منتدى التحكم الآلي والإلكترونيات
مرحبا بك عزيزي الزائر يشرفنا أن تقوم بالدخول إذا كنت من الأعضاء أو التسجيل إذا كنت زائرا ويمكنك إنشاء حسابك ببساطة ويمكنك التفعيل عن طريق البريد أو الانتظار قليلا حتى تقوم الإدارة بالتفعيل
منتدى التحكم الآلي والإلكترونيات

Automatic control , PLC , Electronics , HMI , Machine technology development , Arabic & Islamic topics , Management studies and more
 
الرئيسيةالبوابة*مكتبة الصوراليوميةس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الجمعة 25 يونيو 2010 - 3:40



حرف الحاء - منظومة حطّ


حطّ– غفر – عفا – تاب – بدّل – تجاوز – وضع – صفح

هذه هي منظومة مفغرة الذنوب وهي أمل كل المؤمنين الموحّدين لله تعالى لأن طموح كل مؤمن أن يلقى الله تعالى وليس عليه ذنب. ولدقّة القرآن الكريم فقد رتب هذه الكلمات حسب أعمال العبد. فالعبادة ليست متساوية فالصلاة مثلاً في رمضان تختلف عنها في غيره والصلاة في أرض الرباط تختلف عنها في غير أرض والخطيئة في مكة مثلاً تختلف عنها في غير مكة. فالذنوب تتفاوت كما تتفاوت العبادات وموقف المؤمن من ربّه هو الذي يحدد موقف الله تعالى منه. والذي كان يفعله العبد بعد وقوعه في ذنب أو خطيئة مهم وحجم توبته إلى الله تعالى مهم أيضاً وإقلاعه عن الذنب وإصراره على عدم العودة إليه كلها مهمّة وتُحدد موقف الله تعالى من العباد يوم القيامة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) محمد) (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) الجاثية) فعلى وِفق موقعك من الذنب يتحدد موقف الله تعالى منك لهذا فكل كلمة في هذه المنظومة لها دلالة مختلفة عن أختها.

تحدثنا سابقاً عن التوبة من حيث كونها فِعلٌ من العبد في منظومة تاب لكن توبة العبد تتبعها توبة من الله عز وجل وهي متوقفة على توبة العبد كما في قوله تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) التوبة) فكلمة تاب في هذه المنظومة تدخل في معناها أنها توبة من الله تعالى على عباده.

التوبة: شرع الله تعالى التوبة أولاً ثم تاب العبد ثم تاب الله تعالى عليه. إن الله تعالى توّاب من حيث شرّع التوبة لنا (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) الفرقان) ثم بعد ذلك يتوب العبد فيتوب الله تعالى عليه. فالله تعالى توّاب والعبد توّاب وتوبة تترتب على توبة وهذه التوبة تستدرج باقي مراحل وكلمات هذه المنظومة.

قال تعالى (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) الفرقان) هذا الذي يصبح بطلاً في التوبة هؤلاء يدخلهم الله تعالى في الصالحين (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) العنكبوت) والصالحين هم الفئة الرابعة بعد النبيين والصدّيقين والشهداء (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) وهم ليسوا المؤمنون الذين عملوا الصالحات بل هم الذين صاروا أبطالاً في الصلاح.

متاباً: العبد يستمر في التوبة يتوب عن ذنب ما اليوم وكلا ابتُلي بذنب يتوب عنه فإذا بلغ العبد من توبته أنه لا يذنب أصبح تواباً وصار من زُمرة معروفة عند الله تعالى (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) الزمر) والزمرة العظيمة هي زمرة التوابين التي يحبها الله تعالى.

المغفرة: المغفرة والعفو متتاليان فقد يكون العفو قبل المغفرة وقد تكون المغفرة قبل العفو. والمغفرة هي التجاوز عن الذنب في الظاهر وقد يبقى في الباطن وسيحاسب عليه يوم القيامة. فقد يغفر الله تعالى للعبد ذنوبه في الظاهر ويحكم عليه أنه من أهل الجنة ثم تأتي مرحلة يُسأل العبد فيها عن الرحِم والأمانة فإن كان قد أكل أمانة أحد أو قطع رحِمه يؤتى بالأغلال ويساق إلى النار. وهذا أمر مهم علينا أن ننتبه إلى موقفنا من الأمانة والرحِم. مثل هذا العبد يكون ذنبه مغفور في الظاهر لكن ما زال لديه ذنوب في الباطن فيُعاقب عليها. (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) البقرة)، (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) آل عمران) (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) الزمر)

