي الأنثي المسكينة التي تسبق العاطفة عندها قرار العقل ـ والنسل البرئ الذي جاء عن طريق هذه العلاقة التي حذرنا القرآن الكريم من أخطار الوقوع فيها ـ ووضع الضوابط الأخلاقية والسلوكية التي تحفظ الشابات والشبان من الوقوع في شباكها ـ فقال ـ تعالي‏ : (‏ ولا تنكحوا المشركات حتي يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتي يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلي النار والله يدعو إلي الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون‏).(‏ البقرة‏:221).‏

وهنا يتضح وجه الإعجاز التشريعي في هذه الآية الكريمة ـ لعل شبابنا وشاباتنا من المسلمين يعيدون قراءتها ليتعظوا بها والله يقول الحق ويهدي إلي صراط مستقيم ـ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ـ وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏.‏


_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   السبت 11 ديسمبر 2010 - 7:48



من أسرار القرآن (‏372)
‏ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم‏......(‏ سورة البقرة‏:224)‏
بقلم: د. زغلول النجار


هذا النص القرآني الكريم جاء في الربع الأخير من سورة البقرة‏,‏ وهي سورة مدنية وآياتها مئتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور القرآن الكريم علي الإطلاق‏,‏

وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي معجزة حسية أجراها الله‏-‏ تعالي‏-‏ لعبده ونبيه موسي بن عمران‏-‏ علي نبينا وعليه من الله السلام‏-‏ حين تعرض شخص من قومه للقتل ولم يعرف قاتله‏,‏ فأوحي الله‏-‏سبحانه وتعالي‏-‏ إلي عبده موسي أن يأمر قومه بذبح بقرة‏,‏ وأن يضربوا الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله‏,‏ ويخبرهم عن قاتله ثم يموت‏,‏ حتي يكون في ذلك إحقاقا للحق‏,‏ وشهادة لله‏-‏ تعالي‏-‏ بالقدرة علي إحياء الموتي وشهادة كذلك لعبده موسي‏-‏عليه السلام‏-‏ بالنبوة والرسالة‏.‏

هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة البقرة‏,‏ وما جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ وأسس العبادة‏,‏ وقواعد الأخلاق‏,‏ والتشريعات‏,‏ والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا علي وجه
الإعجاز التشريعي في النهي عن كثرة الحلف بالله‏(‏ سبحانه وتعالي‏).‏

من أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم

يقول ربناـ تبارك وتعالي ـ في محكم كتابه‏:‏
‏(‏ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم‏)(‏ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم‏)(‏ البقرة‏:225,224).‏
و‏(‏العرضة‏)‏ بضم العين هي المانع‏,‏ لأن كل ما يعترض فيمنع عن الشئ فهو‏(‏ عرضة‏).‏ ولهذا يقال للسحاب‏(‏ عارض‏)‏ لأنه يمنع رؤية الشمس‏,‏ ويقال‏:‏ اعترض فلان فلانا أي‏:‏ منعه من فعل ما يريد‏(‏ والأيمان‏)‏ جمع يمين وهو تحقيق الأمر أو توكيده بذكر اسم الله‏-‏ تعالي‏-‏ أو صفة من صفاته‏,‏ أو هو عقد يقوي به الحالف عزمه علي الفعل أو الترك وقال‏-‏صلي الله عليه وسلم‏-‏ اليمين علي نية المستحلف وفي رواية يمينك علي ما يصدقك عليه صاحبك‏(‏ أبو داود‏,‏ الترمذي‏).‏

في تفسير ذلك قال الجصاص في أحكام القرآن‏:‏ لا تعترضوا اسم الله وتبذلوه في كل شئ حقا كان أو باطلا‏,‏ فالله ينهاكم عن كثرة الأيمان والجرأة علي الله تعالي‏,‏ وكذلك لا تجعلوا اليمين بالله عرضة مانعة من البر والتقوي والإصلاح‏.‏

وقال الرازي في تفسيره‏:‏ المراد النهي عن الجراءة علي الله بكثرة الحلف به‏,‏ لأن من أكثر من ذكر شئ فقد جعله عرضة له‏....‏ ومن معاني ذلك أيضا‏:‏ لا تجعلوا الحلف بالله سببا مانعا لكم من أعمال البر والتقوي‏,‏ وذلك من مثل أن يدعي أحدكم إلي عمل من أعمال البر أو الإصلاح بين الناس‏,‏ فيقول‏:‏ قد أقسمت بالله أن لا أفعله‏,‏ فيتعلل باليمين‏.‏ فيا أيها المسلمون لا تجعلوا الحلف بالله حجة لكم في ترك فعل الخير‏,‏ كأن يسأل أحدكم عن المشاركة في أمر من البر أو الخير أو الإصلاح بين الناس‏,‏ فيقول‏:‏ لقد حلفت بالله ألا أفعله‏,‏ وأريد أن أبر بيميني‏,‏ فلا تتعللوا باليمين بل افعلوا ما دعيتم إليه من أعمال الخير أو البر أو الإصلاح بين الناس وكفروا عن أيمانكم‏.‏

وعلي كل الأحوال لا تكثروا من الحلف بالله إجلالا لاسمه الكريم وتعظيما وتشريفا‏,‏ ولا تجعلوا ذلك إلا في أضيق الحدود‏,‏ وفي عظائم الأمور‏,‏ حتي لا تجعلوا من اسم الله‏-‏تعالي‏-‏ هدفا لأيمانكم فيما يستحق وما لا يستحق‏,‏ لأن المكثر من الحلف‏(‏ الحلاف‏)‏ بالله مجترئ علي ربه‏,‏ ولذلك ذم القرآن الكريم المكثرين من الحلف فقال‏-‏تعالي‏-‏ مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ آمرا إياه بقوله العزيز‏(‏ ولا تطع كل حلاف مهين‏)(‏ القلم‏:10).‏

والحكمة في الأمر بالتقليل من حلف الأيمان بالله‏,‏ أن من حلف في كل أمر عظيم أو حقير باسم الله‏-‏ تعالي‏-‏ انطلق لسانه بذلك في كل مناسبة حتي لا يبقي لليمين باسم الله في قلبه وقع ولا خشية‏,‏ حتي ليقدم مقسما به في كل صغيرة وكبيرة‏,‏ وهنا قد لا يؤمن إقدامه علي اليمين الكاذبة حالفا باسم الله كي يصدقه الناس‏,‏ وذكر الله‏-‏ تعالي‏-‏ يجب أن يكون أجل وأعظم في قلب المؤمن من أن يقسم به كاذبا‏,‏ وشرط اليمين وركنه هو الإسلام‏,‏ والبلوغ والعقل‏,‏ والاختيار‏,‏ وإمكان البر‏.‏ وفي تفسير قوله‏-‏تعالي‏ : (‏ أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس‏....(‏ ذكر الشهيد سيد قطب‏-‏ رحمه الله تعالي‏-‏ ما نصه‏ :‏ عن ابن عباس‏-‏ رضي الله عنهما‏-‏ قال‏:‏ لا
تجعلن عرضة يمينك ألا تصنع الخير‏,‏ ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير‏.‏

وأضاف‏-‏ رحمه الله‏-‏ قوله‏:‏ ومما يستشهد به لهذا التفسير ما رواه مسلم‏-‏ بإسناده‏-‏ عن أبي هريرة أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ قال‏:‏ من حلف علي يمين فرأي غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه‏,‏ وليفعل الذي هو خير وما رواه البخاري‏-‏ بإسناده‏-‏ عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:‏ والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه‏.‏

وعلي هذا يكون من معاني قوله‏-‏ تعالي‏- (‏ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس‏....)(‏ لا تجعلوا الحلف بالله مانعا لكم من عمل البر والتقوي والإصلاح بين الناس‏.‏ فإذا حلفتم ألا تفعلوا وفعلتم‏,‏ أو أن تفعلوا ولم تفعلوا‏,‏ فكفروا عن أيمانكم وأتوا بالخير‏,‏ فتحقيق البر والتقوي والإصلاح بين الناس أولي من مجرد المحافظة علي اليمين‏.‏ ولذلك قال‏-‏ تعالي‏-(‏ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم‏)(‏ التحريم‏:2).‏ ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسي الأشعري‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أنه قال‏:‏ قال رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏- :‏ إني والله إن شاء الله لا أحلف علي يمين فأري غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها‏.‏

وثبت في الصحيحين أيضا أن رسول الله صلي الله عليه وسلم‏-‏ قال لعبد الرحمن بن سمرة‏:‏ يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها‏,‏ وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها‏,‏ وإذا حلفت علي يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك‏.‏ وعن أبي هريرة‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ قال من حلف علي يمين فرأي غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير‏.(‏رواه مسلم‏).‏

وتعقب الآية الكريمة‏(‏ رقم‏224)‏ من سورة البقرة علي العدول عن اليمين إلي ما فيه البر والخير بقول الحق‏-‏ تبارك وتعالي‏ : (....‏ والله سميع عليم‏)(‏ ليوحي لقارئ القرآن بأن الله‏-‏ تعالي‏-‏ يسمع ما يقال ويعلم موضع الخير كما يعلم نية الحالف بالله‏,‏ وحكم اليمين أن يفعل الحالف المحلوف به فيكون بارا بيمينه‏,‏ فيحنث‏,‏ وتجب الكفارة‏.‏ وتنقسم الأيمان ألي اليمين اللغو‏,‏ واليمين المنعقدة‏,‏ واليمين الغموس‏(‏ الصابرة‏).‏

ومن رحمة الله‏-‏ تعالي‏-‏ بعباده أن ما جري به اللسان عفوا ولغوا من غير قصد‏,‏ فلا كفارة فيه‏,‏ فالله تعالي لم يجعل الكفارة إلا في اليمين المعقودة أي‏:‏ التي يقصد إليها الحالف قصدا‏,‏ وينوي الالتزام بما وراءها مما حلف عليه ثم يحنث في ذلك‏,‏ ولذلك قال‏-‏ تعالي‏-‏ في الآية التالية مباشرة ‏: (‏ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم‏)(‏ البقرة‏:225).‏

وقد روي أبو داود‏-‏ بإسناده‏-‏ عن أم المؤمنين السيدة عائشة‏-‏ رضي الله عنها وأرضاها‏-‏ أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ قال‏:‏ اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته‏:‏ كلا والله‏,‏ وبلي والله‏,‏ ومن لغو اليمين أن يحلف المرء علي شئ يظن صدقه‏,‏ فيظهر خلاف ذلك فهو من باب الخطأ‏,‏ فلا كفارة فيه‏,‏ ولا مؤاخذة عليه‏.‏ وورد عن ابن عباس‏-‏ رضي الله عنهما‏-‏ قوله‏:‏ لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان كما روي عنه لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله‏,‏ فذلك ليس عليك فيه كفارة‏.‏
وعن سعيد بن المسيب‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‏-‏ رضي الله عنه وأرضاه‏-‏ قال‏:‏ سمعت رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ يقول‏:‏ لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب عز وجل‏,‏ ولا في قطيعة الرحم‏,‏ ولا فيما لا تملك‏.‏

وخلاصة ذلك أن اليمين التي لا تنعقد النية علي ما وراءها‏,‏ إنما يلغو بها اللسان‏,‏ لا كفارة فيها‏.‏ وأن اليمين التي ينوي الحالف بها الأخذ أو الفعل أو الترك لما حلف عليه هي التي تنعقد‏,‏ وهي التي تستوجب الكفارة عند الحنث بها‏.‏ وأنه يجب الحنث بها إن كان مؤداها الامتناع عن فعل خير أو الإقدام علي فعل شر‏.‏ ولكن إذا حلف الإنسان علي شئ وهو يعلم أنه كاذب اليمين الكاذبة أو الغموس وذلك لكي يهضم بها حقا‏,‏ أو يقصد بها زورا أو غشا أو خيانة فبعض الآراء أنه لا تقوم لهذا اليمين كفارة‏,‏ أي لا يكفر عنه شئ لأنه أعظم من أن يكفر لأنه كبيرة من كبائر الإثم وفي ذلك يقول الإمام مالك‏-‏ رضي الله عنه‏-:‏ أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان علي الشئ يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه‏,‏ فلا كفارة فيه‏,‏ والذي يحلف علي الشئ وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا‏,‏ أو يقتطع به مالا‏,‏ فهذا أعظم من أن تكون له كفارة‏.‏ ويسمي ذلك باسم اليمين الغموس أي الذي يغمس صاحبه في النار إن لم يتب قبل موته ورد الحقوق إلي أصحابها إذا كان قد ترتب علي اليمين ضياع هذه الحقوق‏,‏ لأنه لا كفارة فيه علي رأي جمهور الأئمة‏,‏ أو تجب فيه الكفارة علي مذهب الشافعية‏,‏ وفي التحذير من ذلك يقول الحق‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ في محكم كتابه‏: (‏ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم‏)(‏ النحل‏:94).‏

وقال‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:‏ خمس ليس لهن كفارة‏:‏ الشرك بالله‏,‏ وقتل النفس بغير حق‏,‏ وبهت مؤمن‏,‏ ويمين صابرة يقطع بها مالا بغير حق‏(‏ أحمد‏).‏
وقال‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:‏ من حلف علي يمين مصبورة كاذبا فليتبوأ بوجهه مقعده من النار‏(‏ أبو داود‏).‏
وتختتم الآية رقم‏(225)‏ من سورة البقرة بعد الحكم علي كل من اليمين اللغو واليمين المعقودة التي ينويها القلب بقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏ : (‏ والله غفور حليم‏)‏ ليؤكد علي حلم الله‏-‏ تعالي‏-‏ عن مؤاخذة عباده علي ما يتلفظون به من لغو الحديث‏,‏ وعلي مغفرته‏-‏ سبحانه وتعالي للتائبين من عباده عما تلفظوا به من أيمان حنثوا فيها‏,‏ ولذلك تأثم بها قلوبهم إلا أن يستغفروا ربهم ويتوبوا إليه متابا صحيحا‏.‏ فالله‏-‏ تعالي‏-‏ لا يحاسب عباده بما يجري علي ألسنتهم من ذكر اسمه العظيم من غير قصد بالحلف‏,‏ ولكن يحاسبهم بما قصدت قلوبهم إليه‏,‏ والله واسع المغفرة‏,‏ حليم لا يعاجل عباده بالعقوبة‏.‏

والآيتان الكريمتان‏(225,224)‏ من سورة البقرة توجهان جميع المسلمين إلي ضرورة ترك الحلف بالله اعتقادا بأن الله‏-‏ تعالي‏-‏ هو رب كل شئ ومليكه‏,‏ خالقه وحافظه‏,‏ ومدبر أمره‏,‏ وبالتالي فإن اسمه العظيم أجل من أن يقسم به علي شئ من مطالب الدنيا الفانية‏,‏ وإن حدث ذلك في أمر يصرف عن البر أو التقوي أو الإصلاح بين الناس فالحنث في اليمين واجب مع الكفارة‏,‏ لأنه لا يجوز أن يكون اليمين مانعا من عمل الخير أو دفع الشر‏.‏ والله‏-‏ تعالي‏-‏ من رحمته بعباده لا يحاسبهم علي اللغو في أيمانهم‏(‏ واللغو من الكلام هو ما لا يعتد به فلا إثم فيه ولا كفارة‏)‏ ولكن يحاسبهم علي ما رسموه وقصدوا إليه بتخطيط وروية‏,‏ وما أدركت قلوبهم وعقولهم أنه خطأ لا يرضاه الله ورسوله‏,‏ وعلي الرغم من ذلك عقدوا عليه الأيمان ولم يفعلوه‏.‏

وفي تعريف اللغو في اليمين قيل هو ما يجري علي اللسان من غير قصد الحلف‏,‏ أو أن يحلف علي شئ يظنه كما يعتقد فيكون بخلافه‏,‏ فلا كفارة فيه‏.‏ فالله‏-‏ تعالي‏-‏ من رحمته بعباده لا يؤخاذهم علي ما صدر منهم من أيمان لاغية‏(‏ أي غير مقصودة‏).‏

وتتضح أوجه الإعجاز التشريعي في النهي عن كثرة الحلف بالله‏-‏ تعالي‏-‏ في النقاط التالية‏:‏

‏(1)‏ أن كثرة الحلف بالله في التعاملات بين الناس تطلق اللسان بهذا اليمين المقدس في كل مناسبة حتي لا يبقي له في قلب الحلاف وقع ولا خشية‏.‏
‏(2)‏ إن قلة الحلف باسم الله تجعل الإنسان مهيبا‏,‏ مصدقا‏,‏ موثوقا به جليل القدر في أوساط الناس‏,‏ وما أحوج المجتمعات الإنسانية إلي أمثال هؤلاء‏.‏ وعلي النقيض من ذلك فإن كثرة الحلف بالله في كل أمر صغير أو كبير تفقد الحلاف ثقة الناس فيه واحترامهم لأقواله‏.‏
‏(3)‏ أن من رحمة الله‏-‏ تعالي‏-‏ بعباده العفو عن اللغو في الحلف بالله عن غير قصد ولا عقد نية‏,‏ أو إذا كان المرء حالفا علي شئ يعتقده مستيقنا أنه كذلك ثم يوجد الأمر بخلافه فهو من أيمان اللغو التي لا كفارة فيها‏,‏ وكذلك لا حنث مع النسيان أو الخطأ أو الإكراه لقول رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ أن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
‏(4)‏ أن من أقسم بالله‏-‏ تعالي‏-‏ كاذبا متعمدا مع التوثيق باليمين فقد أوقع نفسه في شرك اليمين الغموس الذي يغمس صاحبه في النار إذا لم يبادر بالاستغفار والتوبة ورد الحقوق إلي أصحابها إذا كان قد ترتب عليها ضياع تلك الحقوق‏.‏ ولعظم هذه الجريمة لا يري جمهور الفقهاء أنه تقوم له كفارة‏,‏ وإن رأي الشافعية أن الكفارة واجبة فيها‏,‏ وذلك لاعتبارها كبيرة من كبائر الإثم ثم يقول رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ الكبائر‏:‏ الإشراك بالله‏,‏ وعقوق الوالدين‏,‏ وقتل النفس‏,‏ ويمين الغموس‏(‏ البخاري‏).‏
‏(5)‏ أن من حلف علي يمين ثم رأي غيرها خيرا منها كفر عن يمينه وفعل الذي هو خير‏,‏ حتي لا يكون اليمين سببا في حجب الخير أو البر أو الإصلاح بين الناس‏.‏
وكفارة اليمين وضحتها الآية رقم‏(89)‏ من سورة المائدة وفيها يقول الحق‏-‏ تبارك وتعالي‏-(‏ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون‏)‏ ومن هنا تتضح ومضة الإعجاز التشريعي في الأمر بالتقليل من القسم باسم الله إجلالا لذاته العلية وخوفا من سوء استخدام ذلك اليمين بقصد أو بغير قصد مما قد يوقع المسلم في حرج شرعي كبير فالحمد لله علي نعمة الإسلام الذي أكرمنا ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ به وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ودعي بدعوته إلي يوم الدين‏.‏



_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   السبت 18 ديسمبر 2010 - 7:55



من أسرار القرآن
بقلم: د. زغلول النجار
(‏ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين‏)‏ (البقرة ‏373‏‏)


هذه الآية الكريمة جاءت في أواخر النصف الأول من سورة الأنفال‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها خمس وسبعون‏(75)‏ بعد البسملة‏,‏

وقد سميت بهذ الاسم‏(‏ الأنفال‏)‏ جمع‏(‏ نفل‏)‏ بالفتح وهو الزيادة أو الأمر الثانوي‏,‏ إشارة إلي الغنائم التي غنمها المسلمون أثناء معركة بدر الكبري‏.‏ وقد سميت غنائم الحرب بالأنفال احتقارا لشأنها مقارنة بالأهداف الرئيسة للجهاد في سبيل الله ومنها رد الظالم‏,‏ وحماية الدين‏,‏ والعرض‏,‏ والأرض‏,‏ وطلب الشهادة في سبيل الله‏,‏ وهي قضايا تهون أمامها أية مكاسب مادية مثل الغنائم‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة الأنفال حول عدد من التشريعات الإلهية للقتال في الإسلام‏,‏ انطلاقا مما جري في غزوة بدر الكبري‏.‏ هذا وقد سبق لنا استعراض هذه السورة الكريمة‏,‏ وما جاء فيها من التشريعات وركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ ونستعرض هنا لمحة الإعجاز الإنبائي في الآية الكريمة رقم‏(30)‏ من سورة الأنفال والتي اتخذناها عنوانا لهذا المقال‏.‏