العفو: هو التجاوز عن الذنب ظاهراً وباطناً وهو مرتبط بشروط معينة وهي أن يكون موقفك سليماً من الأمانة والرحِم فالله تعالى يغفر للشهيد كل شيء إلا الأمانة والرحِم. والستر معلّق بشرط. والرسول صلى الله عليه وسلم كان يُكثر من الدعاء "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني" خاصة في ليلة القدر. (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) البقرة) (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) النور)

الصفح: بعد أن تاب العبد ثم غُفِر له ثم عُفي عنه تأتي المرحلة الأجمل وهو أن يُصفح عنه فلا يُعيّر بذنوبه ولا يُثرّب والتثريب هو أن تعيّر العبد بذنبه بعد أن عفوت عنه ولذا جاء في القرآن الكريم على لسان يوسف عليه السلام مخاطباً إخوته (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) يوسف) انتهى الموقف. والله تعالى يوصينا بالصفح (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) البقرة) (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) النور) فالصفح من مجملات العفو من حيث أنك لا تذكر ذنب المذنب بعد ذلك ولا تُذكّره فيه ولا تعاتبه ولا تُعيّره كلما رأيته مهما كان الذنب عظيماً. والصفح يأتي بعد العفو (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) المائدة) ومن الإحسان أن تصفح عمن عفوت عنه (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) الحجر) والصفح الجميل هو الصفح بلا عتاب. ولنا في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة فهو صلى الله عليه وسلم على رغم شدة أذى قريش له خلال الدعوة من أبي سفيان وهند وغيرهم لم يعاتبهم بما فعلوا به أو بالمسلمين.

التكفير: تكفير الذنب عبادة تُغطّي على ذنب. كأن تكون أسأت إلى أحد إساءة ثم تُغرقه بفضلك حتى تكفّر عن ذنبك (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) آل عمران) "أتبِع الحسنة السيئة تمحُها" (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) هود). تكفير الذنب هو كل من فعل ذنباً فكفّره بعبادة أو استغفار ومنها الكفّارة التي تُلغي الذنب ككفارة اليمين (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) المائدة) وكفارة الحلق في الحج وسائر الكفارات في القرآن الكريم.

الحطّ والوضع: حطّ: هو عدم حساب الذنب ذنباً فالحرام لم يعد موجوداً وأصل الحطّ ما قاله بنو اسرائيل (وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) البقرة) أي حُطّ عنا ذنوبنا وعند المسلمين (وضع). مثلاً صوم رمضان ركن لكنه عند السفر لا يعود ركناً إلى أن يعود المسافر والصلاة الرباعية في السفر حطّها الله تعالى إلى ركعتين وهكذا الكثير من الأعمال ومنها أحدهم شارف على الهلاك وليس أمامه إلا الخمر وهو يكاد يموت حطّ الله تعالى عنه تحريم الخمر فيشرب ما يمكّنه من الإبقاء على حياته. وقوله تعالى (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الشرح) بمعنى كأنه غير موجود.

إذن كلمة حطّ تقابلها كلمة وضع في القرآن وكلاهما بمعنى عدم اعتبار الذنب ذنباً. والحطّ والوضع كل منهما إلغاء كون المحرّم محرّماً للزمن والمكان والشخص المعيّن وهذه مِنّة من مِنَن الله تعالى العظيمة علينا. "إذا أحبّ الله عبداً لا تضرّه الذنوب"

حطّ ويحطّ مصطلح فقهي إسلامي ورد في الحديث الشريف فقد ورد في الحديبية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :" من يصعد الثنيّة فإنه يُحطّ عنه ما حُطّ عن بني إسرائيل" وكان أول من صعدها الخزرج. وفي حديث آخر " من تطهّر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تحطّ خطيئة والأخرى ترفع درجة" (أخرجه مسلم 666) و " من قال سبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة حُطّت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر" والحديث: " ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها" (أخرجه البخاري 5648، ومسلم 2571).

حطّ ووضع: إلغاء حُرمة المحرّمات من حيث أثرها فلا يحاسب على شيء وهذه من مِنن الله تعالى.