من أوجه الإعجاز الإنبائي في الآية الكريمة

يقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ في سورة الأنفال مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏ : (‏ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين‏)(‏ الأنفال‏:30).‏
وسورة الأنفال مدنية بمعني أن هذه الآية الكريمة أنزلت بالمدينة أي بعد حادثة الهجرة بقرابة السنتين لتستعرض الفارق الكبير بين وضع المسلمين في مكة قبل الهجرة‏,‏ وموقفهم في المدينة المنورة بعد الهجرة‏.‏ فقد كان وضعهم في مكة قبل الهجرة وضع المستضعف المضطهد من قبل مشركي مكة‏,‏ وأصبح وضعهم في المدينة موضع القوة والعزة والمنعة بعد انتشار الإسلام بين أهل المدينة وتعهدهم بأن يمنعوا رسول الله مما يمنعون منه أنفسهم‏,‏ وتحقق هذا التحول في حياة المسلمين بعد انتصارهم في معركة بدر الكبري‏.‏

والآية الكريمة التي نحن بصددها تصور هذه النقلة الهائلة التي تمت بتوفيق الله ورعايته‏,‏ وبحسن التدبير والتخطيط من رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ وبقوة إيمان أصحابه بنبوته ورسالته‏,‏ وشدة حبهم له‏,‏ وتفانيهم في الوفاء له ولدعوته‏.‏ وهنا تأتي هذه الآية الكريمة لتصور موقف مشركي مكة وهم يبيتون لرسول الله‏-‏ صلي عليه وسلم‏-‏ ويتآمرون عليه لمنعه من اللحاق بالمسلمين في المدينة حتي يمنعونه من تكوين قاعدة إسلامية يمكن أن تحاربهم وأن تنتصر عليهم‏.‏

وفي التعليق علي هذه الآية الكريمة‏(‏ رقم‏30‏ من سورة الأنفال‏)‏ يذكر الشهيد سيد قطب‏:‏ ما نصه‏:‏ إنه التذكير بما كان في مكة‏,‏ قبل تغير الحال وتبدل الموقف‏,‏ وإنه ليوحي بالثقة واليقين في المستقبل‏,‏ كما ينبه إلي تدبير قدر الله وحكمته فيما يقضي به ويأمر‏...,‏ ولقد كان المسلمون الذين يخاطبون بهذا القرآن أول مرة‏,‏ يعرفون الحالين معرفة الذي عاش ورأي وذاق‏.‏ وكان يكفي أن يذكروا بهذا الماضي القريب‏,‏ وما كان فيه من خوف وقلق‏,‏ في مواجهة الحاضر الواقع وما فيه من أمن وطمانينة‏....‏ وما كان من تدبير المشركين ومكرهم برسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ في مواجهة ما صار إليه من غلبة عليهم‏,‏ لا مجرد النجاة منهم‏!‏ لقد كانوا يمكرون ليوثقوا رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ ويحبسوه حتي يموت‏;‏ أو ليقتلوه ويتخلصوا منه‏;‏ أو ليخرجوه من مكة منفيا مطرودا‏...‏ ولقد ائتمروا بهذا كله ثم اختاروا قتله‏;‏ علي أن يتولي ذلك المنكر فتية من القبائل جميعا‏;‏ ليتفرق دمه في القبائل‏;‏ ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب كلها‏,‏ فيرضوا بالدية‏,‏ وينتهي الأمر‏!‏

وتروي لنا كتب التاريخ الإسلامي أنه بعد بيعتي العقبة الأولي والثانية انتشر الإسلام في يثرب حتي لم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وقد دخله دين الله‏,‏ فأمر رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ مسلمي مكة بالهجرة إليها‏,‏ ورأي مشركوا قريش في ذلك خطرا جسيما عليهم لتركز المسلمين فيها واتخاذهم من الذين أسلموا من أهل يثرب منعة ومن أرضها حصنا‏,‏ فحذروا من خروج رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ إليهم لأنه لو وصل إلي تلك المدينة لجمع المسلمين لمحاربة أهل الكفر والشرك والضلال في شبه الجزيرة العربية‏,‏ وكان علي رأسهم وفي مقدمتهم قريش‏,‏ فتنادوا إلي اجتماع في دار الندوة‏(‏ وهي دار قصي بن كلاب التي كان مشركو قريش لا يقضون أمرا إلا فيها‏)‏ من أجل التشاور في أمر رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ في محاولة لمنعه من الوصول إلي يثرب بأي ثمن‏.‏

وبعد تداول الأمر‏,‏ تكلم أبو البحتري بن هشام مقترحا حبسه حتي الموت‏,‏ فرفض اقتراحه خشية أن يعيرهم العرب بذلك‏,‏ فاقترح الأسود بن عمرو نفي رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ ألي خارج مكة‏,‏ فردوا عليه اقتراحه قائلين‏:‏ ليس هذا برأي‏,‏ ألم تروا حسن حديثة‏,‏ وقوة منطقه‏,‏ فإذا حل عند قوم لا يلبث أن يستولي علي نفوسهم‏,‏ ويحل في سويداء قلوبهم ؟‏.‏

بعد ذلك تحدث أبو جهل‏(‏ عمرو بن هشام‏,‏ زعيم بني مخزوم‏)‏ قائلا‏:‏ والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد‏;‏ قالوا وما هو يا أبا الحكم؟ قال‏:‏ أري أن نأخذ من كل قبيلة فتي‏,‏ شابا‏,‏ جليدا‏,‏ نسيبا‏,‏ وسيطا فينا‏,‏ ثم نعطي كل واحد منهم سيفا صارما‏,‏ فيمدوا إليه‏(‏ أي يذهبون حيث محمد‏)‏ فيضربونه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه ونستريح منه‏,‏ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل‏,‏ فلم يقدر بنو عبد مناف علي حرب قومهم جميعا‏,‏ فرضوا منا بالعقل‏(‏ أي بالدية‏)‏ فعقلناه لهم‏.‏ استحسن الحضور رأي أبي جهل‏,‏ وقرروا إخراجه إلي حيز التنفيذ‏.‏ ولذلك قال‏-‏ تعالي‏-: (‏ وإذ يمكر بك الذين كفروا‏...)‏ وفي التعليق علي ذلك ذكر الإمام أحمد عن ابن عباس‏-‏ رضي الله عنهما‏-‏ قال‏:‏ تشاورت قريش ليلة بمكة‏,‏ فقال بعضهم‏:‏ إذا أصبح فاثبتوه بالوثاق‏-‏ يريدون النبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ وقال بعضهم‏:‏ بل اقتلوه‏.‏ وقال بعضهم بل أخرجوه‏.‏ فأطلع الله نبيه علي ذلك‏;‏ فبات علي‏-‏رضي الله عنه‏-‏ علي فراش رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ وخرج النبي حتي لحق بالغار‏.‏ وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي فلما أصبحوا ثاروا إليه‏,‏ فلما رأوه عليا رد الله‏-‏ تعالي‏-‏ عليهم مكرهم‏,‏ فقالوا‏:‏ أين صاحبك هذا؟ قال‏:‏ لا أدري‏!‏ فاقتصوا أثره‏,‏ فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم‏,‏ فصعدوا في الجبل‏,‏ ومروا بالغار‏,‏ فرأوا علي بابه نسج العنكبوت‏,‏ فقالوا‏:‏ لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت علي بابه‏...‏ فمكث فيه ثلاث ليال‏.‏

وفي ذلك يروي ابن إسحق قائلا‏:‏ فأتي جبريل‏-‏عليه السلام‏-‏ رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ فقال‏;‏ لا تبت هذه الليلة علي فراشك الذي كنت تبيت عليه‏.‏ قال‏:‏ فلما كانت عتمة اجتمعوا علي بابه يرصدونه متي ينام فيثبون عليه‏,‏ فلما رأي رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب‏:‏ نم علي فراشي‏,‏ وتسج ببردي هذا الأخضر‏,‏ فنم فيه‏,‏ فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه منهم‏,‏ وكان رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ ينام في برده ذلك إذا نام‏.‏

وأضاف ابن اسحق قائلا‏:‏ وخرج عليهم رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ فأخذ حفنة من تراب في يده‏,‏ وأخذ الله‏-‏ تعالي‏-‏ علي أبصارهم عنه حتي لا يرونه‏,‏ فجعل ينثر التراب علي رؤوسهم وهو يتلو قوله‏-‏ تعالي‏- (‏ يس‏,‏ والقرآن الحكيم‏,‏ إنك لمن المرسلين‏,‏ علي صراط مستقيم‏,‏ تنزيل العزيز الرحيم‏,‏ لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون‏,‏ لقد حق القول علي أكثرهم فهم لا يؤمنون‏,‏ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلي الأذقان فهم مقمحون‏,‏ وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون‏)(‏ يس‏:1-9),‏ حتي فرغ رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ من هؤلاء الآيات‏,‏ ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع علي رأسه ترابا ثم انصرف إلي حيث أراد أن يذهب‏.‏ فأتاهم آت ممن لم يكن معهم‏,‏ فقال‏:‏ ما تنتظرون ههنا ؟ قالوا‏:‏ محمدا‏;‏ قال خيبكم الله‏!‏ قد والله خرج عليكم محمد‏,‏ ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع علي رأسه ترابا‏,‏ وانطلق لحاجته‏,‏ أفما ترون ما بكم؟ قال‏:‏ فوضع كل رجل منهم يده علي رأسه فإذا عليه تراب‏,‏ ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا علي الفراش متسجيا ببرد رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ فيقولون‏:‏ والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده‏.‏ فلم يبرحوا ذلك حتي أصبحوا‏,‏ فقام علي‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ عن الفراش‏,‏ فقالوا‏:‏ والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا‏.‏

وفي ختام هذه الآية الكريمة‏(‏ رقم‏30‏ من سورة الأنفال‏)‏ يقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-: (‏ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين‏)‏ وفي ذلك تجسيد لمكر مشركي قريش وتآمرهم علي رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ ليثبتوه بالوثاق أو بالإثخان بالجراح حتي يقعدوه تماما عن الحركة وهو كناية عن السجن إلي الموت‏,‏ أو يقتلوه بأيدي ممثلين لجميع القبائل حتي يتفرق دمه بينهم فتقبل عشيرته الدين‏,‏ ويرتاح المشركون من أمره‏,‏ أو يقومون بنفيه إلي خارج مكة حتي يرتاحوا من المصادمة مع دعوته‏.‏ والآيات تخاطب رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ مشيرة إلي فضل الله‏-‏ تعالي‏-‏ عليه في هذه المحنة قائلة له‏:‏ إنهم يدبرون لك هذا التدبير السيئ والله من ورائهم محيط يدبر لك السلامة من بين أيديهم‏,‏ ويمكر بهم‏,‏ ويبطل كيدهم‏,‏ ويفشل مخططاتهم وهم لا يشعرون‏.‏ وشتان بين تدبير الخالق وتدبير المخلوقين‏,‏ فتدبير الله‏-‏ تعالي‏-‏ هو الأعز والأعلي والأغلب في كل حال والله قادر علي أن يرد كيد المشركين إلي نحورهم‏,‏ وأن يحبط مكرهم‏,‏ ويفشل كل خططهم‏,‏ وفي المقابل يحفظك يا محمد من شرورهم وكيدهم ومخططاتهم‏,‏ وأن ينجيك من كل ذلك ويعاقب مشركي قريش علي وقوفهم في وجه دعوة الله بتكبر وتجبر واستعلاء كاذب وظلم بين‏,‏ ويكتب لك يا محمد النصر عليهم والتمكين في الأرض حتي تقيم دولة الإسلام التي تحمل أمانة التبليغ بدين الله إلي أهل الأرض أجمعين‏.‏

وهذه الآية الكريمة تذكر المسلمين في كل وقت بفضل هجرة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ من مكة إلي المدينة وهي تمثل ثاني أهم حدث في تاريخ الإنسانية‏,‏ بعد بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ تلك البعثة التي أعاد الله‏-‏ تعالي‏-‏ بها نور الهداية الربانية إلي أهل الأرض من جديد بعد أن كانوا قد فقدوها تماما‏,‏ وغرق البشرية في بحار من المعتقدات الفاسدة‏,‏ ومن كثرة صور الشك والشرك والفساد والضياع‏,‏ وغمر الأرض ببحار من الدماء والأشلاء والخراب والدمار‏,‏ وبالمظالم المستترة والمعلنة‏,‏ والتحلل الكامل من جميع ضوابط السلوك‏.‏

والآية الكريمة تمثل وجها من أوجه الإعجاز الإنبائي في كتاب الله حيث قام جبريل‏-‏ عليه السلام‏-‏ بإخبار رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بكل ما تداوله صناديد قريش في دار الندوة‏,‏ وبالموعد الذي ضربوه لحصار بيته من أجل قتله‏,‏ وبأمر الله‏-‏ تعالي‏-‏ له بالهجرة في تلك الليلة وإلا كيف كان ممكنا له النجاة من هذه المؤامرة الخسيسة‏.‏
والدروس المستفادة من هجرة رسول الله هي أكثر من أن تحصي أو أن تعد‏,‏ ولكن يكفي أن نشير إلي أنه كان منها ما يلي‏:‏

‏(1)‏ تأكيد حتمية الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل‏,‏ وأن الحق لا ينتصر لمجرد كونه حقا بل يحتاج إلي المؤمنين به الذين يجاهدون في سبيله‏,‏ ويبذلون الغالي والرخيص من أجل الانتصار له‏,‏ والدفاع عنه‏,‏ وإعلاء كلمته في الأرض‏.‏
‏(2))‏ ضرورة إحكام التخطيط في كل أمر‏,‏ والأخذ بالأسباب بعد جميل التوكل علي الله‏-‏ تعالي‏-‏ والثقة في تأييده ونصره‏.‏
‏(3)‏ اليقين في معية الله‏-‏ تعالي‏-‏ ورعايته لعباده المؤمنين به‏,‏ والمتوكلين حق التوكل عليه‏,‏ بعد الأخذ بالأسباب كلها‏,‏ ثم الرضي بقضاء الله وقدره‏.‏
‏(4)‏ ضرورة الوفاء بالأمانات وبالعهود والمواثيق تحت جميع الظروف‏,‏ مع المؤمن والكافر علي حد سواء‏.‏
‏(5)‏ تأكيد إمكانية استخدام التورية الصادقة في أوقات الأزمات‏.‏
‏(6)‏ ضرورة الإيمان بوقوع المعجزات للأنبياء والمرسلين ووقوع الكرامات لعباد الله الصالحين‏.‏
‏(7)‏ اليقين بنصر الله رغم ما قد يلقاه المسلم من الابتلاءات والشدائد لأنها هي الطريق إلي النصر‏.‏

وعلي المسلمين في كل احتفال بذكري هجرة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ أن يتذكروا ما تعرض له هذا النبي والرسول الخاتم‏,‏ وأصحابه الكرام من ابتلاءات وشدائد من اجل نشر دين الله في الأرض‏,‏ وإقامة دولته في المدينة المنورة‏,‏ وتربية جيل من المسلمين الصادقين تحت ظل هذه الدولة الناشئة‏,‏ والانطلاق منها إلي اجتثاث جذور الكفر والشرك والضلال من كل جزيرة العرب‏,‏ ثم التحرك المدروس بعد ذلك لفتح نصف المعمورة في أقل من قرن من الزمان‏,‏ وحمل الإسلام العظيم ألي ملايين البشر في رقعة امتدت من الصين شرقا ألي بلاد الأندلس غربا بالكلمة الطيبة‏,‏ والحجة البالغة‏,‏ وبمكارم الأخلاق وأفضل السلوكيات‏.‏
وإذا كانت هجرة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ مقيدة بحدود الزمان والمكان‏,‏ فإن مبادئ الهجرة تبقي في زمن الفتن الذي نعيشه تجسيدا لحتمية فرار المسلم إلي الله ورسوله من وسط ضلال الحضارات المادية المعاصرة وذلك انطلاقا من أقوال رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ العديدة والتي نذكر منها ما يلي‏:‏

‏(1)‏ لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية‏(‏ متفق عليه‏).‏
‏(2)....‏ والمهاجر من هو ما نهي الله عنه‏(‏ متفق عليه‏).‏
‏(3)‏ لا تنقطع الهجرة حتي تنقطع التوبة‏,‏ ولا تنقطع التوبة حتي تطلع الشمس من مغربها‏(‏ كل من الإمامين ابو داود والنسائي‏).‏
‏(4)‏ لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو‏(‏ كل من الأئمة أحمد‏,‏ النسائي وابن حبان‏).‏

وإذا وعي مسلمو اليوم الدروس المستفادة من هجرة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ لخرجوا من حالة التمزق والتشرذم التي يعيشونها اليوم والتي أدت بهم إلي التخلف والتراجع والانهزام في كل منحي من مناحي الحياة‏,‏ ولانتقلوا من مرحلة الاستضعاف والإذلال والاستغلال والاضطهاد التي يرزحون تحتها اليوم إلي مرحلة القوة والمنعة والنصر المؤزر بتأييد من الله‏-‏تعالي‏-,‏ وذلك بجمع الكلمة‏,‏ ولم الشمل‏,‏ والتوحد علي دين الله‏,‏ ولو حققوا ذلك لعادوا إلي قيادة العالم من جديد‏,‏ وتمكنوا من إنقاذه من الهاوية التي يتردي فيها اليوم في ظل تقدم علمي وتقني مذهل‏,‏ وانحسار ديني وأخلاقي وسلوكي مدمر‏,‏ وما ذلك علي الله بعزيز‏,‏ وهو تعالي يقول الحق ويهدي إلي سواء السبيل‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏,‏ وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته ألي يوم الدين‏.‏


_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
mr/slc500
فريق أول
فريق أول
avatar

عدد الرسائل : 5693
العمر : 39
الموقع : EgyPt OlDeSt schOol in the wOrlD
العمل/الترفيه : عندما تنتفض الامة ستكون البيعة على تراب فلسطين
تاريخ التسجيل : 21/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   السبت 18 ديسمبر 2010 - 15:49

جزاكم الله ك خير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://WwW.islamway.Com
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الجمعة 31 ديسمبر 2010 - 22:37



من أسرار القرآن (‏375‏)
بقلم: د. زغلول النجار
‏(...‏ وإن كنتم مرضي أو علي سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا‏)‏

هذا النص القرآني الكريم جاء في أواخر الربع الأول من سورة‏'‏ النساء‏'‏ وهي سورة مدنية وآياتها مائة وست وسبعون‏(176)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي رابع أطول سور القرآن الكريم بعد كل من سورة البقرة‏.
والأعراف‏,‏ وآل عمران‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لكثرة ما ورد فيها من الاحكام الشرعية التي تتعلق بفقه النساء‏.‏
هذا وقد سبق لنا استعراض هذه السورة المباركة‏,‏ وما جاء فيها من التشريعات‏,‏ وركائز العقيدة‏,‏ والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا علي وجه الإعجاز التشريعي في التيمم كما جاء في النص الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال‏.‏

من أوجه الإعجاز التشريعي في التيمم

جاءت الإشارة القرآنية إلي التيمم مرتان في كتاب الله وذلك في سورتي النساء والمائدة علي النحو التالي‏:‏

‏1-ed]يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكاري حتي تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتي تغتسلوا وإن كنتم مرضي أو علي سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا‏](‏ النساء‏:43).‏
‏2-ed]يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلي المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلي الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضي أو علي سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون‏](‏ المائدة‏:6).‏

ومعني لفظة‏(‏ التيمم‏)‏ في اللغة العربية هو القصد‏,‏ و‏(‏تيمموا‏)‏ أي تقصدوا‏,‏ أو اقصدوا‏,‏ ومعني‏(‏ التيمم‏)‏ في الشرع مسح الوجه واليدين بتراب طهور علي وجه مخصوص‏,‏ وذلك بوضع اليدين علي التراب الطهور‏,‏ أو الحجر المغبر‏,‏ أو نحو ذلك مما يحمل شيئا من غبار التراب‏.‏ والتيمم مشروع عند فقد الماء‏,‏ أو العجز عن استعماله بسبب المرض‏,‏ وقد ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع‏.‏

ومن أدلة مشروعية التيمم من كتاب الله‏-‏ تعالي‏-‏ الآيتان رقم‏(43)‏ من سورة‏'‏ النساء‏',‏ ورقم‏(6)‏ من سورة‏'‏ المائدة‏',‏ وفد سبقت الإشارة إليهما‏.‏