التجاوز والتبديل: الله تعالى غفور رحيم لكونه غفور رحيم كونه رحيم بعد المغفرة لا يكتفي بالتجاوز عن الذنب وإنما يبدّله حسنة وهذه أثر من آثار المغفرة من حيث أن كرم اله تعالى لا تدركه عقولنا. (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) الاحقاف) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) الفرقان).

الله تعالى غفور بطبعه ومن قوانين اله تعالى أن يغفر الذنوب فهو سبحانه غفّار لعدة خطايا وعدة مراحل كلما أذنب العبد استغفر ربّه والله تعالى لا يملّ حتى يملّ العبد. في الحديث القدسي : "أذنب عبد ذنباً فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنباً فعلِم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنباً فعلِم أن له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ به، ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنباً فعلِم أن له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك" وفي الحديث الشريف " ما أصرّ من استغفر ولو عاد سبعين مرة".

هذه المنظومة من أجمل المنظومات عند العبد المؤمن لذي لا أمل له إلا بعفو الله تعالى عن ذنوبه وتجاوزه وصفحه.

أسباب المغفرة:

كل حركة في يوم المسلم وليله من ساعة استيقاظه إلى ساعة نومه يمكن أن يجعلها سبباً من أسباب المغفرة حتى ضحكه وحزنه ومرضه وطعامه وشرابه. وعند تقصّي الكتاب والسنّة وواقع الحال نكتشف أن أعظم أنواع المغفرة وأسرعها إلى مرضاة الله تعالى وأسبقها إلى ميزان الحسنات هو موقف العبد المؤمن من الآخر سواء كان هذا الآخر انساناً أو حيواناً أو جماداً أو نباتاً. فكل موقف إيجابي يقدّمه المؤمن للآخر فأنه ينجو به. ومعظم رضى الله تعالى في الإحسان (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) المائدة) وفي الأحاديث النبوية أمثلة كثيرة منها حديث البغي ّ التي سقت كلباً يلهث. وإذا غرس العبد شجرة له أجر كل من انتفع بها من طير أو حيوان أو إنسان وكذلك الذي في أرضه نبع ماء مثلاً فكل من شرب منها للعبد فيه صدقة وتكون في ميزان حسناته يوم القيامة. وإذا بنى العبد بناء فله بكل من يستظل به حسنة وإذا نحّى العبد شوكة من الطريق ليسهّله للآخرين ويمنع عنهم الأذى تكون له صدقة وفي الحديث : " رأيت رجلاً يتقلّب في ربض الجنة بشوكة نحّاها عن طريق المسلمين". وكل عمل فيه مغفرة الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينها وكذلك ليلة النصف من شعبان ومن بلغ التسعين سنة وهو مؤمن يُسمّى عتيق الرحمن في الأرض، كل حمدٍ على شربة أو طعام، من قعد في مصلاّه لا يقول إلا خيراً ثم صلّى ركعتين وهو ينتظر الصلاة التالية، دعاء السوق "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يُحيي ويميت وهو حيّ لا يموت وهو على كل شيء قدير" ، من أحرم من بيت المقدس، رجل سهل إذا باع سهل إذا اشترى، كل من جلس مجلساً وتحدّث ثم دعا بدعاء كفارة المجلس يغفر الله تعالى ما كان من لغط في مجلسه، السلام على من عرفت ومن لم تعرف " لاتقوم الساعة حتى لا يكون السلام إلا على المعرفة" لا يُبقي على المؤمن ذنب، وهذه عبادات أراد الله تعالى أن يحقق إرادته (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ (27) النساء)

أهم وأعظم هذه العبادات وأهم من العفو والصفح هو موقفك من الآخر. الناس كلهم يصلّون ويصومون أما موقفك من الآخر فهي حقوق الناس عليك: إذا زار العبد رجلاً مريضاً دون مجاملة أو حاجة له عنده إنما زاره لوجه الله تعالى لا يبقى عليه ذنب، رجل أدخل السرور على آخر كأن يكون عنده دين فيوفّيه عنه أو يواسيه في حزنه ويعوده في مرضه ويطعمه إذا جاع لا يُبقي الله تعالى عليه ذنب وفي الأثر أن الله تعالى يخلق من هذا السرور ملكاً جميلاً يرافق العبد حتى يدخل الجنة، وفي الحديث القدسي "وجبت محبتي للمتزاورين فيّ".