ومن أدلة السنة عدد من أحاديث رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ التي منها ما رواه كل من الإمامين البخاري ومسلم‏,‏ من حديث عمران بن حصين‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ رأي رجلا معتزلا‏,‏ لم يصل مع القوم‏,‏ فقال له‏:'‏ ما يمنعك يا فلان أن تصلي في القوم ؟‏'‏ فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أصابتني جنابة ولا ماء‏,‏ فقال‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:'‏ عليك بالصعيد فإنه يكفيك‏'‏

أما الإجماع فمستمد من إجماع المسلمين علي أن التيمم يقوم مقام الوضوء والغسل‏.‏

ومن الحكمة التشريعية في التيمم أن الله‏-‏ تعالي‏-‏ قد رفع عن المسلمين الحرج والمشقة في جميع ما فرض عليهم من عبادات‏,‏ فمن عجز عن الوضوء أو الغسل لعدم توافر الماء أو بسبب المرض وجب عليه التيمم الذي يقوم به المؤمن امتثالا لأمر الله‏-‏ تعالي‏-‏ وطهارة لقلب المتيمم‏.‏ ويشترط أن يكون التراب الذي يتيمم به طاهرا نظيفا‏,‏ فإن كان ظاهر القذارة والتلوث فإنه لا يسمح بلمسه فضلا عن التيمم به‏.‏

والتيمم واجب في العضوين اللذين يجب غسلهما في الوضوء وهما الوجه واليدان‏,‏ أما الرأس فالواجب فيه المسح في الوضوء‏,‏ وأما الرجلان فتارة يغسلان في الوضوء وتارة أخري يمسح عليهما فوق الخف‏.‏

والتيمم مفروض‏,‏ لكل ما يفترض له الوضوء أو الغسل من الصلاة‏,‏ ومس المصحف‏,‏ وغير ذلك‏,‏ وهو مندوب لصلاة النافلة لأنها مندوبة‏,‏ وإن كانت لا تصح بدون التيمم‏.‏

ويشترط لصحة التيمم ما يشترط لصحة كل من الوضوء والغسل ويزاد علي ذلك دخول الوقت‏,‏ فلا يصح التيمم قبله‏,‏ ومن شروط التيمم كذلك فقد الماء‏(‏ فإما ألا يجده أصلا‏,‏ أو يجده بما لا يكفي للطهارة‏),‏ وعدم وجود حائل علي أحد أعضاء التيمم من الجسم‏.‏

ويقوم كل من المسلم والمسلمة بالتيمم لكل ما يتوقف علي الطهارة بالماء من الصلاة المكتوبة‏,‏ والنوافل‏,‏ وصلاة الجمعة‏,‏ وصلاة العيدين‏,‏ وصلاة الجنازة‏,‏ والطواف حول الكعبة‏,‏ ومس المصحف‏,‏ وغير ذلك من أمور العبادة التي تستوجب الطهارة‏.‏

ومن أركان التيمم النية‏,(‏ وإن رآها بعض الفقهاء شرطا للتيمم وليست ركنا من أركانه‏)‏ والنية تكون بغرض التيمم‏,‏ أو بأن ينوي استباحة الصلاة أو مس المصحف‏,‏ أو استباحة غير ذلك مما يشترط فيه الطهارة ويفضل أن ينوي بنية فرض التيمم‏.‏ ووقت النية عندما يضع يديه علي ما يتيمم به‏,‏ ومن ذلك الصعيد الطهور‏(‏ أي الذي لم تمسه نجاسة‏).‏

ومن أركان التيمم المسح والضربتان علي الصعيد الطاهر والمقصود بالمسح هو مسح جميع الوجه‏,‏ ومسح اليدين‏,‏ ويجب أن ينزع كل ما يستر شيئا من اليدين كالخاتم والإساور‏,‏ فلا يكفي تحريكه في التيمم‏,‏ بخلاف الوضوء‏,‏ وإن أجاز البعض مجرد التحريك‏;‏ ومن أركان التيمم عند بعض الفقهاء الترتيب‏,‏ والموالاة‏,‏ فالضربة الأولي هي استعمال الصعيد‏,‏ ونفض اليدين‏,‏ وتعميم الوجه واليدين ويسن في التيمم عند الحنابلة تأخيره إلي آخر الوقت المختار إن علم أو ظن وجود الماء في الوقت المناسب‏,‏ أو استوي الأمران عنده‏,‏ فإن تيمم أول الوقت وصلي‏,‏ صحت صلاته‏,‏ ولا إعادة عليه‏,‏ حتي لو وصل الماء قبل خروج وقت الصلاة‏.‏

ويندب للتيمم التسمية‏,‏ والسواك‏,‏ والصمت إلا عن ذكر الله‏,‏ واستقبال القبلة‏,‏ وأن يبدأ بعد الضربة الأولي بمسح الوجه‏,‏ وبعد الضربة الثانية بمسح ظاهر يمناه ببطن يسراه‏,‏ وأن يجعل ظاهر أطراف يده اليمني في باطن يده اليسري‏,‏ ثم يفعل ذلك تماما بيده اليسري‏.‏ ومن عجز عن الوضوء أوالتيمم لمرض شديد‏,‏ أو حبس في مكان لا يوجد به ما يصح التيمم عليه فإنه يجب عليه أن يصلي الفرائض فقط في وقتها‏,‏ والغرض من ذلك هو إظهار الخضوع لإوامر الله‏-‏ تعالي‏-‏ في جميع الأحوال‏,‏ وتحت مختلف الظروف‏.‏ ومن الفقهاء من يقول بإعادة هذه الصلاة عند توفر الماء أو الصعيد الطاهر أو الشفاء من المرض‏,‏ ومنهم من يقول بسقوطها عمن لا يتوفر له وضوء أو تيمم‏,‏ وذلك انطلاقا من قول رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:'‏ لا يقبل الله صلاة بغير طهور‏.‏

ويكره في التيمم تكرار المسح فوق المرة الواحدة‏,‏ وتكثير التراب‏,‏ وكثرة الكلام في غير ذكر الله‏,‏ وإطالة المسح إلي ما فوق المرفقين‏,‏ ونواقض الوضوء‏,‏ وإن كانت لا تبطل الغسل‏,‏ فإنها تبطل التيمم الواقع عن الغسل‏,‏ وعليه أن يعيد التيمم‏.‏

من أوجه الإعجاز العلمي في التيمم

يصف ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ الماء النازل من السماء بأنه‏(‏ طهور‏)‏ فيقول‏:rkred]وأنزلنا من السماء ماء طهورا‏](‏ الفرقان‏:48)‏ ويصف رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ التراب بأنه‏(‏ طهور‏)‏ وذلك بقوله الشريف‏'‏ جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا‏',‏ والطهور هو ما يتطهر به أو هو الطاهر المطهر‏.‏ والتراب هو أدق ما ينتج عن تعرية الصخور حتي يصبح قطر حبيباته أصغر من‏256/1‏ مم‏,‏ ولذلك يحتمي العديد من الكائنات الحية الدقيقة في التراب حتي لا تدرك‏.‏ وفي حفنة من التراب يمكن أن يعيش مئات الملايين من الكائنات الدقيقة التي تلعب أدوارا هامة في تنظيف الأرض من البقايا النباتية والحيوانية الميتة‏,‏ أو في تزويد جذور النباتات ببعض المركبات الكيميائية المغذية والمعقمة اللازمة لحياتها وذلك من مثل أكاسيد النيتروجين‏.‏ وبحكم تعدد وتباين الكائنات التي تحيا في التراب أصبح التراب مادة معقمة مهمة في الطبيعة تقوم بالقضاء علي أعداد من الجراثيم التي يعجز عن إزالتها كثير من المضادات الحيوية المعروفة‏,‏ ولذلك توجهت أنظار العلماء إلي استخراج عدد من هذه المضادات من تراب الأرض‏.‏

من هنا نشأت فكرة العلاج بالطين‏(‏ وهو التراب المبتل بالماء‏)‏ خاصة بالطين الناتج عن ثورات البراكين والذي ثبتت قدرته علي إبادة أكثر الجراثيم مقاومة للمضادات الحيوية‏.‏ ففي تجارب متعددة ثبت أن الطين يستطيع القضاء علي مستعمرة من الجراثيم خلال فترة‏24‏ ساعة‏,‏ وأن هذه المستعمرة لها القدرة علي التكاثر إلي‏45‏ مرة ضعف عددها في نفس هذه الفترة الزمنية‏.‏

وقد قامت الطبيبة الفرنسية لينيه برونيه دي كورس بإثبات خصائص شفائية للطين الفرنسي الأخضر‏,‏ واستعملته كمضاد حيوي للعلاج من عدد من الأمراض في كل من كينيا وساحل العاج‏,‏ وقد وصفت منظمة الصحة العالمية النتائج التي حصلت عليها بأنها نتائج رائعة‏.‏

كذلك أثبتت الدكتورة ليندا وليامز أن في الطين مواد معقمة عديدة تكبح نشاط الجراثيم وتقضي عليها‏.‏ و يقول دكتور هايدل أحد علماء الأحياء الدقيقة أنه استطاع إثبات أن التراب مادة مطهرة‏.‏ وفي عددها الصادر في سنة‏2006‏ م أوردت‏'‏ مجلة العالم الجديد‏'‏ بحثا للدكتور يون وانج من مختبرات شركة ميرك أن بعض أنواع التربة في جنوب أفريقيا تحوي بكتيريا منتجة لعدد من المضادات الحيوية النافعة‏.‏

ومن هنا يتضح وجه من أوجه الإعجاز العلمي في التيمم إذا افتقد الماء أو تعذر استخدامه لأسباب صحية‏,‏ وقد كان مفهوم المسلمين عن التيمم أنه عمل رمزي يوحي إيحاء معنويا بالطهارة البدنية مما ينعكس انعكاسا مباشرا علي طهارة كل من القلب والوجدان والشعور‏,‏ ولكن يأتي العلم ليثبت أن التراب الدقيق في الصعيد الطاهر يحوي عددا من المضادات الحيوية التي يمكنها من تطهير كل من الكفين والوجه مما يكون قد علق بها من مسببات الأمراض‏,‏ فيفعل فعل الماء في ذلك‏,‏خاصة وأن الصعيد الطهور يعرف بالتراب الذي له غبار‏,‏ فإن لم يكن له غبار فلا يصح التيمم به‏.‏

ولعل هذه النتائج تذكرنا بحديث رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ الذي قال فيه‏:'‏ طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب‏'(‏ أخرجه الإمام مسلم‏)‏

ومن المعجزات العلمية في هذا الحديث الشريف قوله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:'‏ أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب‏'‏ حتي تقضي المضادات الحيوية الموجودة في التراب علي ما يكون لعاب الكلب قد حمله إلي الإناء من مسببات الأمراض‏,‏ وذلك لأن الكلب من الحيوانات الآكلة للحوم النيئة والمستوية علي حد سواء‏,‏ ولذلك تتجمع في أمعائه أعداد من الديدان الضارة بالإنسان‏.‏ وهذه الديدان تبيض بمعدلات كبيرة‏,‏ ويخرج بيضها مع براز الكلب الذي كثيرا ما ينظف بدنه بلسانه‏,‏ فيعلق به بيض تلك الديدان الذي سرعان ما ينتشر بلعابه فإذا لعق الكلب شيئا من الآنية أوالملابس أوالفراش فإن لعابه يلحق بها شيئا من تلك الديدان وبيوضها‏,‏ ومن تلك الديدان الدودة الشريطية التي لا يقضي عليها ولا علي بيضها مجرد الغسل بالماء والصابون‏,‏ ومن هنا كانت وصية رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بغسل كل ما يلعقه الكلب سبع مرات أولاهن بالتراب لما في التراب من مضادات حيوية هي كفيلة بالقضاء علي تلك الديدان وبيضها‏.‏

وهنا أيضا نري في التيمم صورة من صور التطهر الفعلي من العديد من مسببات الأمراض‏,‏ وليس مجرد التطهر الرمزي المعنوي كما قال الأولون‏,‏ لأن أحدا لم يكن يتصور قبل أواخر القرن العشرين أن في هذه الهباءات الدقيقة من الغبار التي تثار من الصعيد الطيب عند الضرب عليه برفق بالكفين بنية التيمم يمكن أن تحمل من المضادات الحيوية ما يطهر الأجزاء المكشوفة من جسم الإنسان‏.‏

ولذلك فليس المقصود من التيمم أن يعفر الإنسان وجهه ويديه بالتراب‏,‏ ولكن المقصود أن تحمل الكفان المضروب بهما علي الصعيد الطاهر من هباءات هذا التراب ما يعين علي تحقيق قدر من التطهر مما يكون قد علق بالكفين والوجه واليدين من مسببات الأمراض‏,‏ وهذه من أكثر أجزاء جسم الإنسان عرضة لذلك‏.‏ وإن كان الأصل في العبادات أنها لا تعلل‏,‏ وأن تمارس طاعة لله‏-‏ تعالي‏-‏ واقتداء برسوله‏.‏ ولكن إذا فهمت الحكمة من العبادة فإن الإنسان يؤديها بطريقة أفضل‏,‏ ويستمتع بأدائها متعة أكمل‏,‏ ويؤجرعلي إتقان ذلك الأداء أجرا أوفي وأوفر‏,‏ حتي في الحالات الإستثنائية كحالة التيمم في ظروف فقد الماء‏,‏ أو العجز عن استعماله لأسباب مرضية أو أمنية كالخوف من عدو يحول بينه وبين الماء‏,‏ سواء كان هذا العدو إنسانا أو حيوانا مفترسا‏,‏ أو كالخوف من العطش المؤدي إلي شدة الأذي أو المفضي إلي الموت‏,‏ إذا كان ما يحمل من الماء قليلا‏.‏

من هذا الاستعراض يتضح وجه الإعجاز التشريعي والعلمي في التيمم مما يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية كما يشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏,‏ فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏



_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الجمعة 31 ديسمبر 2010 - 22:45



من أسرار القرآن (‏374)‏
إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامي فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدني ألا تعولوا
بقلم: د. زغلول النجار


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل سورة النساء‏,‏ وقد سميت السورة بهذا الاسم لكثرة ما ورد فيها من الأحكام الشرعية المتعلقة بالنساء‏.‏

ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضايا التشريع لكل من المرأة‏,‏ والأسرة‏,‏ والبيت‏,‏ والمجتمع‏,‏ والدولة‏,‏ وقضايا العبادات والجهاد في سبيل الله‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة‏'‏ النساء‏',‏ وما جاء فيها من التشريعات الإسلامية‏,‏ وركائز العقيدة‏,‏ والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا علي وجه الإعجاز التشريعي في رخصة تعدد الزوجات إذا كان هناك من الظروف الشخصية أو العامة‏,‏ والقدرات الخاصة ما يبرر ذلك‏,‏ وإلا فواحدة أو ما ملكت اليمين‏,‏ خشية الوقوع في المظالم‏.‏

الإعجاز التشريعي في رخصة تعدد الزوجات

الزواج من سنن الفطرة التي شرعها الله‏-‏ تعالي إعفافا للإنسان وسكنا للزوجين تسوده المودة والرحمة‏,‏وحفاظا علي استمرار النسل وعمران الأرض‏,‏ ووسيلة للتواصل بين العائلات في المجتمع‏.‏

وقد بلغ من حرص الإسلام علي تطبيق سنة الزواج أن جعله كثير من فقهاء المسلمين واجبا يأثم المتثاقل عنه ما دام قادراعلي القيام بتكاليفه المادية والبدنية وذلك انطلاقا من قول رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-'‏ النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم‏'(‏ سنن ابن ماجه‏),‏ ومن قوله‏-‏ صلوات ربي وسلامه عليه‏-:'‏ من كان منكم ذا طول فليتزوج فإنه أغض للطرف وأحصن للفرج ومن لا فالصوم له وجاء‏'(‏ أخرجه الترمذي‏).‏

وقد أحاط الإسلام الزواج بكل ما يحفظ عليه استقراره واستمراره‏,‏ ويحقق القصد منه في مودة وتراحم كاملين‏,‏ تحقيقا لقوله‏-‏ تعالي‏-:ed]ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون‏](‏ الروم‏:21)‏
والأصل في الزواج هو الإفراد‏,‏ وذلك بدليل أن الله‏-‏ تعالي‏-‏ خلق لأبينا آدم‏-‏ عليه السلام‏-‏ زوجة واحدة‏,‏ وأن نسبة الذكور إلي الإناث في المجتمعات العادية متقاربة جدا‏,‏ ولكن الإسلام العظيم أباح رخصة التعدد إلي أربع زوجات كحد أقصي في الزمن الواحد إذا اقتضته الضرورة‏.‏ واشترط علي الزوج المعدد العدل بين زوجاته والتسوية بينهن في المبيت والسكن والرزق‏.‏ وقد استغلت هذه الرخصة وسيلة للتهجم علي شرع الله‏,‏ علما بأن جميع المجتمعات البشرية من قبل كانت قد أباحت التعدد بلا حدود‏,‏ مما تسبب في كثير من الفوضي والمظالم الاجتماعية‏,‏ وجاء الإسلام ليضبط ذلك الأمر بمبرراته أولا‏,‏ وبالعدل ثانيا‏,‏ وبحد أقصي لا يتجاوز الأربع زوجات في الوقت الواحد‏,‏ والدليل علي ذلك ما يلي‏:‏

‏1)‏ قول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-:rkred] خفتم ألا تقسطوا في اليتامي فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدني ألا تعولوا‏](‏ النساء‏:3).‏
‏2)‏ علي إثر نزول هذه الآية قام رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بأمر كل من كان معه أكثر من أربع نساء أن يمسك منهن أربع ويسرح الباقي وفي ذلك روي البخاري‏-‏ بإسناده‏-‏ أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم‏-‏ وتحته عشر نسوة‏-‏ فقال له النبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-'‏ اختر منهن أربعا‏'.‏
‏3)‏ كذلك روي أبو داود‏-‏ بإسناده‏-‏ أن عميرة الأسدي قال‏:‏ أسلمت وعندي ثمانية نسوة‏,‏ فذكرت ذلك للنبي فقال‏:'‏ اختر منهن أربعا‏'.‏

وعلي ذلك فإن الإسلام جاء ليحدد التعدد بأربع لا ليبيحه بغير حدود كما كان‏,‏ ووضع قيودا منها القدرة علي القيام بأعباء الزوجية والعدل‏,‏ وإلا فواحدة أو ما ملكت اليمين‏,‏ وحينئذ تمتنع الرخصة المعطاة‏.‏

وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أنه سأل خالته أم المؤمنين السيدة عائشة‏-‏ رضي الله عنها وأرضاها‏-‏ عن قوله‏-‏ تعالي‏-:ed]وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامي‏...]‏ فقالت‏:'‏ يا ابن أختي‏!‏ هذه اليتيمة تكون في حجر وليها‏,‏ تشركه في ماله‏,‏ ويعجبه مالها وجمالها‏,‏ فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها‏,‏ فيعطيها مثل ما يعطيها غيره‏,‏ فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن‏,‏ ويبلغوا بهن أعلي سنتهن في الصداق‏,‏ وأمروا أن ينكحوا من النساء سواهن‏'‏ قال عروة‏:‏ قالت خالتي أم المؤمنين السيدة عائشة‏:'‏ وإن الناس استفتوا رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بعد نزول هذه الآية‏,‏ فأنزل الله‏-‏ تعالي‏-:ed]ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلي عليكم في الكتاب في يتامي النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن‏...]‏ قالت أم المؤمنين السيدة عائشة‏:'‏ وقول الله في هذه الآية الأخري‏:...‏ وترغبون أن تنكحوهن‏...‏ رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال‏.‏ فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال‏'.‏

وفي التعليق علي هذا الحديث لأم المؤمنين السيدة عائشة‏-‏ رضي الله عنها‏-‏ ذكر صاحب الظلال‏-‏ رحمه الله رحمة واسعة‏-‏ ما نصه‏:‏ وحديث عائشة‏-‏ رضي الله عنها‏-‏ يصور جانبا من التصورات والتقاليد التي كانت سائدة في الجاهلية‏,‏ ثم بقيت في المجتمع المسلم‏,‏ حتي جاء القرآن ينهي عنها ويمحوها‏,‏ بهذه التوجيهات الرفيعة ويكل الأمر إلي الضمائر‏,‏ وهو يقول‏:ed]وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامي‏...]‏ فهي مسألة تحرج وتقوي وخوف من الله إذا توقع الولي ألا يعدل مع اليتيمة في حجره‏,‏ ونص الآية مطلق لا يحدد موضع العدل‏,‏ فالمطلوب هو العدل في كل صوره وبكل معانيه في هذه الحالة‏.‏

وتعدد الزوجات بجميع التحفظات التي قررهاالإسلام هو رخصة يقدمها شرع الله في عدد من الحالات الخاصة أو العامة دون أدني غلو أو تفريط‏,‏ ومن هذه الحالات ما يلي‏:‏

‏(1)‏ إذا ثبت أن الزوجة عاقر‏,‏ لا يمكن لها أن تحمل وتلد‏,‏ وللزوج رغبة فطرية في النسل‏,‏ فله أن يتزوج مع المحافظة علي زوجته الأولي إذا قبلت بزواجه الثاني‏.‏
‏(2)‏ إذا مرضت الزوجة مرضا مزمنا يطول برؤه أو يستعصي علي العلاج فيصبح الزواج الثاني أفضل من الطلاق‏.‏
‏(3)‏ إذا كان هناك أسباب صحية أونفسية تحول دون التوافق بين الزوجين مع رغبتهما في الإبقاء علي رباط الزوجية‏.‏
‏(4)‏ إذا كان الزوجان متقاربين في السن‏,‏ أو كانت الزوجة أكبر سنا من الزوج‏,‏ فإن هذا الوضع يحدث فارقا في رغبات كل منهما الفطرية‏,‏ وذلك لأن فترة الإخصاب عند المرأة تتوقف في أواخر العقد الخامس بينما مستمر في الرجل إلي أواخر العقد السابع أو تتجاوزه‏.‏
‏(5)‏ في حالات الحروب يزيد عدد الإناث البالغات زيادة ملحوظة علي عدد الذكور البالغين‏,‏ والحل الوحيد الذي يحافظ علي سلامة المجتمع وطهارته من انتشار العلاقات غير المشروعة‏,‏وتوابعها النفسية والأخلاقية والاجتماعية المخيفة‏,‏ هو التعدد‏,‏ والبديل هو فساد المجتمع‏,‏ أو إجبار الإناث البالغات علي مخالفة الفطرة‏,‏ وما يتبعها من متاعب نفسية وصحية مدمرة‏.‏

وفي جميع هذه الحالات يوكل فقهاء الإسلام الأمر بقبول التعدد إلي المرأة‏,‏ فإن قبلته‏-‏ علي أنه أقل الأضرار‏-‏ دون أدني إكراه فبها ونعمت‏,‏ وإن رفضته‏(‏ فتسريح بإحسان‏),‏ وذلك لأن الأمر في موضوع الزواج ـ ابتداء وتعددا ـ موكول إلي المرأة‏,‏ تقبل منه ما تري فيه راحتها النفسية‏,‏ وترفض منه ما لا تري فيه رضاها وقدرتها علي التحمل‏.‏

ومن معجزات القرآن الكريم أن أعلي حد لاختلال نسبة الإناث البالغات إلي الذكور البالغين لم تتعد أبدا نسبة‏(1‏ ـ‏4)‏ وذلك نتيجة للحروب الواسعة النطاق كالحربين العالميتين الأولي والثانية‏,‏ وقد استمرت الأولي لأكثر من أربع سنوات متواصلة‏,‏ وكان ضحاياها من القتلي أكثر من عشرين مليون نفس‏,‏ ويقدر المشوهون بضعف هذا الرقم واستمرت الثانية لست سنوات متتالية وكان قتلاها أكثر من خمسة وخمسين مليونا من الأنفس‏,‏ كان أغلبهم من الشباب المقاتلين والمدنيين‏,‏ ويقدر المشوهون بأضعاف هذا الرقم‏).‏ وحين يأتي القرآن الكريم ليحدد أعلي نسبة لتعدد الزوجات بأربعة‏,‏ يعتبر شهادة صدق علي أن هذا تحديد من رب العالمين الذي لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء‏,‏ وذلك لأن اختلال نسبة الإناث إلي الذكور لم تتجاوز تاريخيا نسبة‏(1‏ ـ‏4),‏ بل دارت في حدودها‏.‏

ولعل انتشار فوضي العلاقات الجنسية في مختلف المجتمعات غير المسلمة‏,‏ وما يسودها من مختلف أمور استباحة الأعراض‏,‏ وزنا المحارم‏,‏ والشذوذ الجنسي‏,‏ والعزوف عن الزواج‏,‏ أو المساكنة بين الجنسين دون أدني رباط‏,‏ والخيانات الزوجية المتبادلة بين الطرفين‏,‏ والمخادنات السرية والعلنية‏,‏ وما يرافق ذلك من الأبناء غير الشرعيين‏,‏ وارتفاع معدلات الطلاق‏,‏ وكثرة العوانس‏,‏ وما يرافق هؤلاء من المآسي الإنسانية والمشاكل النفسية والاجتماعية‏,‏ وضياع الأخلاق‏,‏ وانحطاط المعايير‏,‏ وانقلاب الموازين‏,‏ وانتشار الجرائم‏,‏ ولعل في ذلك‏-‏ وفي ما هو أبشع منه من سلوكيات بشرية تعافها الحيوانات العجماء‏-‏ ما يكفي دليلا قاطعا علي وجه الإعجاز التشريعي في الآية التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال والتي تحض علي الزواج من اليتامي دون استغلال ضعفهن في ساحة اليتم‏,‏ فيطمع في أموالهن أو في جمالهن دون الوفاء بحقوقهن كاملة غير منقوصة‏.‏ فإن تعرض أحد المسلمين لهذه الفتنة فالأولي به أن يتزوج من غير اليتامي بواحدة أو بأكثر من واحدة‏,‏ إلي الحد الأعلي بأربع‏-‏ هذا إذا دعت ظروفه الخاصة أو الظروف العامة لمجتمعه إلي ذلك‏-‏ علي أن يكون قادرا علي تحقيقه وحمل تبعاته‏,‏ وأن يحقق العدل في النفقة‏,‏ والمعاشرة‏,‏ والمباشرة‏,‏ والمعاملة بين أزواجه‏.‏ فهناك حد لا يتجاوزه المسلم هو أربع زوجات‏,‏ وهناك قيد هو إمكان تحقيق العدل‏,‏ وإلا‏rkred]فواحدة أو ما ملكت أيمانكم‏]‏ من الإماء‏.‏

والتشريع الإسلامي هو صياغة ربانية خالصة‏,‏ ولذلك فهو يتوافق مع الفطرة الإنسانية السليمة ولا يعارضها‏,‏ ويلبي كل ضرورياتها واحتياجاتها بكفاءة وعدل وموضوعية‏,‏ مع المحافظة علي كرامة الإنسان وحقوقه‏(‏ ذكرا كان أو أنثي‏)‏ في كل أمر من الأمور وفي كل بيئة من البيئات‏,‏ وفي كل زمان ومكان‏.‏

والزواج من الأمة المملوكة فيه رد لاعتبارها‏,‏ ومحافظة علي كرامتها الإنسانية‏,‏ لأن الزواج هو من مؤهلات التحرير من الرق لها ولنسلها من بعدها‏-‏ حتي ولو لم يعتقها لحظة الزواج‏-‏ فهي منذ اليوم الذي تلد فيه لسيدها تصبح أما لولده‏,‏ وبالتالي يمتنع عليه بيعها‏,‏ وصارت حرة وصار ولده منها كذلك حرا منذ لحظة مولده‏.‏
كذلك عند التسري بها‏,‏ فإنها إذا ولدت أصبحت أم ولده‏,‏ وامتنع بيعها‏,‏ وصارت حرة‏,‏ وصار ولده منه كذلك حرا‏,‏ وهذا ما كان يحدث عادة‏.‏ فالزواج والتسري كلاهما من طرق التحرير العديدة التي شرعها الإسلام للتخلص من نظام العبيد الذي كان منتشرا في مختلف أجزاء الأرض قبل بعثة المصطفي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ وجاء الإسلام بتشريعاته الإنسانية لتحرير العبيد من ربقة الرق‏.‏

والضرورة التي أباحت الاسترقاق في الحرب‏,‏ هي ذاتها التي أباحت التسري بالإماء أولا للمعاملة بالمثل‏,‏ لأن مصير الحرائر العفيفات من المسلمات اللائي كن يقعن في أسر الكفار والمشركين كان شرا من هذا المصير‏!‏ وثانيا للإيمان بأن هؤلاء الأسيرات المسترقات من الكافرات والمشركات لهن مطالب فطرية لابد وأن تلبي ما دام نظام الرق قائما إما بالزواج أو بالتسري لأن هذه المطالب لا يمكن إغفالها في أي نظام إنساني واقعي يراعي فطرة الإنسان‏,‏ وإلا شاعت الفاحشة في المجتمع‏,‏ وهذا ما يأباه الإسلام ويحرمه تحريما قاطعا‏.‏

ونظام الرق كان شائعا في مختلف المجتمعات الإنسانية قبل البعثة المحمدية الشريفة‏,‏ وكان الرقيق من النساء هن السبب الأول في إشاعة حالة من الانحلال الأخلاقي‏,‏ والفوضي الجنسية التي لا ضابط لها ولا رابط حين لم يكن أمامهن سبيل لإشباع حوائجهن الفطرية في دائرة التسري مع السيد أو الزواج منه ألا التفحش والابتذال الذي أفسد كثيرا من المجتمعات الإنسانية التي كان منها مجتمع الجزيرة العربية في زمن الجاهلية‏,‏ وجاء الإسلام لتطهير تلك المجتمعات من أدران الزنا‏,‏ والخنا‏,‏ والفحش‏,‏ والتسيب في السلوك‏,‏ وفي تحريم مختلف العلاقات غير المشروعة بين الجنسين‏.‏

أما الاستكثار من الإماء عن طريق الشراء من النخاسين فليس من الإسلام في شيء‏,‏ وإن وقع فيه بعض المسلمين في القديم‏,‏ وذلك لأن دين الله الذي يعتبر الناس جميعا إخوة وأخوات ينتهي نسبهم إلي أب واحد هو آدم‏-‏ عليه السلام‏-‏ وإلي أم واحدة هي حواء‏-‏ عليها من الله الرضوان‏-‏ لا يمكن أن يسمح باستعباد الأخ لأخيه ولا أخته‏,‏ ولذلك جاء بالحلول المنطقية لتصفية جريمة الاسترقاق التي كانت سائدة في مختلف بقاع الأرض‏.‏ وبهذا الاستعراض يتضح وجه الإعجاز التشريعي في الآية القرآنية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال‏,‏ والله يقول الحق ويهدي إلي سواء السبيل‏.‏


_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الأحد 23 يناير 2011 - 23:58



من أسرار القرآن (376)

بقلم: د. زغلول النجار



(‏ يا أيها المدثر‏,‏ قم فأنذر‏,‏ وربك فكبر‏,‏ وثيابك فطهر‏ ) (‏ المدثر ـ‏1‏ ـ‏4)‏


هذه الآيات الأربع جاءت في مطلع سورة‏'‏ المدثر‏',‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ست وخمسون‏(56)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم الذي كني به الله‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ خاتم أنبيائه ورسله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏- الذي كان قد عاد إلي بيته مرتعدا خائفا مما فاجأه به جبريل‏-‏ عليه السلام‏-‏ من الوحي في أول مرة‏,‏ وهو وحيد في غار حراء‏,‏ فعاد مسرعا إلي بيته‏,‏ وعندما دخله قال لزوجه أم المؤمنين السيدة خديجة‏-‏ عليها رضوان الله‏-'‏ دثروني دثروني‏',‏ فنزلت هذه السورة المباركة التي يدور محورها حول تكليف رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بالنهوض بأعباء الدعوة الإسلامية‏,‏ ومنها تحذير الناس من عذاب الآخرة إن لم يؤمنوا بربهم‏,‏ وإن لم يعبدوه وحده دون سواه‏,‏ وإن لم يعظموه وينزهوه فوق جميع صفات خلقه‏,‏ وفوق كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏ وتأمر الآيات رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بضرورة تطهير ثيابه‏,‏ وبالبعد عن كل ما يوصل إلي غضب الله‏,‏ وبألا يستكثر ما يعطيه للناس من مكرمات‏,‏ وأن يصبر علي تنفيذ أوامر ربه قدر الطاقة‏.‏

ثم تنتقل الآيات بالحديث عن هذا الشقي الكافر المعروف باسم‏'‏ الوليد بن المغيرة‏'‏ الذي هزه سماع القرآن الكريم إلي حد الاعتراف بأنه يعلو ولا يعلي عليه‏,‏ وأنه لا يمكن أن يكون بقول بشر‏,‏ غير أن حبه للزعامة في قومه دفعه إلي إنكار اعترافه هذا بعد فترة وجيزة‏,‏ وإلي الكذب علي كتاب الله بقوله عنه بأنه من السحر الذي تم نقله عن الأولين‏,‏ ولذلك جاءت الآيات في هذه السورة المباركة مهددة له علي نقض حكمه‏,‏ومتوعدة إياه بنار جهنم وعذابها عقابا له علي كذبه وتآمره‏.‏ كذلك هددت الآيات كافرا آخر هو‏(‏ أبو جهل عمرو بن هشام‏)‏ الذي استقل عدد خزنة النار كما ذكره القرآن الكريم‏,‏ ومضي يسخر من ذلك ويهزأ‏,‏ فردت عليه الآيات في هذه السورة المباركة التي أوردت القسم بالقمر‏,‏ وبالليل عند انتهائه‏,‏ وبالصبح عند قدومه‏,‏ وانكشاف ظلمة الليل بنوره‏,‏ علي أن جهنم هي إحدي البلايا الخطيرة‏,‏ وأن لكل من الخلق المكلفين أن يتقدم إليها أو أن يتأخر عنها بعمله‏.‏

وتختتم السورة الكريمة بالتأكيد علي أن كل نفس مرهونة بعملها في الدنيا‏,‏ لا تفك من قيدها حتي تؤدي ما عليها من حقوق‏(‏ إلا أصحاب اليمين‏)‏ من عباد الله المؤمنين الذين أعتقوا رقابهم من نار جهنم بالإيمان بالله والالتزام باتباع أوامره‏,‏ واجتناب نواهيه‏,‏ فيدخلهم ربهم جنات النعيم‏.‏ وتعرض الآيات تساؤلاتهم في حوار حي مع هؤلاء المجرمين من الكفار والمشركين من أهل جهنم‏,‏ والمجرمون يردون عليهم بأنهم لم يكونوا من المصلين‏,‏ ولم يكونوا يطعمون المسكين‏,‏وكانوا يخوضون مع الخائضين‏,‏ وكانوا يكذبون بيوم الدين حتي أتاهم اليقين‏.‏ وتختتم السورة الكريمة بقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏- : (‏ فما لهم عن التذكرة معرضين‏*‏ كأنهم حمر مستنفرة‏*‏ فرت من قسورة‏*‏ بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتي صحفا منشرة‏*‏ كلا بل لا يخافون الآخرة‏*‏ كلا إنه تذكرة‏*‏ من شاء ذكره‏*‏ وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوي وأهل المغفرة‏ )(‏ المدثر‏:49-56).‏

هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة‏'‏ المدثر‏'‏ وما جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ وفروض العبادة‏,‏ والإشارات العلمية‏,‏ ونركز هنا علي وجه الإعجاز التشريعي في الأمر بطهارة الثياب‏,‏ وهو كناية عن طهارة كل من البدن والعقل والقلب‏,‏ وهي طهارة لازمة لكل مؤمن بالله‏.‏


من أوجه الإعجاز التشريعي في الآيات الكريمة

تبدأ سورة‏'‏ المدثر‏'‏ بنداء من الله‏-‏ تعالي‏-‏ إلي خاتم أنبيائه ورسله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ يأمره بإنذار قومه ثم بإنذار الناس جميعا بحتمية الموت بعد هذه الحياة الدنيا‏,‏ ثم البعث‏,‏ والحشر‏,‏ والحساب والجزاء بالخلود إما في الجنة وإما في النار‏,‏ ومن ثم إنذار الناس جميعا من مغبة تضييع فرصة العمل بطاعة الله في الدنيا للحصول علي النجاح فيها‏,‏ وعلي النجاة من أهوال الآخرة بفضل من الله وبرحمته‏.‏

وبعد ذلك توجه الآيات في هذه السورة المباركة خاتم الأنبياء والمرسلين‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ إلي تكبير الله‏-‏ تعالي‏-‏ تكبيرا يؤكد معني الألوهية ومعني التوحيد‏,‏ وهما من ركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ ومن مؤهلات القيام بواجبات الدعوة إلي دين الله‏,‏ لأن الصعوبات التي تواجه الدعاة إلي الله تتطلب استحضار حقيقة أنه لا سلطان في هذا الوجود لغير الله‏,‏ وذلك من معاني تكبير الله‏,‏ الذي جاء الأمر به في هذه السورة المباركة بقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ له ‏: (‏ وربك فكبر‏).‏

ثم توجه الآيات رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بضرورة أن يحرص المؤمن علي الطهارة المادية والمعنوية في آن واحد‏,‏ فتأمره بقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ له‏ : (‏ وثيابك فطهر‏ ) :‏ وطهارة الثياب في اللغة العربية كناية عن الطهارة الكاملة‏:‏ في الثياب والبدن والقلب‏,‏ والأخلاق والمعاملات والسلوك‏,‏ لأن الله‏-‏ تعالي‏-‏ طيب‏,‏ ولا يقبل إلا ما كان طيبا‏,‏ وكل داع إلي دين الله لا بد من أن يحرص علي الطهارة الكاملة إذا أراد النجاح في مهمته‏.‏

و‏(‏الطهارة‏)‏ في اللغة هي‏:‏ النظافة‏,‏والنزاهة عن مختلف أشكال الأقذار والأوساخ‏,‏ سواء كانت حسية‏,‏ أو معنوية‏,‏ وذلك انطلاقا من رواية ابن عباس‏-‏ رضي الله‏-‏ عنهما أن النبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ كان إذا دخل علي مريض قال‏:'‏ لا بأس طهور إن شاء الله‏'‏ و‏(‏الطهور‏)‏ هو المطهر من الذنوب‏,‏ وكأنه‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ يقول بأن المرض مطهر من الذنوب‏,‏ وهي أقذار معنوية‏.‏

ويقابل‏(‏ الطهارة‏)‏ في اللغة تعبير‏(‏ النجاسة‏)‏ ومعناها‏:‏ كل شئ مستقذر‏,‏ حسيا كان أو معنويا‏,‏ فالآثام نجاسة معنوية ومن ذلك قول الله‏-‏ تعالي‏- (‏ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا‏.... ) (‏ التوبة‏:28).‏

ولفظة‏(‏ النجاسة‏)‏ تطلق علي كل مستقذر‏,‏ سواء كان ذلك المستقذر أمرا حسيا‏,‏ كالدم‏,‏ والبول‏,‏ والعذرة‏,‏ ونحوها مما يسمي باسم‏(‏ الخبث‏),‏ أو كان معنويا‏,‏ كالذنوب والخطايا والآثام ويسمي باسم‏(‏ الحدث‏).‏

والوضوء علي الوضوء طهارة تزيل الصغائر من الذنوب‏(‏ وهي أقذار معنوية‏)‏ والوضوء عبادة‏,‏ والغرض من العبادة إنما هو الخضوع بالقلب والجوارح لله‏-‏ عز وجل‏-‏ علي الوجه الذي يرتضيه من عباده‏,‏ لأن الأصل في العبادة أنها طاعة لا تعلل‏,‏ ولها حكمة معقولة‏,‏ وأسرار واضحة‏,‏ عرفها من عرفها‏,‏ وجهلها من جهلها‏.‏
فالله‏-‏تعالي‏-‏ شرع الوضوء لمنافع عديدة‏:‏ منها ما هو حسي من مثل تنظيف الأعضاء الظاهرة المعرضة للأقذار من مثل الفم والأنف والوجه واليدين‏,‏ ومنها ما هو معنوي‏,‏ وهو الخضوع لأوامر الله‏-‏ عز وجل‏-,‏ مما يعين العبد علي الامتثال لنواهي ربه‏.‏

ومن محاسن الشريعة الإسلامية الغسل عقب الجنابة‏,‏ وفوائده الصحية والنفسية أكثر من أن تحصي أو أن تعد‏,‏ وإن كانت العبادات في الإسلام واجبة الأداء خالصة لوجه الله الكريم الذي أمر بأدائها‏,‏ دون أن ينظر المسلم إلي ما يترتب علي أدائها من منافع‏,‏ وإن كانت هي في الحقيقة كلها منافع حسية ومعنوية‏.‏

والطهارة في الإسلام‏-‏ بشقيها المادي والمعنوي‏-‏ تشمل طهارة القلب والعقل‏,‏ كما تشمل طهارة البدن والثياب‏,‏ وطهارة المكان والفراش‏.‏