علينا أن نأخذ بالعبادات التي لا يُبقي الله تعالى بها ذنباً على عباده. ومن هذه العبادات أن تحمي أخاك في ظهر الغيب وتدافع عنه في غيبته يحمي الله تعالى ظهرك يوم القيامة، وكذلك من شهد له سبعة من جيرانه بالخير، والرحِم الكاشِح أي الذي ظلمك كثيراً ومع هذا فأنت تصله وتكرمه لا يُبقي الله تعالى عليك ذنباً، الستر على عورة المسلم فلا تفضحه وإنما تنصحه باللين إلا إن كان يترتب على معصيته حق من حقوق الناس كأن يسرق مالاً عاماً تعيد المال ولا تفضحه وإنما تنصحه وفي الحديث "لو كنت سترته بثوبك لكان أفضل"، إصلاح ذات البين والرسول صلى الله عليه وسلم يوصي بإصلاح ذات البين.

النجاة يوم القيامة هي في الخدمة التي تقدمها للآخر مسلماً كان أو غير مسلم ومنها إطعام الطعام في حرب أو غيره (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (Cool الانسان)، إغاثة اللهفان فقيراً كان أو مريضاً أو محتاجاً، الشفقة على المذنبين " لا تؤمنوا حتى تراحموا" و "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم" ومحاولة نصحهم باللين وليس بالتعنيف والتعيير، ونحن مأمورون بالتآلف مع الناس حتى غير المسلمين لأنه لا أمل لنا بالنجاة مع البغضاء قال الرسول صلى الله عليه وسلم :" دبّ فيكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء"، حُسن الظنّ بالأمّة، التاجر الصدوق لا يكذب والتاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، النُصح، الموظف الأمين الذي يساعد المراجعين، شُرطي يسهر على راحة الناس وأمنهم ويدفع عنهم الأذى ويحرسهم ويمنع الجريمة، المشي خلف الجنازة حتى تُدفن (له قنطاران والقنطار كجبل أُحُد)، الحُبّ في الله كما في الحديث القدسي وجبت محبتي للمتحابّين فيّ والله تعالى إذا أحبّ عبداً لا يعذّبه، القاضي العادل الذي لا يرتشي ولا يُحابي ولا يطلم، العفو عمن أساء إليك أن تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك، توقير الكبير والرحمة بالصغير "ليس منا من لم يوقّر كبيرنا"، التواضع مهما كانت رتبتك ومكانتك من العبادات العظيمة، تقبيل الطفل كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقبّل الحسن والحسين وكان يقول من لا يرحم لا يُرحم وفي الحديث عن الرجل الذي رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يقبّل الحسن والحسن فأخبره أن له عشرة من الأولاد لم يقبل فيهم أحداً فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم أوأملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟"، كفالة اليتيم والسعي على الأرملة والمسكين، الضيافة ففي الحديث أن الله تعالى يؤجر باللقمة، كل من ساهم وشارك في إعداد الطعام للضيف يغفر الله تعالى له،مجالسة الصالحين من طلاب علم وفقهاء وأصحاب فكر هذه المجالسة تجعل العبد منهم وهي مجالس يحبها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، حضور حلقات الذكر، الدعاء لأخيك بظهر الغيب فكل من تدعو له في ظهر الغيب تقول الملائكة ولك مثل ذلك، أن تموت في أرض غريبة ليست أرضك، أن تكون أميناً على أموال الدولة وعلى مال المسلمين، عدم التخلّف عن خدمة الشعب.

الكسب الرابح يوم القيامة والنجاة هي بموقفك من الآخر سواء كان إنساناً أو حيواناً أو شجراً أو جماداً تصرّفك معه أو فيه يغفر الذنوب جميعاً مغفرة جليلة القدر وخير الناس من نفع الناس.

والله تعالى يحب المحسنين والإحسان الذي جاء ذكره في القرآن هو موقفك من الآخرين والإحسان هو أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك. وفي الحديث "إن الرجل لينال بحُسن الخُلُق مرتبة الصائم الذي لا يُفطِر والقائم الذي لا يفتُر" فالتقوى الاجتماعية هي التي تنفعنا يوم القيامة نفعاً عظيماً. قال تعالى (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) البقرة) بمعنى اعفو واصفح وهي المغفرة العظيمة المطلقة ولاليس اعفو وحاسِب فإذا لم يعد في قلبك حقد على الذي آذاك ولا تذكّره يوماً بإساءته لك فاعلم أنك نجوت نجاة عظيمة.