وتشمل طهارة العقل والقلب حسن الاعتقاد‏,‏ وذلك بصدق الإيمان بالله‏-‏ تعالي‏-‏ ربا واحدا أحدا‏,‏ فردا صمدا‏,‏ بغير شريك ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏,‏ والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر‏,‏ وبالقدر خيره وشره‏,‏ كما تشمل تنزيه الله‏-‏ تعالي‏-‏ عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏ وكل ما يخالف ذلك من معتقد هو ضرب من ضروب النجاسة الفكرية التي تلوث العقل والقلب معا‏,‏ وتنعكس علي كافة التصورات والأخلاق والمعاملات والسلوك‏,‏ كما تنعكس علي سائر البدن والثياب والمكان والفراش‏.‏ وتشمل الطهارة المادية كل ما تستباح به الصلاة من وضوء وغسل وتيمم وإزالة لمختلف أشكال النجاسات‏.‏

وانطلاقا من ذلك فإن الطهارة شرعا هي صفة اعتبارية قدرها الشارع شرطا لصحة الصلاة‏(‏ وما في حكمها من عبادات مثل الطواف‏,‏ ومس المصحف الشريف‏)‏ كما جعلها شرطا لجواز استخدام الآنية‏,‏ ولتناول الأطعمة والأشربة‏.‏ فالشارع‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ اشترط لصحة صلاة المسلم والمسلمة‏:‏ طهارة كل من البدن والثوب‏,‏ والمكان‏;‏ واشترط لحل أكل الطعام أو شرب الشراب أن يكون كل منهما موصوفا بالطهارة المشروعة‏.‏

والأصل في الأشياء الطهارة ما لم تثبت نجاستها بدليل‏,‏ والنجاسة اسم لكل مستقذر‏.‏

والأعيان النجسة كثيرة‏:‏ منها ميتة الحيوان البري‏,‏ إذا كان له دم ذاتي يسيل عند جرحه‏,‏ ومنها الخنزير والكلب‏,‏ ومنها الدم المسفوح بجميع أنواعه‏(‏ إلا دم الشهيد ما دام باقيا علي جسده‏)‏ ومنها القيح‏,‏ والصديد‏,‏ ومنها فضلات الآدمي من بول وعذرة‏(‏ الغائط‏),‏ ومنها مني الآدمي وغيره‏,‏ ومنها المذي والمدي‏,‏ ومنها القئ والقلس‏,‏ ومنها البيض الفاسد‏,‏ ومنها المسكر المائع‏,‏ ومنها رماد النجس المنحرق بالنار ودخانه‏.‏

وإزالة النجاسة عن كل بدن المصلي وثوبه ومكانه واجبة إلا ما عفي عنه‏,‏ دفعا للحرج والمشقة‏.‏ ويزيل النجاسة أمور‏:‏ منها الماء الطهور‏,‏ ومنها استحالة عين النجاسة إلي صلاح كصيرورة الخمر إلي خل‏.‏ ولا يقبل التطهير ما تنجس من المائعات كالزيت‏,‏ والسمن‏,‏ والعسل‏,‏ أما الجامدات فإنها تقبل التطهير إلا ما تشربت أجزاؤه من النجاسة‏.‏

والماء الطهور هو كل ماء نزل من السماء أو نبع من الأرض‏,‏ ولم يتغير طعمه أو لونه أو رائحته بسبب من الأسباب التي تسلبه طهوريته‏,‏ وهو الماء الصالح للاستخدامات الآدمية‏,‏ والذي يستخدم في التطهر لأداء العبادات‏,‏ فيصح الوضوء والاغتسال به‏,‏ واستخدامه لنظافة كل من البدن والثياب‏,‏ ولإزالة النجاسات المحسوسة بواسطته‏.‏

والماء الطهور يحرم استعماله في الوضوء أو الغسل إذا كان مملوكا للغير ولم يأذن صاحبه في استعماله‏,‏ أو أن يكون مسبلا للشرب‏,‏ أو إذا كان يترتب علي استعماله ضرر لمستعمله‏,‏ كأن يكون شديد البرودة أو شديد الحرارة مما يصيبه بالمرض أو يضاعف مرضه إذا كان مريضا‏,‏ أو إذا كان يترتب علي استعماله موت حيوان عطشا بسبب حرمانه من الماء‏.‏ ولكن هذا الوضوء أو الغسل يكون صحيحا تصح الصلاة به‏.‏

هذا‏.,‏ وقد يتغير لون الماء الطهور‏,‏ وطعمه‏,‏ ورائحته في الطبيعة‏,‏ ومع ذلك يبقي ماء طهورا يصح استعماله في الوضوء والغسل وفي غيرهما من العبادات‏,‏ وفي المباح من الاستخدامات‏,‏ ولكن بشرط عدم الضرر‏.‏

وكثيرا ما يضطر أهل البادية إلي استعمال الماء الذي تغير طعمه أو لونه أو رائحته لعدم وجود ماء سواه‏,‏ ومثل هذا الاستعمال مباح في الشريعة الإسلامية إذا ائتمنت مخاطره الصحية‏.‏

ولكن إذا خالط الماء الطهور شئ طاهر كأن يضاف إليه ماء الورد أو ماء الزهر‏,‏ فإن ذلك يسلب طهوريته‏,‏ بحيث لا يصح استعماله بعد ذلك في الوضوء أو الغسل‏,‏ وإن صح استعماله في الشرب والطهي‏,‏ وتنظيف الثياب‏.‏

ومن الماء الطاهر عصارات النبات‏,‏ سواء سالت طبيعيا أو صناعيا‏,‏ وكل من المائين الطهور والطاهر يتنجس إذا خالطته نجاسة إذا كان قليلا‏,‏ أو أدت إلي تغير لونه‏,‏ أو طعمه‏,‏ أو رائحته إذا كان كثيرا‏.‏

والماء الطاهر لا يصح استعماله في الوضوء أو الغسل‏,‏ ولا في التطهر لغيرهما من العبادات‏,‏ كما لا تصح إزالة النجاسة به من علي البدن أو الثوب أو المكان‏.‏

وأما الماء النجس فلا يجوز للمسلم استعماله في أي أمر من أموره‏,‏ لنجاسته‏,‏ ولذا كان استعمال الماء النجس محرما إلا في حالة الضرورة القصوي كأن يتوه المرء في الصحراء وليس لديه ماء يشربه‏,‏ ويكاد يشرف علي الهلاك إن لم يشرب‏,‏ ولا يجد أمامه إلا ماء نجسا‏.‏

والماء في كل من الآبار والبرك وخزانات المياه يتنجس بموت حيوان من الحيوانات البرية ذوات الدم السائل فيه‏,‏ بشرط تغير أي من لون أو طعم أو رائحة الماء‏,‏ فإن لم يتغير شئ من ذلك فإن الماء لا ينجس‏,‏ ولكن يندب في هذه الحالة أن ينزح ماء البركة أو الخزان بالكامل‏,‏ أو أن ينزح من ماء البئر ما تطيب به النفس‏,‏ حتي يطمئن المرء إلي طهارته‏.‏

والأشياء النجسة إما أن تكون مائعة‏,‏ كالماء ونحوه من سائر المائعات‏,‏ وإما أن تكون جامدة كالميتة وإفرازات الأحياء‏.‏ وكل من السوائل والجوامد النجسة يحرم استعمالها‏,‏ والانتفاع بها إلا في حالات الضرورة القصوي‏.‏ أما الأشياء المتنجسة كالدهن‏,‏ والسمن‏,‏ والزيت‏,‏ والخل والعسل فإنه لا يمكن تطهيرها‏,‏ ومن هنا يجب إتلافها إذا تنجست‏,‏ وإن كان من الفقهاء من يري إمكانية الاستفادة بها في غير الاستخدامات الآدمية‏.‏

والطهارة بمعانيها المادية والمعنوية واجبة في جميع العبادات والمعاملات الإسلامية‏,‏ ولذلك جاء الأمر الإلهي إلي رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ في سورة‏'‏ المدثر‏'‏ بقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ له ‏: ( ‏ وثيابك فطهر‏ ) ‏مما يجعل من الطهارة أصلا من أصول الإسلام‏,‏ لا تصح العبادات‏,‏ بل لا تصح الحياة بدونه ولذلك وصفه رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بقوله‏:'‏ الطهور شطر الإيمان‏...'(‏ صحيح مسلم‏),‏ وأكده القرآن الكريم بقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏-‏ فيه‏ : ( ...‏ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين‏ ) (‏ البقرة‏:222).‏

والنطق بهذا الحكم في حديث رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ مما يشهد له بالنبوة وبالرسالة خاصة وأن العرب في زمن الجاهلية لم يكونوا يعرفون شيئا عن الطهارة بشقيها المادي أو المعنوي‏,‏ فقد كانوا يأكلون الميتة والدم والمنخنقة والموقوذة والمتردية وبقايا ما أكلت السباع والطيور الجارحة وما أكل غير ذلك من الهوام‏,‏ ولا يعافونها‏,‏ انطلاقا من ندرة الطعام في صحاريهم‏.‏ كذلك ما كانوا يتطهرون من الحدث أو الخبث لندرة الماء في مجتمعاتهم‏.‏ ولم تكن المجتمعات المحيطة بهم من الفرس والهنود والرومان واليونان بأفضل حالا من عرب الجاهلية في مضمار النظافة والطهارة‏,‏ بل كانوا أسوأ حالا‏,‏ وأشد نجاسة في النواحي المادية والمعنوية‏,‏ ومن هنا فإن دستور الطهارة الإسلامية الذي لخصه القرآن الكريم في الأمر الإلهي‏ ( وثيابك فطهر‏ )‏ يأتي وجها من أوجع الإعجاز التشريعي في كتاب الله‏,‏ يشهد له بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ كما يشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏,‏ فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏



_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الإثنين 24 يناير 2011 - 0:07



من أسرار القران (‏377‏ )

( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار )


بقلم: د. زغلول النجار


هذا النص القرآني الكريم جاء في أواخر الثلث الأول من سورة‏'‏ التوبة‏',‏ وهي سورة مدنية‏,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم إذ يبلغ عدد آياتها مائة وتسعا وعشرين‏(129),‏ وهذا ما يجعلها سادس أطول سور الكتاب العزيز‏.‏

وسورة‏'‏ التوبة‏'‏ من أواخر السور التي أنزلت علي رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ إذ أنزلت في السنة التاسعة من الهجرة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم‏(‏ التوبة‏)‏ لورود هذه الكلمة ومشتقاتها في اثنتي عشرة آية من آياتها‏.‏ كذلك سميت هذه السورة باسم‏(‏ براءة‏)‏ وهي الكلمة التي استهلت بها‏,‏ وسميت بأسماء أخري منها‏: (‏ لفاضحة‏)‏ و‏(‏ المخزية‏)‏ و‏(‏ المتبرة‏)‏ أي المهلكة‏,‏ و‏(‏المنكلة‏),‏ و‏(‏سورة العذاب‏);‏ وذلك لفضحها للمنافقين‏,‏ ولكونها المهلكة لهم‏,‏ والمنكلة بهم‏,‏ والواصفة لعذابهم‏,‏ كذلك سميت باسم‏(‏ المحفزة‏)‏ أو‏(‏ الحافزة‏)‏ لتحفيزها المؤمنين علي الجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء دينه‏.‏

ولم تستفتح سورة‏'‏ التوبة‏'‏ بالبسملة‏,‏ لأن‏(‏ البسملة‏)‏ رحمة من الله‏-‏ تعالي‏-‏ والسورة تبدأ بإعلان من الله‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ ومن خاتم أنبيائه ورسله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بالبراءة من المشركين‏,‏ ورحمة الله لا تلتقي أبدا مع البراءة من ذمة الله وذمة خاتم أنبيائه ورسله‏.‏

ويدور المحور الرئيسي لسورة‏'‏ التوبة‏'‏ حول عدد من التشريعات الإسلامية المتعلقة بالجهاد في سبيل الله‏,‏ وبمصارف الزكاة‏,‏ والحاكمة للعلاقة بين المسلمين وبين كل من المشركين والمنافقين في كل من المجتمعات المسلمة وغير المسلمة‏.‏ كذلك أشارت السورة الكريمة إلي هجرة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ ذلك الحدث الذي غير وجه التاريخ بالكامل‏,‏ لأنه كان العامل الرئيسي غنشاء دولة المسلمين بالمدينة والتي منها انطلق الفتح الإسلامي ليشمل نصف الكرة الأرضية في أقل من قرن من الزمان‏,‏ ويقيم أعظم حضارة في تاريخ الإنسانية لأنها كانت أكمل الحضارات لجمعها بين الدنيا والآخرة في معادلة واحدة‏,‏ كما كانت أطول الحضارات الإنسانية فيما نعلم‏.‏

هذا وقد سبق لنا استعراض سورة‏'‏ التوبة‏'‏ وما جاء فيها من التشريعات والعقائد الإسلامية‏,‏ والإشارات الكونية والإنبائية‏,‏ ونركز هنا علي أوجه الإعجاز التربوي في هجرة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ وصاحبه أبي بكر الصديق‏-(‏ رضي الله عنه وأرضاه‏)‏ وفي الآية الكريمة التي اخترناها عنوانا لهذا المقال‏.‏


من اسباب نزول هذه الآية الكريمة‏:‏

لما رجع رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ من غزوة حنين بالطائف‏,‏ أمر المسلمين بالنفير العام لغزوة تبوك‏,‏ ردا علي تجمع جيوش الروم في أقصي الجنوب من بلاد الشام علي أطراف الجزيرة العربية‏,‏ وردا علي ما كان هرقل ملك الروم قد قرره من دفع رواتب جنده لمدة سنة مقدما تشجيعا لهم علي مقاتلة المسلمين‏,‏ وبعد أن انضم لهم عدد من قبائل العرب في شمال الجزيرة إلي قوات الروم‏,‏ كان منهم قبائل كل من لخم‏,‏ وجذام‏,‏ وعاملة‏,‏ وغسان‏,‏ وتقدمت القوات الرومانية وحلفاؤها إلي أرض البلقاء من بلاد الأردن الحالية‏.‏

ومن أجل مواجهة هذه القوات الغازية وحلفائها استنفر رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ الناس إلي قتال الروم‏.‏ وكان هذا الرسول القائد‏-‏ صلوات ربي وسلامه عليه‏-‏ قلما يخرج إلي غزوة دون التورية بغيرها‏,‏ إلا ما كان من غزوة تبوك‏,‏ فقد صرح بها لبعد الشقة وشدة الحر‏,‏ وكان قد اندس في صفوف المسلمين نفر من المنافقين يحاولون تخذيلهم عن القتال‏,‏ ويخوفونهم من أعداد وعدة الروم وحلفائهم‏,‏ ومن طول الطريق إليهم في قيظ مهلك‏,‏ وندرة للماء والغذاء‏.‏ وأخذ هؤلاء المنافقون يرغبون المسلمين في حياة الأمن والدعة والمال والظلال‏,‏ فنزلت هذه الآية الكريمة مذكرة بخروج رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ من مكة ليلة الهجرة‏,‏ وقد تآمرت قريش لقتله فأطلعه الله ـ سبحانه وتعالي‏-‏ علي ما تآمروا به عليه‏,‏ وأمره بالخروج‏,‏ فخرج وحيدا إلا من صاحبه الصديق‏.‏ فنصره الله عليهم‏,‏ وأخرجه سالما من بين أظهرهم‏,‏ وقوتهم المادية التي تفوق إمكاناته المادية بكثير‏,‏ فكانت الهزيمة والذل والصغار من نصيبهم‏,‏ وكان العز والانتصار لرسول الله وصاحبه‏,‏ علي الرغم من خلو أيديهم من السلاح‏,‏ وذلك كي لا يهيب أصحاب الحق أهل الباطل أبدا مهما بلغت أعدادهم وإمكاناتهم المادية لأنه لا سلطان في هذا الوجود لغير الله‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ ولذلك فمن توكل عليه حق التوكل وجب له نصر الله‏,‏ فأولياء الله لا يذلون أبدا لأن الله العزيز قد تعهد لهم بنصره‏,‏ والله الحكيم يقدر النصر لمن يستحقه‏.‏

من هنا كان علي المسلمين مدارسة الهجرة النبوية الشريفة في كل عام‏,‏ واستخلاص الدروس والعبر من أحداثها‏,‏ ومن أبرزها اليقين في نصر الله لعباده المؤمنين به الموحدين لذاته العلية‏,‏ والمنزهين له عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.


من الإعجاز التربوي في هجرة رسول الله‏-‏صلي الله عليه وسلم‏

كانت هجرة رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ انتقالا بالمسلمين من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد إلي مرحلة القوة والعزة والمنعة‏,‏ وإذا كان مسلمو اليوم قد عادوا إلي مرحلة الاستضعاف والاضطهاد والإيذاء في دورة من دورات الزمن‏,‏ فما أحوجهم إلي إعادة مدارسة حدث الهجرة النبوية‏,‏ وما فيه من الدروس والعبر‏,‏حتي يعاودوا نهضتهم من جديد‏,‏ ويقوموا بدورهم الرائد في قيادة البشرية كما قادها أسلافهم من قبل‏.‏

ففي فجر الجمعة الموافق‏27‏ من شهر صفر سنة‏14‏ من البعثة النبوية الشريفة‏(‏ الموافق‏13‏ من شهر سبتمبر سنة‏622‏ م‏)‏ هاجر رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ وصاحبه أبو بكر الصديق‏_‏ رضي الله عنه‏_‏ من مكة المكرمة إلي المدينة المنورة‏,‏ انصياعا لأمر الله‏_‏ تعالي‏_‏ بعد ثلاث وخمسين سنة قضاها رسول الله في مكة‏,‏ ولم يكن سهلا علي نفسه الشريفة مغادرة مهبط رأسه‏,‏ وأحب البلاد إلي قلبه لولا نزول أمر الله إليه بذلك‏.‏

وكان في هذا الحدث العظيم كم هائل من الدروس التربوية التي يجب علي كل مسلم ومسلمة استرجاعها في كل احتفال بهذه الذكري المباركة حتي تتحقق الفوائد المرجوة من هذا الاحتفال‏.‏ ومن هذه الدروس ما يلي‏:‏


أولا‏:‏ من أبرز الدروس التربوية المستفادة من هجرة رسول الله ضرورة أن يكون المسلم صادق الإيمان بربه‏,‏ متوكلا عليه حق التوكل‏,‏ باذلا من جهده وماله وفكره في سبيل نصرة دين الله أقصي ما يملك‏,‏ ومتحركا من أجل تحقيق ذلك حركة خالصة لوجه الله‏_‏ تعالي‏_‏ مضحيا بالنفس والنفيس‏,‏ واثقا من نصر الله‏,‏ ومبشرا بقرب تحققه إن شاء الله‏.‏

ثانيا‏:‏ مع الإيمان بحقيقة الأخوة الإنسانية لا بد من التسليم بحتمية الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل‏.
إن الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل سنة من سنن الحياة الدنيا‏,‏ وهذا الصراع لا يبدأه أهل الحق‏,‏ بل هو مفروض عليهم‏,‏ وللتدليل علي ذلك نستعرض واقع مكة المكرمة قبل الهجرة مباشرة‏.