والله تعالى عفو غفار رحيم عفو كريم ومن دواعي كرمه وعطائه أن يغفر لعباده " لَله أفرح بتوبة عبده من صاحب الراحلة". وإن تتبعنا أسماء الله الحسنى من الناحية العقلية لعرفنا أن الله تعالى لا يمكن إلا أن يغفر للمذنبين ولم لم نُذنب لذهب بنا الله وجاء بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله تعالى لهم. والرسول صلى الله عليه وسلم كان في ليلة القرآن يدعو اله تعالى "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفو عنا" ولو لم يُخطئ لآدم عليه السلام لجاء الله تعالى بآخر يُخطئ فيتوب عليه.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الخميس 2 سبتمبر 2010 - 15:00


حرف الحاء - منظومة حصب

حصب– حطب – وقود – قطران

هذه هي منظومة وقود النار.

هناك فرق أولاً بين وَقود يفتح الواو ووُقود بضمّ الواو.

الوَقود: هي الاشياء التي توضع في النار لكي تتّقد من حجارة أو بشر أو قطران كلها تُسمّى وَقوداً، قال تعالى (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) البقرة) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) التحريم) (ذَاتِ الْوَقُودِ (5) البروج).

أما الوُقود: فتُطلق على عملية الاشتعال أي عندما تتّقد النار تسمّى وقوداً.

حطب: هو كل ما يُعدّ للإشعال والإيقاد قبل أن يُشعل. كل من لديه تنور يخصص مساحة عنه يجمع فيها ما يوقد به التنور أي الحطب. فالحطب هو ما يُعد للإشعال ولم يُشعل بعد. (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) الجنّ) هذا الكلام قبل أن تُشعل النار فيهم فالله تعالى منذ أن خلقهم أعدهم ليكونوا حطباً. والقاسطون من قسط أي الظلم وتعني هنا الشِرك. وهناك فرق بين قسط أي ظلم وأقسط بمعنى عدَل.

حصب: إذا أضرمنا النار في الحطب يُسمّى حصب. وكل حصب كان حطباً وكل حطب لا يكون حصباً إلا أن تُشعل به النار فعلاً. قال تعالى (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) الانبياء) هذا الآن بعد أن يصبحوا في النار والآية تخاطبهم يوم القيامة.

الحطب الذي سيصبح حصباً فتُضرم به النار أنواع مختلفة:

الناس والحجارة: إن من خلق الله تعالى من هو حطب للنار ويُعدُّ لها وهذا هو الذرأ أي إعداد الشيء وإيجاده (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) المؤمنون) فمنذ الأزل أوجد تعالى من مشركي الانس والجن ومن الملحدين الذين لا يؤمنون بالله عز وجلّ ليكونوا حطب جهنم كما قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) الاعراف) أي أوجدنا أناساً هم حطب جهنم.

هذه النار التي هي معدّة لعبدة الأوثان والأصنام والملحدين أما المؤمنون المحّدون الذين يعبدون الله وحده فلهم نارٌ غير نار الكفار هذه.

الحصب هو نوع من أنواع دخول الجنة ودخول النار متعدد وليس كل المشركين والملحدين على وتيرة واحدة وفي حديث أن الله تعالى يُخرج من النار من كان في قلبه ذرة من توحيد.

والدخول إلى النار أنواع:

v دخول اعتيادي: (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) الزمر) أبواب جهنم مؤصدة تُفتح لإدخال هؤلاء المشركين الملحدين وسبق أن تحدثنا عن النار وأنواع العذابات فيها بحيث لا يمكن للعقل أن يدرك هذا النوع من النار. وهذه النار لا يليق بعبد يؤمن بالله تعالى ولا يشرك به شيئاً لأن الله تعالى قال (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) الليل) فنار المؤمنين شيء وهذه النار شيء آخر. فهناك رجل مشرك لكنه كان عادلاً بين الناس لا يُعذّب كما يُعذّب النمرود مثلاً أو الحاكم الظالم المشرك المتكبر والله تعالى أعلم. وكل ما نقوله الآن سنكتشف أننا بعيدون عن الصورة الحقيقية.

v أناس يلقون إلقاء من بعيد (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) ق) هذا الحصب. يُلقون في النار إلقاء من بعيد بعد أن يقيّدون بالسلاسل (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (Cool يس) وترفعهم أنواع من الكلاليب كما في الحديث قيُلقون من بعيد (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) الفرقان).