فقد رأي كفار ومشركو قريش أن انتشار الإسلام في يثرب‏,‏ وخروج مسلمي مكة إليها‏,‏ واستقرارهم بها بعد أن أقبل أهلها علي الإسلام زرافات ووحدانا‏,‏ حتي لم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه عدد من المسلمين‏.‏ ورأي كفار ومشركو قريش في ذلك المد الإسلامي بيثرب تمهيدا لخروج رسول الله إليها‏,‏ وتحركه بالدعوة إلي دين الله بحرية كاملة بعد أن كانوا قد جاروا عليه وعلي الذين آمنوا بدعوته جورا فاجرا‏,‏ وقد أدركوا أن قوة حجته‏,‏ وروعة بيانه‏,‏ وصدق دعوته وتفاني أصحابه في حبه‏,‏ كل ذلك كان كفيلا بجمع قبائل العرب حوله‏,‏ وأن ذلك يشكل خطرا كبيرا عليهم‏.‏ لذلك دعوا إلي اجتماع في دار الندوة حضره عدد من صناديدهم‏,‏ وبعد تداول الأمر تكلم في هذا الاجتماع‏'‏ أبو البحتري بن هشام‏'‏ فاقترح حبس رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ حتي الموت فرفض اقتراحه خشية أن تعيرهم العرب بذلك‏,‏ واقترح‏'‏ الأسود بن عمرو‏'‏ نفيه إلي خارج مكة‏,‏ فردوا عليه قائلين‏:‏ ليس هذا برأي‏,‏ ألم تروا حسن حديثه‏,‏ وقوة منطقه‏,‏ فإذا حل عند قوم لا يلبث أن يستولي علي نفوسهم‏,‏ ويحل في سويداء قلوبهم؟ بعد ذلك تحدث‏'‏ أبو جهل‏'(‏ عمرو بن هشام زعيم بني مخزوم من قريش‏)‏ قائلا‏:‏ أري أن نأخذ من كل قبيلة فتي‏,‏ شابا‏,‏ جليدا‏,‏ نسيبا‏,‏ وسيطا فينا‏,‏ ثم نعطي كل واحد منهم سيفا صارما‏,‏ ويذهبون حيث محمد‏,‏ فيضربونه بها ضربة رجل واحد‏,‏ فيتفرق دمه في القبائل كلها‏,‏ فلا يستطيع‏'‏ بنو عبد مناف‏'‏ قتال الجميع‏,‏ فرضوا منا بالعقل‏(‏ أي‏:‏ الدية‏)‏ فعقلناه لهم‏,‏ فاستحسن الحضور الرأي‏,‏ وقرروا إخراجه إلي حيز التنفيذ‏.‏ وعلي الفور أوحي الله‏_‏ تعالي‏_‏ إلي خاتم أنبيائه ورسله‏_‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بتفاصيل المؤامرة التي أنزل بشأنها قرآنا يتلي إلي يوم الدين يقول فيه ربنا‏_‏ تبارك وتعالي‏-:‏ ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين‏ )‏ (الأنفال‏:30).‏

وهذا الموقف يمثل صورة من صور الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل‏,‏ وهو صراع بدأ بقتل قابيل لأخيه هابيل‏,‏ واستمر إلي وقتنا الراهن‏,‏ وسوف يبقي حتي قيام الساعة‏.‏ من هنا كان واجبا علي أهل الحق ألا يغفلوا أبدا عن تآمر أهل الباطل عليهم في كل زمان وفي كل مكان وأن يأخذوا حذرهم من ذلك التآمر باستمرار حتي لا يؤخذون علي غرة من أهل الباطل أبدا‏.‏

ثالثا‏:‏ ضرورة إحكام التخطيط لكل أمر‏.

بعد انتشار الإسلام في يثرب إثر بيعتي العقبة الأولي والثانية‏,‏ أمر رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ مسلمي مكة بالهجرة إليها قائلا لهم‏:'‏ إن الله‏_‏ عز وجل‏_‏ جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها‏,‏ فخرجوا إليها‏,‏ وبقي رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بمكة ينتظر الإذن من الله‏-‏ تعالي‏_‏ بالهجرة إلي المدينة وبقي معه كل من أبي بكر وعلي بن أبي طالب وعدد من ضعفاء المسلمين‏.‏

وعندما جاء أمر الله‏_‏ سبحانه وتعالي‏_‏ إلي خاتم أنبيائه ورسله بالهجرة بدأ‏_‏ عليه الصلاة والسلام‏_‏ بالإعداد لذلك‏,‏ آخذا بكل ما لديه من الأسباب‏,‏ فكتم موعدها حتي عن صاحبه الذي أخبره الله‏_‏ تعالي‏_‏ أنه سوف يرافقه في هجرته‏,‏ إلا أن الرسول‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ أمر أبا بكر بإعداد الدليل الماهر بالطريق‏,‏ وترتيب أمور تموين الرحلة‏,‏ فابتاع أبو بكر راحلتين‏,‏ وأخذ يهيئهما للرحلة الطويلة‏.‏ كذلك كان رسول الله‏-‏صلي الله عليه وسلم‏-‏ قد عهد إلي ابن عمه علي بن أبي طالب أن يبيت في فراشه‏,‏ حتي يرد ما كان عند رسول الله من أمانات لكفار ومشركي قريش‏,‏ وهو درس في أداء الأمانة لمن ائتمنك حتي ولو كان كافرا أو مشركا‏,‏ يجب أن يتعلمه كل مسلم ومسلمة‏.‏

وفي ساعة القيلولة من اليوم السابق علي الهجرة خرج رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ لإخبار أبي بكر بالإذن الإلهي بالهجرة‏,‏ وتروي أم المؤمنين السيدة عائشة‏_‏ رضي الله عنها‏_‏ في حديثها عن تلك الزيارة المفاجئة قائلة‏:'‏ كان رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ لا يخطئ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار‏,‏ إما بكرة وإما عشية‏,‏ حتي إذا كان ذلك اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله‏-‏ صلوات ربي وسلامه عليه‏-‏ بالهجرة والخروج من مكة من بين ظهراني قومه‏,‏ أتانا رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها‏,‏ فلما رآه أبو بكر قال‏:‏ ما جاء رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ هذه الساعة إلا لأمر حدث‏.‏ فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره‏,‏ فجلس رسول الله‏_‏ صلوات ربي وسلامه عليه‏_‏ وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء‏,‏ فقال رسول الله‏-‏صلي الله عليه وسلم‏-: (‏ أخرج عني من عندك‏)‏ فقال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إنما هما ابنتاي‏,‏ وما ذاك فداك أبي وأمي؟ فقال رسول الله ‏: ( إن الله قد أذن لي بالخروج والهجرة‏)‏ فقال أبو بكر‏'‏ الصحبة يا رسول الله‏,‏ قال‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-: (‏ الصحبة‏).‏ وتضيف أم المؤمنين قولها‏:‏ فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من شدة الفرح حتي رأيت أبا بكر يبكي يومئذ‏..'.‏

وعلي الفور اتصل أبو بكر بالدليل الذي كان قد اتفق معه ليصحبهما في الرحلة إلي المدينة‏,‏ وأمر ابنه عبد الله أن يعد نفسه لجمع أخبار أهل مكة ونقلها إليهما‏,‏ وأمر خادمه عامر بن فهيرة أن يستعد لرعي الغنم ليعفو علي آثارهما إذا تحركا‏,‏ وكان قد درب ابنته أسماء‏_‏ رضي الله عنها‏_‏ علي حمل الطعام والشراب وعلي تسلق الجبال لإيصاله إليهما حيثما يكونا‏.‏ وكان هذا الإعداد درسا في حسن التخطيط يجب أن يحتذي به المسلمون في كل أمر من أمورهم‏.‏

هذا وسوف نواصل استعراض بقية الدروس التربوية المستقاة من الهجرة النبوة الشريفة في المقالات القادمة إن شاءالله‏.‏



_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الإثنين 24 يناير 2011 - 0:14



من أسرار القران (‏377‏ ب)


(( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلي وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم )) ‏(‏سورة التوبة‏:40)‏


بقلم: د. زغلول النجار


في المقال السابق استعرضنا عددا من الدروس التربوية الهامة المستقاة من هجرة الرسول‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ وصاحبه أبي بكر الصديق‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ من مكة المكرمة إلي يثرب‏;‏ وذكرنا أن هذا الحدث الذي غير مجري التاريخ بانتقال المسلمين من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد والإيذاء التي عاشوها في مكة إلي مرحلة العزة والقوة والمنعة والتمكين في الأرض التي بدأوها في المدينة‏.‏

وعرضنا من الدروس المستفادة ما يلي‏:‏

أولا‏:‏ ضرورة الإيمان الصادق بالله‏-‏ تعالي‏,‏ وهذا الإيمان يربي أبناء وبنات المسلمين علي حتمية التوكل علي الله‏-‏ تعالي‏-‏ حق التوكل‏,‏ وعلي بذل الجهد والمال والفكر من أجل نصرة دين الله في الأرض‏,‏ وضرورة التحرك المخلص لذلك‏,‏ مع الاستعداد للتضحية بالنفس والنفيس من أجل تحقيق ذلك النصر‏,‏ والوثوق التام بأن النصر من الله‏-‏ تعالي‏-‏ والاستبشار والفرح بقرب تحققه ـ إن شاء الله‏.‏

ثانيا‏:‏ مع الإيمان بحقيقة الأخوة الإنسانية‏,‏ لابد من التسليم بحتمية الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل‏,‏ وكان واقع المسلمين في مكة خير شاهد علي ذلك‏,‏ كما أن واقع المسلمين اليوم وهم يتعرضون لمؤامرات أعوان الشيطان من كل حدب وصوب لا يكاد يختلف كثيرا عن واقع الذين آمنوا مع رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ من أهل مكة وتعرضوا لاضطهاد كفار قريش‏.‏

ثالثا‏:‏ ضرورة إحكام التخطيط لكل أمر من أمور المسلمين وقد فقدوا مرجعيتهم الدينية الموحدة في هذه الأيام‏-,‏ ولقد كان في تخطيط رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ لرحلة الهجرة درسا لكل مسلم ومسلمة لا يجوز أن ينسي خاصة في أيام المحن الشديدة التي يتعرض لها مسلمو اليوم‏.‏


وفي مقال اليوم نواصل استعراضنا لعدد آخر من الدروس المستفادة من هذا الحدث الهام وذلك في النقاط التالية‏:‏

أولا‏:‏ ضرورة اليقين في رعاية الله ـ تعالي ـ لعباده المؤمنين‏:‏


في العتمة من ليلة الهجرة النبوية الشريفة‏,‏ طوق بيت النبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ أحد عشر شاباي من كفار قريش المتوشحين بالسيوف‏,‏ وأخذوا يرصدون كل حركة فيه‏.‏ وعند منتصف الليل قام النبي‏-‏ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ليخلفه علي بن أبي طالب‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ في فراشه‏,‏ وخرج رسول الله من بين المطوقين للبيت دون أن يشعروا به‏,‏ لأن الله ـ تعالي ـ كان قد أغشي أبصارهم بالكامل فلم يروه‏,‏ وأخذ رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ حفنة من تراب في يده الشريفة‏,‏ وجعل ينثر ذلك التراب علي رؤوسهم وهو يتلو قوله‏-‏ تعالي ‏: (‏ يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين علي صراطي مستقيمي تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوماي ما أنذر آباؤهم فهم غافلون لقد حق القول علي أكثرهم فهم لايؤمنون إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاي فهي إلي الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سداي ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواءي عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون‏ ) ‏ حتي فرغ من هذه الآيات‏,‏ ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع علي رأسه ترابا‏,‏ ثم انصرف إلي حيث أراد أن يذهب‏,‏ فأتاهم آت ممن لم يكن معهم‏,‏ فقال‏:‏ ما تنتظرون ههنا؟ قالوا‏:‏ محمدا‏;‏ قال‏:‏ خيبكم الله‏!‏ قد والله خرج عليكم محمد‏,‏ ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع علي رأسه ترابا‏,‏ وانطلق لحاجته‏,‏ أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل منهم يده علي رأسه فإذا عليه تراب‏,‏ ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا علي الفراش متسجيا ببرد رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ فيقولون‏:‏ والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده‏,‏ فلم يبرحوا كذلك حتي أصبحوا فقام علي‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ عن الفراش‏,‏ فقالوا‏:‏ والله لقد صدقنا الذي حدثنا‏(‏ سيرة ابن هشام‏)‏ ثم تحرك رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ للقاء أبي بكر كي ينطلقا في رحلة الهجرة‏,‏ عامدين إلي غار ثور‏.‏

ثانيا‏:‏ التأكيد علي أن حب مكة المكرمة‏(‏ بصفة خاصة‏)‏ وحب الوطن‏(‏ بصفة عامة‏)‏ من صميم الإيمان بالله‏-‏ تعالي‏:‏


خرج المهاجران الكريمان من خوخة في ظهر بيت أبي بكر‏,‏ قاصدين جبل ثور إلي الجنوب من مكة‏,‏ ولكن قبل البدء في مسيرة الهجرة وقف رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ علي رابية صغيرة في أحد أسواق مكة‏,‏ واتجه ببصره إلي الكعبة المشرفة يودع أحب بقاع الأرض إلي الله ـ تعالي ـ وإليه قائلا‏:‏ والله إني لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلي‏,‏ وأنك أحب أرض الله إلي الله ـ عز وجل ـ وأكرمها عليه‏,‏ وإنك خير بقعة علي وجه الأرض‏,‏ ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت‏.‏ وهذا درس في حب مكة المكرمة‏(‏ بصفة خاصة‏)‏ وفي حب الأوطان‏(‏ بصفة عامة‏)‏ يجب أن يتأسي به كل مسلم‏.‏

ثالثا‏:‏ ضرورة حب رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ وحب صحابته الكرام‏:‏


سار رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ ومعه أبو بكر مسافة عشرة كيلو مترات علي الأقدام متجهين جنوباي قاصدين غار ثور‏,‏ وقد حمل أبو بكر معه كل ثروته‏,‏ ولم يترك لأبنائه منها شيئاي‏,‏ وسار وهو خائف علي رسول الله من أن تلمحه عين من أعين كفار ومشركي قريش‏,‏ فتارة يمشي أمامه وتارة يأتي خلفه‏,‏ وثالثة عن يمينه‏,‏ ورابعة عن يساره‏,‏ فسأله رسول االله عن ذلك فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أذكر الرصد فأكون أمامك‏,‏ وأذكر الطلب فأكون خلفك‏,‏ ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك‏,‏ لا آمن عليك‏.‏

وبعد صعود جبل ثور‏,‏ وهو جبل شامخ الارتفاع‏,‏ صعب المرتقي‏,‏ كثير الأحجار الصلدة‏,‏ الناتئة‏,‏ وصل النبي وصاحبه إلي فم الغار‏,‏ وهم‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏بدخوله‏,‏ فسبقه أبو بكر قائلا‏:‏ لا تدخل يا رسول الله حتي أدخله قبلك‏,‏ فإن كان فيه شيء أصابني دونك‏.‏ دخل أبو بكر إلي جوف الغار‏,‏ ودار علي جوانبه يتفحصها‏,‏ فوجد فيها جحوراي كثيرة‏,‏ فشق ثوبه‏,‏ ومزقه قطعا دار بها علي جوانب الغار يسد جحورها بخرق الثوب حتي نفدت‏,‏ وبقي جحران متقاربان لم يجد لديه ما يسدهما به‏,‏ فاستلقي علي أرض الغار مواجها هذين الجحرين وعمد إلي سدهما بقدميه خشية أن يكون فيهما شيء من الهوام‏,‏ ثم نادي علي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فدخل‏,‏ ووضع رأسه الشريفة علي إحدي فخذي أبي بكر ونام من شدة الإجهاد‏.‏

بعد فترة من الزمن فوجئ أبو بكر بحية تلدغه من أحد الجحرين اللذين سدهما بقدميه‏,‏ فتحمل الألم ولم يحرك قدمه حتي لا تخرج الحية فتؤذي رسول الله‏,‏ ولكن الألم زاد عليه فبدأ يبكي بكاء مكتوما من شدة الألم‏,‏ وسقط شيء من دموعه علي وجه رسول الله فتنبه مستيقظا سائلا‏:‏ ما لك يا أبا بكر؟ فقال‏:‏ لدغت يا رسول الله فداك أبي وأمي‏,‏ فعالج رسول الله مكان اللدغة فشفيت‏.‏

ولما جاء وقت الفجر‏,‏ ووصل نور النهار إلي قلب الغار لاحظ رسول الله أن أبا بكر لا يلبس الثوب الذي كان عليه حين خرجا من مكة‏,‏ فسأله عنه فأخبر بأنه مزقه ليسد به جحور الغار خوفا من الهوام‏,‏ فرفع النبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ يديه إلي السماء قائلا‏:‏ اللهم اجعل أبا بكر في درجتي يوم القيامة‏(‏ أبو نعيم حلية الأولياء‏).‏ وهذا درس لا ينسي في حب رسول الله وفي مقام الصحبة في الله

رابعا ـ ضرورة الأخذ بالأسباب في كل أمر من أمورالحياة مع جميل التوكل علي الله‏:‏


مكث رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏وصاحبه في الغار ثلاث ليال حتي يأمنا انصراف المطاردين لهما عن جبال مكة وكانا قد رتبا أن يأتيهما عبد الله بن أبي بكر بالأخبار ليلا‏,‏ ويبيت عندهما حتي السحر‏,‏ وأن تأتيهما أسماء بنت أبي بكر بالطعام والشراب ثم تعود مع أخيها قبل طلوع النهار‏,‏ ورتبا أن يقوم عامر بن فهيرة برعي الغنم جنوب مكة ليغطي علي آثار المتحركين إلي غار ثور ومنه‏,‏ وكان في ذلك من دروس حسن الإعداد وضرورة الأخذ بالأسباب ما يجب علي المسلمين أن يأخذوا به في جميع أمورهم‏,‏ بعد جميل التوكل علي الله‏-‏ سبحانه وتعالي‏.‏

خامسا ـ ضرورة الإيمان بمعية الله ـ تعالي ـ لعباده المؤمنين وحفظه لهم‏:‏


بعد خروج رسول الله وصاحبه من مكة شمر كفار ومشركو قريش عن سواعدهم في طلب المهاجرين الكريمين‏,‏ وجندوا كل إمكانياتهم في سبيل تحقيق ذلك‏,‏ وقرروا إعطاء مكافأة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما‏,‏ لمن يعيدهما إلي قريش حيين أو ميتين كائناي من كان‏.‏

وأملا في الحصول علي تلك المكافأة السخية جد كلي من قصاصي الأثر والفرسان وانتشروا في كافة الأودية والجبال المحيطة بمكة في طلب المهاجرين الكريمين‏,‏ حتي وصل بعض المقتفين للأثر إلي فتحة غار ثور‏,‏ وقالوا‏:‏ والله ما جاز مطلوبكم هذا المكان‏.‏

سمع أبو بكر هذا الكلام فبكي بكاء مكتوما‏,‏ هامسا لرسول الله بقوله‏:‏ والله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا‏.‏ لو هلك أبو بكر لهلك فرد واحد‏,‏ أما أنت يا رسول الله لو هلكت لذهب الدين‏,‏ وهلكت الأمة‏,‏ والله ما علي نفسي أبكي‏,‏ ولكن مخافة أن أري فيك ما أكره‏.‏ فطمأنه رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏قائلا‏:‏ يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏ : (‏ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنودي لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلي وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم‏ ) (‏ التوبة‏:40‏ـ‏41)‏

وقد كان رسول الله واثقا من معية الله ـ سبحانه وتعالي‏-‏ لهما‏,‏ وبالفعل أوحي الله ـ تعالي ـ إلي شجرة أن تنحاز إلي فم الغار لتسده‏,‏ كما أوحي إلي إحدي إناث العنكبوت أن تنسج نسيجاي يطبق علي فم الغار‏,‏ وإلي حمامتين أن تبيضا وتفرخا بالوصيد‏,‏ مما جعل كلا من المطاردين وقصاصي الأثر ينبذون الرأي القائل بأنهما قد دخلا إلي جوف غار ثور‏,‏ فعادوا أدراجهم خائبين بعد أن صرف الله أنظارهم عمن بداخل الغار بالشواهد التي أمر بتغطيتها لفوهة الغار‏,‏ ولذلك قال تعالي ‏:‏ ( وأيده بجنود لم تروها‏... ) (‏ التوبة‏:40)‏

سادسا ـ ضرورة الوفاء بالعهد‏:‏

بعد مبيت رسول الله وصاحبه ثلاثة أيام في غار ثور هدأ طلب كفار قريش لهما في كهوف الجبال حول مكة‏,‏ واتجهت أنظارهم شمالا إلي الطريق المؤدية إلي يثرب‏,‏ وفي هذا الوقت كان من حسن التخطيط أن جاء عبد الله بن أبي بكر بالراحلتين والدليل ـ الذي كان مشركاي‏,‏ ولكنه كان قد أعطي العهد ألا يخون الأمانة ـ وجاءت أسماء بنت أبي بكر بالزاد‏,‏ وخرج كل من أبي بكر ورسول الله من الغار‏,‏ فقدم له أبو بكر أفضل الراحلتين‏,‏ فقال‏:‏ إني لا أركب بعيراي ليس لي فقال أبو بكر‏:‏ هي لك يا رسول الله‏,‏ قال‏:‏ لا‏,‏ ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال‏:‏ كذا‏,‏ قال‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ قد أخذتها به‏.‏ قال أبو بكر‏:‏ هي لك يا رسول الله‏.‏ فركبا‏,‏ وانطلقا سالكين طريق الساحل علي الرغم من أنه أطول من الطريق الجبلي‏,‏ وكان في صحبتهما كل من عامر بن فهيرة مولي أبي بكر‏,‏ والدليل عبد الله بن أريقط الذي لم يفش سرهما رغم شركه‏,‏ ولم يكن في عرض مشركي قريش مائتي ناقة لمن يعيد المهاجرين الكريمين إليهم حيين أو ميتين إغراء كافيا أن يخون عهده معهما‏,‏ وهو درس في الوفاء بالعهد تحتاجه البشرية كلها في زمن الفتن الذي نعيشه اليوم‏.‏


_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الثلاثاء 13 سبتمبر 2011 - 11:20



من أسرار القرآن‏ (‏377‏ ج)
بقلم: د. زغلول النجار



d]‏إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلي وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم‏ ]‏ ‏(‏التوبة‏:40).‏


في المقالين السابقين استعرضنا عددا من الدروس التربوية الهامة المستقاة من هجرة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وصاحبه أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ من مكة المكرمة إلي يثرب في ضوء الآية القرآنية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال, والظروف الصعبة التي كان المسلمون يمرون بها وقت تنزل هذه الآية الكريمة.