v قسم يُدعّون إلى جهنم دعّاً: كما يُدقّ الوتد في الجدار (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) الطور) كالمجرم القوي الذي يُدفع به إلى السجن بقوة. وهناك من الذنوب ليست عاراً وبعضها عار وخسيسة مع كونها حراماً فالرِبا مثلاً ليس فيه عار لكنه ذنب خطير لكن أن يزني أحدهم بمحارمه هذا عارٌ شنيع فهذا ممن يُدعّ في نار جهنم دعّاً. هذه الأساليب تبيّن لنا أن كلمة حصب نوع من وقود النار وحطب النار الذي يُلقى إلقاء من بعيد. يقول تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) القمر) الحاصب بمعنى زوبعة فالنوع الخسيس من الناس برغم كونه ملحداً يُلقى في النار كأنه جاءته عاصفة قوية فهؤلاء يدخلون النار بهذه الطريقة كما نرى العواصف القوية التي تجمع القاذورات والاوراق.

القطران: نسميه الآن الزيت وكان يُخرج من شجرة الأرز يصبح كالبترول الأسود وكانت تُطلى به الإبل المصابة بالجَرَب. وهذا القطران سريع الاشتعال. قال تعالى (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) ابراهيم) وهذه الآية تدلّ على أن هذه النار هي للكفار لأن النار لا تغشى وجوه المؤمنون الموحدون الذين لا يعبدون إلهاً آخر حتى لو حُكِم عليهم بالنار وإنما تصل النار إلى ركبتيه أو صدره لكن لا تغشى وجوههم النار كما في الحديث الشريف. لو غشيت النار وجه الانسان هذا هو الصلي ويكون ممن يصلاها (لا يصلاها إلا الأشقى). من هؤلاء الناس والحجارة والقطران. يكون عاري لكنهم ألبسوه ملابس من قطران سريعة الاشتعال.

الحجارة: منها ما هو أصنام (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) الانبياء) الملحد وما كان يعبد إنساناً أو حجراً أو شجراً وكل معبود غير الله تعالى من وقود النار.

المعادن المختلفة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) التوبة) معادن استعملت في الدنيا استعمالاً ظالماً تدخل في منظومة الحصب والحطب. لو عندك رشاشاً قتلت به إنساناً سيكون من ضمن الحطب الذي يشعل به النار. وكل ما يسرقه الانسان في الدنيا يكون له وقود في النار يوم القيامة.

الغلول: هو سرقة المال العام وكل موظف يسرق من مال الدولة سيجده من حصب جهنم الذي سيعذب به في النار يوم القيامة. (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) آل عمران)

هذا كله لا ينفعك إذا كنت قد ظلمت أحداً أو انتهكت عرضاً أو اعتديت على أحد فكل ظلم واعتداء سيكون من حطب جهنم وبعد إشعاله يكون حصباً في جهنم يعذّب به هؤلاء. وكل مال حرام وكا اعتداء وكل ظلم سيكون من ضمن حطب جهنم وبعد استعماله يصبح حصب جهنم.

الكلام في النار وأوديتها وعذابها كلام طويل والحديث عن الآخرة من فرائض هذه الأمة (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) ص) وكل من لا يحدّث نفسه عن عذاب الآخرة يكون ظالماً.

من عباد الله من حرّم الله تعالى عليه النار وحرّمه على النار. قال صلى الله عليه وسلم لمّا رأى النار "لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولصعدتم الى الصعدات تجأرون" وعلينا أن نكون ممن حرّم الله تعالى النار عليه وحرمّه على النار ويجب أن نبحث عن هذه الأعمال التي وعد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم المؤمنين أنها تحرّمهم على النار من هذه الأعمال:

من الأعمال التي تُحرّم المؤمن على النار:

v الدعاء وفي حديث صحيح للرسول صلى الله عليه وسلم أنه من قال حين يصبح وحين يمسي اللهم أجرني من النار سبع مرات تقول النار يا رب إن فلاناً استجارك مني فأجِره.

v الصدقة

v الشفاعة وهنها شفاعة الأنبياء لأممهم وفي قوله تعالى (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) المائدة) بكى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال أحسن عيسى الدعاء لأمّته فجعل الله تعالى الشفاعة لكل الأنبياء والشفاعة موضوع عظيم. والرسول صلى الله