هذا وقد سبق لنا أن أشرنا إلي أن هذا الحدث الذي غير مجري التاريخ بانتقال المسلمين من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد والإيذاء التي عاشوها في مكة, إلي مرحلة العزة, والقوة, والمنعة والتمكين في الأرض التي بدأوها في المدينة المنورة. وقلنا أن مسلمي اليوم قد عادوا في دورة من دورات الزمن إلي حالة الاستضعاف والاضطهاد والإيذاء علي مستوي دولي أكبر وأخطر مما لقيه مسلمو مكة, وإذا أراد مسلمو اليوم الخروج من ذلك الذل الذي غرقوا فيه فعليهم معاودة الاستفادة بالدروس التربوية المستقاة من هجرة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ حتي يتمكنوا من استعادة دورهم الرائد في هداية البشرية الضالة التائهة, والتي أعماها ما حققته من تقدم علمي وتقني مذهل, صاحبه انحسار ديني وأخلاقي وسلوكي مذهل كذلك, فأغري ذلك الطواغيت بالإفساد في الأرض, والتسلط علي الخلق ونشر الظلم في أرجاء الأرض في غطرسة عمياء, وتجبر فاق الحدود مما أغرق الأرض في بحار من الدماء والأشلاء والخراب والدمار, ولا مخرج للبشرية كلها من ذلك إلا بالعودة مرة أخري إلي الله. ولا يملك مفتاح تلك العودة إلا المسلمون.

وعرضنا في المقالين الماضيين عددا من الدروس المستفادة من الهجرة نلخصها فيما يلي:

أولا: ضرورة الإيمان الصادق بالله ـ تعالي ـ وجميل التوكل عليه, والجهاد من أجل إقامة عدل الله في الأرض, والتحرك المخلص بذلك, مع الاستعداد للتضحية من أجل إعلاء كلمة الله, ونصرة دينه, واليقين بأن النصر من الله والاستبشار بقرب تحقق ذلك إن شاء الله ـ تعالي.

ثانيا: الإيمان بحقيقة الأخوة الإنسانية, والتسليم بحتمية صراع أهل الباطل مع أهل الحق علي الرغم من ذلك.

ثالثا: ضرورة إحكام التخطيط لكل أمر, وأخذ الحيطة الكاملة من مؤامرات أهل الشر, وقد تكالبوا علي المسلمين في هذه الأيام.

رابعا: اليقين في رعاية الله ـ تعالي ـ لعباده المؤمنين به والمتوكلين عليه.

خامسا: التأكيد علي أن حب مكة المكرمة من الإيمان, وكذلك حب الأوطان.

سادسا: ضرورة حب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وحب صحابته الكرام.

سابعا: ضرورة الأخذ بالأسباب في كل أمر من أمور الحياة, مع جميل التوكل علي الله( تعالي).

ثامنا: ضرورة اليقين في معية الله ـ تعالي ـ لعباده المؤمنين, وحفظه لهم.

تاسعا: ضرورة الوفاء بالعهد تحت مختلف الظروف.


وفي هذا المقال نضيف الدرسين التاليين:

أولا: ضرورة الإيمان بمعجزات الأنبياء وبكرامة الصالحين:

سار الركب النبوي متجها إلي المدينة, وتابعهما أحد فرسان قريش وكان اسمه' سراقة بن مالك' وكاد يلحق بهما, لولا أن أقدام فرسه غاصت في الرمال فاستجار برسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فأجاره, ولكن الطمع في المائتي ناقة كان ينسيه ما حدث له فيتابع المطاردة لتغوص قدما فرسه بالأرض بصورة أشد من ذي قبل, وتكرر ذلك عدة مرات, والرسول يجيره حتي آمن سراقة بأنه لا سبيل له في الوصول إلي الرسول وصاحبه, فقرر الرجوع رادا للمتعقبين لرسول الله وصاحبه من كفار قريش, خاصة وأن رسول الله وعده أن يلبسه الله ـ سبحانه وتعالي ـ سواري كسري, وهو يتعجب كيف يمكن أن يكون له ذلك والفرس يحكمون المنطقة بالكامل, ثم تحقق له ذلك بالفعل بعد إسلامه, وكان ذلك إبان إمارة الفاروق عمر بن الخطاب( رضي الله عنه).

وفي أثناء رحلة الهجرة كان رسول الله يأمر أبا بكر أن يشغل الناس عنه, فكان إذا سئل: من هذا الذي أنت بين يديه؟ فيرد أبو بكر قائلا:' هاد يهديني السبيل' وقد صدق فيما قال من تورية تعتبر درسا للمسلمين في كل ما يمكن أن يمروا به من الشدائد.

وفي الطريق إلي المدينة نزل ركب رسول الله للتزود بالطعام والشراب علي خيام لأم معبد الخزاعية, والمنطقة كانت يومئذ تعيش في شدة من الجدب والعوز, فسألوها أن تبيعهم لحما أو لبنا أو تمرا, فقالت: والله لو كان عندنا ما أعوزناكم القري( أي القيام بواجبات الضيافة). وفجأة أبصر رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ شاة خلفها عن الغنم شدة ما بها من هزال وجهد, فسأل: هل بها من لبن؟ قالت أم معبد: هي أجهد من ذلك, قال: أتأذنين لي في حلابها؟ أجابت: والله ما ضربها من فحل قط, فشأنك إن رأيت فيها حلبا فاحلبه, وأحضرتها له. فمسح رسول الله- صلي الله علي وسلم- بيده الشريفة علي ظهر الشاة وعلي ضرعها مسميا باسم الله, فدرت, ودعا بإناء كبير يروي جماعة من الناس فحلب, ونزل اللبن قويا في صوته, ثرا في تدفقه حتي امتلأ الإناء, فقدمه لأم معبد أمام دهشة الجميع, فشربت حتي رويت, وشرب جميع من حضر حتي روي, وأخيرا شرب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ حتي روي, وكان قدومه علي أهل هذه المنطقة بشير يمن وبركة, فنزل الغيث, واخضرت الأرض, ودرت ضروع الحيوانات, فأطلقوا علي زائرهم لقب' المبارك'.

وفي الطريق إلي يثرب لقي ركب النبي كلا من أبي بريدة والزبير بن العوام, وكان أبو بريدة زعيم قومه قد خرج في وفد منهم فاق عدده السبعين رجلا في طلب الرسول وصاحبه, ولكن لما واجهوه أسلموا جميعا, وكان الزبير في جماعة من التجار المسلمين العائدين من بلاد الشام ففرحوا بلقاء الرسول وصحبه.

ثانيا: اليقين في ضرورة تحقق نصر الله:

بعد أحد عشر يوما في الطريق وصل ركب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلي قباء فاستقبله أهلها بالترحاب والفرحة والبهجة, وقضي الرسول وصحبه عدة أيام في قباء يصلون في مسجدها( مسجد قباء). وهو أول مسجد أسس علي التقوي.

ثم تحرك الركب إلي المدينة انتزاعا من قلوب أهل' قباء', وبمجرد الوصول إليها تزاحم أهل يثرب علي زمام ناقة الرسول, كل يريد أن يظفر بنزول هذا الركب المبارك عنده, ورسول الله ـ صلي الله علي وسلم ـ يقول:' دعوها فإنها مأمورة' حتي بركت في موضع مسجده الشريف إلي جوار بيت أبي أيوب الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ الذي نزل به رسول الله. وكانت الأرض التي بركت فيها الناقة أرضا خلاء يملكها يتيمان في المدينة, فوهباها لرسول الله ولكنه أصر علي دفع ثمنها كاملا قبل البدء ببناء المسجد فيها.

وفي هذا المسجد ـ الذي كان شديد التواضع في بساطته ـ ربي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ جيلا من الرجال والنساء الذين فهموا حقيقة رسالتهم في الحياة: عبادا صالحين لله, يعبدونه سبحانه وتعالي بما أمر, ومستخلفين ناجحين في الأرض, مطالبين بعمارتها, وبإقامة شرع الله وعدله في ربوعها, وبذلك أسسوا قاعدة دولة الإسلام في المدينة. وبهؤلاء الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات أقام رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أعظم دولة عرفتها الإنسانية عبر تاريخها الطويل, وانطلاقا من دولة المدينة أقام المسلمون أعظم حضارة شهدتها الأرض منذ أن عمرها الإنسان.

من هنا فإننا نحتفل بذكري هذا الحدث العظيم ـ هجرة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فهو الحدث الذي غير مسيرة التاريخ كله, لأنه لولاه ما وصلنا الإسلام, ولعاشت البشرية كلها في دياجير من ظلام الشرك والكفر والضلال التي كانت قد غاصت فيها قبل البعثة النبوية الشريفة, والتي لايزال يغوص فيها غالبية أهل الأرض إلي اليوم, وذلك لأن الهجرة كانت انتقالا من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد لأهل الحق إلي مرحلة انتصارهم علي أهل الباطل.

وإذا كان المسلمون في أيامنا هذه قد عادوا في دورة من دورات الزمن ـ إلي مرحلة من مراحل الاستضعاف والاضطهاد, فإن من الواجب عليهم مدارسة هجرة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وحركته في الانتقال بالمستضعفين من المسلمين إلي مرحلة النصر المبين, الذي نستبشر بقرب تحققه فالإسلام قادم قادم, والنصر قريب إن شاء الله.

فكما جاهد رسول الله علي مدار ثلاث وعشرين سنة حتي أوصل لنا الإسلام الذي لا يرتضي ربنا ـ تبارك وتعالي ـ من عباده دينا سواه. فإن واجب المسلمين اليوم هو بذل أقصي الجهد لنصرة دين الله بتعلمه من مصادره الصحيحة, وبتحقيقه أمرا واقعا في حياة المسلمين, وبحسن الدعوة إليه بالكلمة الطيبة والحجة البالغة وباللغة التي يفهمها أهل عصرنا وهي لغة العلم.

وإذا كانت هجرة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ قد توجت بإقامة دولة الإسلام في المدينة, ثم بفتح مكة, وبامتداد دولة الإسلام بعد ذلك, لتشمل نصف المعمورة في أقل من قرن من الزمان, فإن روح الهجرة تبقي ـ في زمن الفتن الذي نعيشه ـ تجسيدا لضرورة فرار المسلم إلي الله ورسوله فرارا حقيقيا مخلصا وذلك لأقواله ـ صلي الله عليه وسلم ـ التي منها ما يلي:

1ـ' لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية'( متفق عليه).
2ـ'... والمهاجر من هجر ما نهي الله عنه'( متفق عليه).
3ـ' لا تنقطع الهجرة حتي تنقطع التوبة, ولا تنقطع التوبة حتي تطلع الشمس من مغربها'( أبو داود; النسائي).
4ـ' لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو'( النسائي, ابن حبان, أحمد).
5ـ' من مات, ولم يغز ولم يحدث نفسه به, مات علي شعبة من النفاق'( مسلم).

والمسلمون في أوضاعهم الحالية, وقد تمزقت وحدتهم في أكثر من ستين دولة ودويلة, بالأضافة إلي أقليات تقدر بعشرات الملايين في بعض الحالات( مثل الهند والصين).
وقد أدي انقسام المسلمين إلي بعثرة إمكاناتهم البشرية والمادية مما تسبب في تراجعهم الحضاري, في كل الميادين ومنها التخلف العلمي والتقني, والانحسار الاقتصادي والتعليمي والإعلامي والهزيمة العسكرية علي أيدي أعداء اغتصبوا قلب العالمين العربي والإسلامي دون أدني حق ديني أو عرقي أو تاريخي أو لغوي أو قانوني, وللأسف الشديد استسلم العرب( وهم أكثر من ثلاثمائة مليون نسمة), كما استسلم المسلمون( وهم أكثر من مليار ونصف المليار نسمة) لما فرضته ولا تزال تفرضه عليهم هذه الحفنة من حثالات الأمم, ونفايات الشعوب, في مذلة وصغار لم يسبق للعرب ولا للمسلمين أن ذاقوا مثل مرارته من قبل.

وإذا أراد المسلمون الخروج من حالة المهانة التي يعيشون فيها اليوم فعليهم بمراجعة وقائع الهجرة النبوية الشريفة ومدارستها في ضوء الآية القرآنية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال. ويكفي أن نشير في ذلك إلي ضرورة تذكير أمة الإسلام بحتمية الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل, وبأن الحق لا ينتصر لمجرد كونه حقا, ولكنه يحتاج إلي الحركة الدائبة والتضحية المخلصة من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض, والبذل السخي, والعطاء الجزل في سبيل تحقيق ذلك, مع الإيمان العميق بأنه لا سلطان في هذا الوجود لغير الله, فإذا أحسنا الثقة بالله ـ تعالي ـ, وتوكلنا عليه حق التوكل بعد بذل جهد الطاقة منا تحقق لنا النصر بإذن الله. وإذا تأكد ذلك في عقول وقلوب مسلمي اليوم لخرجوا من حالة التمزق والتشرذم والتخلف التي يعيشونها, ومن وضع التراجع في كل الميادين التي خاضوها, ومن مرحلة الاستضعاف والاضطهاد التي يمرون بها إلي وحدة الكلمة وجمع الصفوف علي نصرة دين الله, وإلي تحقيق قيادة العالم من جديد, وإلي مرحلة العزة والقوة والمنعة التي تميزوا بها في القديم, والنصر المؤزر الذي سوف يحققونه بتأييد الله, وإن لم ينتبه مسلمواليوم إلي حجم المخططات الشيطانية التي تحاك لهم في السر والعلن فإنهم سوف يتعرضون إلي المزيد من التمزق والتفتت والتشرذم كالذي يدبر اليوم لكل من السودان والصومال والعراق وأفغانستان, والمخطط الشيطاني لمزيد التفتيت لجميع الكيانات المسلمة طويل ومرير إذا لم يستيقظ المسلمون لمقاومته والتصدي لنع تنفيذه. ومن أخطار مخطط التفتيت للعالمين العربي والإسلامي أن أهل الكفر والشرك والضلال قد توحدوا في كيانات كبيرة, استحوذت علي جميع مقومات الغلبة المادية مما يجعل المواجة غير متكافئة علي الإطلاق. وعلي الرغم من ذلك كله فإن الله- تعالي- تعهد علي ذاته العلية تعهدا مطلقا بنصرة عباده المؤمنين وما ذلك علي الله بعزيز, والله يقول الحق ويهدي إلي سواء السبيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العامين.



_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الثلاثاء 13 سبتمبر 2011 - 11:23



حرمة دم المؤمن
بقلم: د. زغلول النجار



]..‏ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ] ‏(‏ النساء‏:92‏ و‏93).‏


إن سفك دم المؤمن عمدا دون حق هو من الكبائر التي توجب الخلود في النار, وعليه فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يقتل مؤمنا أبدا بغير حق, إذا وقع ذلك بالخطأ أي عن غير قصد,
فإذا حدث ووقع قتل المؤمن لأخيه المؤمن بطريق الخطأ في مجتمع للمسلمين, فإن الشرع يفرض علي القاتل عتق رقبة مؤمنة, كفارة عن حق الله, فمن لم يجد فعليه صيام شهرين قمريين متتابعين توبة إلي الله ودفع دية مسلمة إلي أهل القتيل تدفعها عاقلته( أي عصبة أهله من جهة أبيه) إلا إذا عفا أهل القتيل عنه, وأسقطوا الدية باختيارهم, وحينئذ فإن الدية لا تجب عليه, وتبقي عليه الكفارة, وذلك لقول الله تعالي:

( ومن كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلي أهله إلا أن يصدقوا....)( النساء:92).

وإذا كان القتيل مؤمنا وأهله من أعداء المسلمين, فإن الشرع يفرض علي القاتل عتق رقبة مؤمن, فمن لم يجد فصيام شهرين قمريين متتاليين توبة إلي الله, ولا دية عليه لأهل القتيل لأنهم أعداء محاربون للمسلمين, فلا يجوز إعطاؤهم من أموال المسلمين ما يستقوون به عليهم ويستعينون علي قتالهم وإيذائهم, ولا مكان هنا لاسترضاء أهل القتيل لأنهم أعداء محاربون للمسلمين, وإذا كان القتيل معاهدا أو ذميا, فإن الشرع يفرض علي المؤمن القاتل بالخطأ في هذه الحالة ما يفرضه في قتل المؤمن في المجتمع المسلم: عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين قمريين متتاليين, ودية مسلمة إلي أهله إلا أن يعفوا, ولم تنص الآية الكريمة في هذه الحالة علي كون المقتول مؤمنا مما جعل عددا من المفسرين يأخذون النص علي إطلاقه, باعتبار أن العهد بين المؤمنين وغير المؤمنين يجعل الدماء بينهم مصونة, ولكن لما كانت الآية من مطلعها تنصب علي تحريم قتل المؤمن بغير حق, ثم بينت الحالات التي يكون القتيل فيها مؤمنا, فقد رأي بعض المفسرين أن القتيل المعاهد أو الذمي إذا لم يكن مؤمنا يكتفي في هذه الحالة بدفع الدية إلي أهله, كما فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم في دفع الدية لبعض قتلي المعاهدين دون عتق رقاب بعددهم, ثم شرع الله سبحانه وتعالي لمن يقتل مؤمنا متعمدا الخلود في نار جهنم, واستحقاق غضب الله ولعنته والعذاب الشديد الذي توعده به وأعده له يوم القيامة.

والإسلام العظيم حرم قتل النفس بغير الحق بصفة عامة, وذلك صونا للأنفس عن الإهدار, فإن للدماء حرمتها, فلا يستباح إلا بالحق وبالأمر البين الذي لا إشكال فيه, وذلك لأن الله تعالي هو واهب الحياة, ولا يجوز أن ينهيها غيره إلا بإذنه, فإذا أقدم إنسان علي قتل إنسان آخر بغير حق, فكأنما قد اعتدي علي حق من حقوق الله, ولذلك قال تعالي في ولدي آدم: فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين( المائدة:30).

وقال قوله الحق:

( من أجل ذلك كتبنا علي بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون)( المائدة:32).

وقال عز من قائلSad ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا)( الإسراء:33).

وفي ذلك قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: لزوال الدنيا أهون علي الله من قتل رجل مؤمن( البيهقي والترمذي), وقال عليه الصلاة والسلام: من أعان علي قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله, ولذلك أفتي ابن عباس عليهما رضوان الله بعدم قبول توبة قاتل المؤمن عمدا, بينما ذهب جمهور العلماء إلي أن توبة القاتل عمدا يمكن أن تقبل, واستدلوا علي ذلك بأن الكفر أعظم من القتل العمد, وتوبة الكافر قد تقبل, والخلود في جهنم لقاتل المؤمن عمدا هو مشروع لمن استحل قتله, وقد يكون المقصود بالخلود هنا طول المكث لقول الله تعالي: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افتري إثما عظيما( النساء:48).

والقتل إما عمدا أو شبه عمد أو خطأ, أما العمد فهو القصد إلي القتل بما يفضي إلي الموت, وهذا ما يوجب القصاص والحرمان من الميراث, وتحمل غضب الله ولعنه والخلود في نار جهنم وما فيها من عذاب عظيم في الآخرة كذلك لقول ربنا تبارك وتعالي:

يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلي الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثي بالأنثي فمن عفي له من أخيه فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدي بعد ذلك فله عذاب أليم, ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون( البقرة:178 و179)

وقتل المؤمن لأخيه المؤمن كبيرة من الكبائر, تتنافي كلية مع الإيمان بالله تعالي فلا يكفر عنها دية, أو عتق رقبة, وإنما يوكل جزاؤها إلي الله الذي توعد الواقع فيها بالخلود في جهنم, وبغضب الله عليه ولعنه, وبما أعد له من عذاب عظيم, ولذلك اتجه بعض المفسرين ـ ومنهم ابن عباس ـ إلي أنه لا توبة منها, وإن رأي البعض الآخر رجاء المغفرة للتائب منها, وفسر الخلود في النار بأنه الزمن الطويل.

والقتل شبه العمد هو الضرب الخفيف المقصود به التأديب, وليس القتل, فهو عمد في الضرب وخطأ في القتل, والنيات لا يعلمها إلا الله تعالي, وهذا فيه الدية والكفارة إذا ثبت عدم العمد إلي القتل, وليس فيه قصاص, وإذا عفا أهل القتيل سقطت الدية عن القاتل, وعليه الكفارة.

والقتل الخطأ أن يقصد رمي غير المقتول المؤمن من إنسان أو حيوان فيصيبه, أو أن يظنه عدوا ثم يظهر له غير ذلك, والأول خطأ في الفعل, والثاني خطأ في القصد, وهذا فيه الدية والكفارة, فإن عفا أهل القتيل سقطت الدية, وبقيت الكفارة, وهي عتق رقبة مؤمنة, فإن لم يجد فصيام شهرين متتاليين, أخرج أبوداود من حديث عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ألا إن دية الخطأ شبه العمد, ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل, منها أربعون في بطونها أولادها.

وأخرج كل من أحمد, وأبوداود, والنسائي أن رسول الله صلي الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال: ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه الدية مغلظة.

وروي عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال: لقد سمعت نبيكم صلي الله عليه وسلم يقول عن المؤمن الذي قتل قتلا متعمدا بدون وجه حق أنه يجيء يوم القيامة معلقا رأسه بإحدي يديه ـ إما بيمينه أو بشماله ـ آخذا صاحبه بيده الأخري, تشخب أوداجه( أي تسيل عروقه دما) حيال عرش الرحمن يقول: يارب سل عبدك هذا علام قتلني؟( الطبري ابن كثير).

هذه الآية القرآنية أهديها للعصابات المجرمة التي حاصرت المعتصمين بميدان التحرير وأطلقت عليهم زخات الرصاص المطاطي والحي وأغرقتهم برشات المياه في محاولة لكسر إرادتهم وأخص من هؤلاء المبالغين في الإجرام منهم والذين قاموا في يومي الخميس والجمعة30 صفر و1 ربيع الأول1432 هـ

وقاموا برجم المعتصمين في الميدان بآلاف الأحجار وقنابل المولوتوف لأكثر من عشر ساعات متواصلة, مما أدي إلي سقوط مئات الشهداء, وآلاف الجرحي من شباب مصر الحر الذي قام بالمطالبة بحقه في الحياة الحرة الكريمة بطريقة حضارية سلمية. ولم يكتف المعتدون بهذه الجرائم, بل قاموا بمحاصرة المعتصمين ليمنعوا عنهم امدادات الطعام والشراب والدواء, وقد بلغ من إجرام هذه الميليشيات المنظمة أن أغار نفر من أفرادها علي المعتصمين في الميدان ممتطين صهوة البغال والجمال ومدججين بالأسلحة البيضاء في هجمة همجية إجرامية لا يقوم بها إلا عتاة المجرمين في عصور الجاهلية الأولي, وقد بلغت هذه الميليشيات المأجورة حدا غير مسبوق في الإجرام تجسد في قيادة عدد من السيارات المصفحة التي قادوها بسرعات جنونية مذهلة وسط حشود المعتصمين في الميدان فقتلوا تحت عجلات سياراتهم الآثمة عشرات من الشهداء, هؤلاء جميعا أهدي إليهم قول الحق تبارك وتعالي: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما( النساء:93).

والله يقول الحق ويهدي إلي سواء السبيل, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين.


_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
الفقير لله
لواء
لواء
avatar

عدد الرسائل : 1844
العمر : 39
الموقع : ارض السواد
تاريخ التسجيل : 08/04/2010

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الثلاثاء 13 سبتمبر 2011 - 13:43



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الإثنين 26 سبتمبر 2011 - 23:50



من أسرار القرآن ‏(396)

‏{‏ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتي تستأنسوا وتسلموا علي أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون‏} (‏النور‏: 27)‏


هذا النص القرآني الكريم جاء في بدايات الربع الثاني من سورة النور‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها أربع وتسعون ‏(94)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي حقيقة أن الله‏-‏ تعالي‏-‏ هو نور السماوات والأرض‏.

وأنه هو الذي يهدي لنوره من يشاء من عباده, وأنه (من لم يجعل الله له نورا فما له من نور). ويدور المحور الرئيس لسورة (النور) حول عدد من التشريعات الضابطة لسلوك المسلم في حياته, والحاكمة لعلاقاته بغيره, وذلك صونا لحرمات كل من الأفراد, والأسر, والمجتمعات المسلمة.

من أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم

يقول ربنا- تبارك وتعالي- في محكم كتابه:يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتي تستأنسوا وتسلموا علي أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون. فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتي يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكي لكم والله بما تعملون عليم (النور: 28,27)..فقوله تعاليلا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم.. أي لا تدخلوا بيوتا غير البيوت التي تسكنونها أنتم, حتي لو كانت تلك البيوت التي يسكنها غيركم ملكا لكم, وهي مؤجرة عليهم أو معارة لهم. وذلك لأن كلا من مؤجر البيوت ومعيره لغيره منهيان عن الدخول علي ساكنه بغير إذن, وإن كان كل منهما يملك البيت, مما يؤكد علي حرمة الساكن, بغض النظر عمن يملك البيت.

وفي قوله تعالي...حتي تستأنسوا وتسلموا علي أهلها... أي: حتي تستأذنوا من أهلها, وتسلموا عليهم. و(الاستئناس) في اللغة هو طلب الأنس بالآخر, ويشمل اطمئنان القلب, وسكون النفس, وزوال الوحشة, وذلك لأن الاستئناس هو ضد الاستيحاش. وقد يكون من معاني (الاستئناس) الاستعلام, وذلك من قولهم (آنست) شيئا إذا أبصرته ظاهرا مكشوفا. وعندما يستأذن الزائر أهل البيت في الدخول عليهم فإنهم يأنسون باستئذانه كما يأنس هو إلي إذنهم له بالدخول عليهم. و(السلام) هو تحية المسلمين, وتحية أهل الجنة( السلام عليكم).
ومن آداب الإسلام تقديم السلام علي الاستئذان في الدخول إلي بيوت الغير, وذلك لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم: لا يؤذن له حتي يسلم (البخاري). فإن كان القادم يري أحدا من أهل البيت سلم أولا, ثم استأذن في الدخول, وإن لم يتمكن من رؤية أحد قدم الاستئذان علي السلام. ويؤكد ما روي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله! أرأيت قول الله تعالي...حتي تستأنسوا وتسلموا علي أهلها... هذا التسليم قد عرفناه, فما الاستئناس ؟ قال- صلي الله عليه وسلم-: يتكلم الرجل بتسبيحة, وتكبيرة, وتحميدة, ويتنحنح فيؤذن له أهل البيت (رواه الطبراني).

وفي زماننا الراهن يعتبر طرق الباب أو قرع الجرس نوعا من الاستئذان, الذي يليه السلام.

وفي قوله تعالي:... ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون أي أن الاستئذان والتسليم قبل دخولكم إلي بيوت غير بيوتكم فيه الخير الكثير لكم, ومن ذلك أن يعفيكم من الوقوع في شيء من الحرج, ويجنبكم إيذاء الآخرين بالاطلاع علي عوراتهم أو علي ما لا يحبون أن يراه غريب منهم, فلعلكم إذا علمتم هذا الأدب في السلوك أن تعملوا به, وأنتم مدركون الحكمة من تشريعه. فالاستئذان في دخول بيوت لغير واجب علي كل طارق, سواء كان رجلا أو امرأة, مبصرا أو أعمي, إلا في حالات الضرورة القصوي كالاشتعال المفاجئ للحرائق, أو الهجوم المباغت للصوص, أو طلب الاستغاثة.

وأحكام الاستئذان هي خاصة بالبالغين من الرجال والنساء, أما الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم فإنهم غير مكلفين بالاستئذان إلا في أوقات كل من الفجر والظهيرة, والعشاء.
ومن الآداب الإسلامية عدم الدخول علي المحارم إلا بإذن, فقد قال رجل للنبي- صلي الله عليه وسلم-:أأستأذن علي أمي ؟ قال: نعم. قال الرجل: إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل لا, قال: فاستأذن عليها (رواه مالك في الموطأ).

ومن الآداب الشرعية في الاستئذان ألا يستقبل الزائر الباب بوجهه, بل يجعله عن يمينه أو عن شماله. وهذا الأدب يجب أن يلتزم به كل مسلم في عصرنا لأن الدور ولو كانت مغلقة, فإن استقبال الطارق للباب عند فتحه بوجهه فقد يقع نظره علي ما لا يجوز اطلاعه عليه, أو علي ما يكره أهل البيت أن يراه.

وفي قوله- تعالي-: فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتي يؤذن لكم... تأكيد علي عدم جواز دخول البيوت المفتحة الأبواب بدون إذن, فربما كان في البيت أهله, ولم يشاءوا الرد علي الزائر, وربما كان البيت خاليا من أهله فلا يجوز اقتحامه بغير إذن مسبق منهم, وذلك لأن للبيوت حرماتها, فلا يحل دخولها إلا بإذن أهلها.

وفي قوله تعالي... وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكي لكم والله بما تعملون عليم أي أنه يا معشر الزوار إذا قال لكم أهل الدار إنهم غير مستعدين لاستقبالكم فإنه أطهر لنفوسهم ولنفوسكم أن تعودوا من حيث أتيتم, دون أدني حرج. وعلي ذلك فإنه إذا نهي الزائر عن الدخول إلي بيت غير بيته فلا يجوز له الإلحاح في طلب ذلك لأن الإلحاح في هذه الحالة لا يؤدي إلا للكراهة, وإحراج الطرفين, والله مطلع علي أعمالكم, وفي ذلك وعيد شديد للمخالفين لأوامره.

ويتضح وجه الإعجاز التشريعي في الآيتين الكريمتين (رقم 27 و28 من سورة النور) في أن الله تعالي يلزم عباده المؤمنين بقدر من أدب السلوك الذي يقتضي ضرورة الاستئذان والسلام قبل دخول البيوت التي يسكنها غيرهم, وبضرورة التلطف عند طلب الاستئذان بالدخول, وضرورة السلام علي أهل البيت المزار, مما يلطف العلاقات بين الناس, ويجعل الزائر مرحبا به, ومقدرا ومكرما, ويجعل المزورين سعداء بزيارته.

ومن آداب الإسلام ألا يدخل المسلم بيت غيره- وإن كانت أبوابه مفتحة- دون إذن أهل البيت, فقد لا يحبون أن يطلع غيرهم علي ما في البيت وهم غائبون عنه, وقد يكونون موجودين بداخله ولديهم من الأعذار ما لا يسمح لهم باستقبال الضيوف. وعلي هؤلاء أن يعودوا أدراجهم دون أدني حرج, لأن ذلك أزكي لهم وأطهر, خاصة وأن الله- تعالي- مطلع علي تصرفات كل مخلوق, وعليم بدقائق ذلك, فقاصد زيارة غيره إذا لم يأذن له ذلك الغير بالدخول إلي بيته فعلي الزائر الرجوع من حيث أتي دون أدني قدر من الحساسية, مقدرا أن أهل البيت قد يكونون في أمر يشغلهم عن استقباله, وهنا يتضح لنا وجه الإعجاز في هذا التشريع الإلهي الذي يؤكد أن الله- تعالي- قد جعل البيوت سكنا لبني آدم, تسكن فيها النفوس, وتطمئن القلوب, وتستر الحرمات والعورات. ومن أجل ذلك وجب أن تبقي البيوت حرما آمنا لأهلها, لا يستباح إلا بإذنهم ورضاهم وفي الوقت الذي يحددون.


_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
PLCMan
Admin
avatar

عدد الرسائل : 12336
العمر : 49
العمل/الترفيه : Maintenance manager
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار   الثلاثاء 27 سبتمبر 2011 - 0:37



من أسرار القرآن

‏(...‏ وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور‏)‏


بقلم: د. زغلول النجار


والمقصود هنا بتعبير‏(‏ أيام الله‏)‏ هو الأحداث الكبري في حياة الناس من النعم والنقم‏,‏ ومن أعظم نعم الله‏-‏ تعالي‏-‏ علي أهل الأرض جميعا كانت بعثة الرسول الخاتم‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏.

الذي تلقي الوحي وبشر بالرسالة, وكان ذلك اليوم هو أعظم يوم من أيام الله, لأنه كان اليوم الذي استردت فيه البشرية صلتها بنور السماء بعد أن كانت قد فقدته بالكامل, فقد كان عرب الجزيرة قد انحرفوا عن التوحيد الذي دعا إليه كل من إبراهيم وولده إسماعيل- عليهما السلام- وجددوا عبادة الأصنام والأوثان التي كانوا قد ورثوها عن مشركي قوم نوح, ثم عن كل من البابليين, والفرس, والرومان, واليونان, كما عبدوا النجوم والكواكب. وبجوار هذه الوثنيات انتشرت المجوسية في بلاد فارس, كما انتشر كل من الزرادشتية, والمانوية, والمزدكية, والصابئة, والدهرية, وغيرها من العبادات الفاسدة.

وكان من وراء فارس شرقا شبه القارة الهندية, ومن ورائها دولة الصين وبقية دول جنوب آسيا, وقد سادتها من الوثنيات القديمة كل من الهندوسية, والبوذية, والشنتووية, والكنفوشية, والطاوية, وغيرها من الفلسفات والمعتقدات الموضوعة.

وكان إلي الغرب من بلاد فارس الإمبراطورية الرومانية الشرقية( البيزنطية), ومن ورائها نظيرتها الغربية وكانوا قد انقسموا إلي العديد من الفرق والمذاهب المتصارعة. ومن وراء الإمبراطورية الرومانية الغربية كانت بقية دول العالم تحيا حياة بدائية همجية, لا تعرف لها عقيدة محددة ولا فكرا واضحا, ولا فلسفة حياتية معينة, ولا أثرا حضاريا يذكر. وذلك باستثتاء مصر التي كانت منبعا للفكر الفرعوني الذي اختلط فيه الحق بالباطل, ثم الفكر اليوناني الهيليني, ثم الفكر الروماني الغربي والشرقي. وقد اكتوي المصريون بنيران هذا الاحتلال الغريب الذي عاث في أرضهم فسادا واستعبادا حتي أنقذهم جيش من جيوش خاتم الأنبياء والمرسلين.

فالهداية الربانية علمها ربنا- تبارك وتعالي- لأبينا آدم- عليه السلام- لحظة خلقه, وعاشت بها البشرية عشرة قرون كاملة قبل أن يتمكن الشيطان من فتنة نفر من قوم نوح بعبادة الأصنام والأوثان, فبعث الله- تعالي- إليهم عبده ونبيه نوحا- عليه السلام- ليردهم إلي توحيد الله من جديد فما آمن معه إلا أقل القليل ولذلك أغرقهم الله- تعالي- بالطوفان.
وبعد طوفان نوح ظلت البشرية تتردد بين الإيمان والكفر, وبين التوحيد والشرك, والله- تعالي- يرسل الرسول تلو الرسول, والنبي تلو النبي, وكان خاتمهم سيدنا محمد- صلي الله عليه وسلم, ولذلك قال له ربنا- تبارك وتعالي-Sad إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)( فاطر:24). فأعاد سيدنا محمدلأهل الأرض صلتهم بربهم وبهدايته لهم. من هنا كان ميلاده- صلي الله عليه وسلم- أعظم أيام الله, لأنه كان أعظم نعمة من الله- تعالي- بها علي أهل الأرض جميعا.

والذي يعلم ذلك لا بد له من الحرص الشديد علي مدارسة السيرة العطرة لهذا الرسول الخاتم- صلي الله عليه وسلم- حتي يري صورة للكمال البشري في أعلي درجاته فيحاول محاكاته قدر الاستطاعة, واتخاذه مثلا أعلي يحتذي, فقد لاقي سيدنا محمد- عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم- من صنوف الابتلاء ما لاقي وهو أحب خلق الله إلي الله, وكان أتقي الخلق لله, وأكثرهم وصلا به, وعبادة له- سبحانه وتعالي- وكان أزهد الناس في الدنيا, ما سئل شيئا قط فقال: لا, وما عاب طعاما قط قدم إليه, وكان راسخ الإيمان, جم التواضع, كريم الخلق, شجاعا مقداما, قوي العزم في السلم وفي الحرب, ثابت الشخصية في جميع المواقف, ملك قلوب صحابته, كما ملك إعجاب وتقدير أعدائه.
حوصر هو ومن آمن معه ثلاث سنوات كاملة في شعب بني هاشم فصبر واحتسب, وما لانت له قناة. حاربه كفار قريش وآذوه ومن معه, ثم لجأ إلي أهل الطائف فردوه ردا غير جميل فعاد إلي مكة في حماية أحد المشركين.

وقد عاش رسول الله- صلي الله عليه وسلم-(63) سنة, كان منها(40) سنة قبل البعثة الشريفة قضاها في عبادة فطرية واستقامة وطهر بإلهام من الله, وكان منها(23) سنة في النبوة والدعوة إلي دين الله, وفي عمل دؤوب حتي تمكن من إقامة دولة الإسلام علي الأرض. وقد تحمل- في سبيل تحقيق ذلك- الهجرة من مكة إلي المدينة. ومن المدينة خاض ثلاثين معركة, وستين سرية وبعثا. وواجه خلال ذلك من الحروب العسكرية والنفسية, والحصار الاجتماعي والاقتصادي ما واجه, وتعرض لمحاولات القتل, وإلي مختلف الاتهامات المفتراة. ولكن لم يفت كل ذلك في عضده, ولم يضعف من عزيمته حتي من الله- تعالي- عليه بفتح مكة الذي كان بابا لفتح بقية جزيرة العرب التي دان أهلها بالإسلام. وفاضت روحه الشريفة وهو يقول:ا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم اغفر لي وارحمني, والحقني بالرفيق الأعلي, اللهم الرفيق الأعلي( ثلاث مرات)ب.

ومن حسن الطالع أننا احتفلنا بذكري مولد رسول الله- صلي الله عليه وسلم- كأعظم أيام الله, ونحن نحتفل بانتصار ثورة شباب وشعب مصر الذين قاموا في2011/1/25 م( الموافق1432/2/21 هـ) من أجل إسقاط واحد من أسوأ النظم الشمولية الظالمة في المنطقة العربية, وصمدوا ثمانية عشر يوما حتي تم إسقاط هذا النظام في يوم الجمعة2011/2/11 م( الموافق1432/3/8 هـ), وعلي ذلك فإن يوم(2011/1/25 م) هو يوم من أيام الله الذي قدر فيه ربنا- تبارك وتعالي- خلاص شعب مصر من نظام جائر جثم علي صدور أبنائها ثلاثين عاما يحكمهم حكما بوليسيا مستبدا تحت مسمي اقانون الطوارئب.

وفي مساء الجمعة2011/2/11 م( الموافق1432/3/8 هـ) تم تنحي رئيس الجمهورية عن منصبه, وإن كانت ذيول النظام لا تزال موجودة إلا أن الشعب في مصر وفي جميع دول العالمين العربي والإسلامي تنفس الصعداء وسجد حمدا لله علي نعمائه علي الرغم من فداحة الخسائر المادية والبشرية والتي تجاوزت مليارات الدولارات وقرابة الألف شهيد وسبعة آلاف جريح.

وانطلاقا من ذلك فإن يوم2011/1/25 م( الموافق1432/2/21 هـ) سوف يبقي يوما من أيام الله المشهودة, وسوف يحتفل به المصريون ومعهم بقية العالمين العربي والإسلامي, وجميع الأحرار في العالم إلي قيام الساعة.

من هنا تتضح ومضة الإعجاز التربوي في الأمر الإلهي إلي خاتم الأنبياء والمرسلين- صلي الله عليه وسلم- أن يتذكر الأحداث الكبري في تاريخ الإنسانية, ومنها يوم آخر من أيام الله نجي فيه ربنا ذ تبارك وتعالي ذ عبده ونبيه موسي بن عمران والذين آمنوا معه من جور فرعون مصر وظلمه واضطهاده بعد أن صبروا علي إيذائه سنين طويلة, وما أشبه الليلة بالبارحة...!!

وعلي ذلك فإن الاحتفال بالأحداث المصيرية في حياة الناس هو أمر مشروع, علي أن يتم بالضوابط الإسلامية الصحيحة, ويوضح ذلك وجه الإعجاز التربوي في قوله ذ تعالي ذ لعبده ونبيه موسي بن عمرانSad... وذكرهم بأيام الله...). والله يقول الحق, ويهدي إلي سواء السبيل, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين.


_________________


أبـوروان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hassanheha.forumn.org
 
من أسرار القرآن .... د. زغلول النجار
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التحكم الآلي والإلكترونيات :: المنتديات العلمية العامة :: منتدى الإعجاز العلمي في القرءان الكريم-
انتقل الى: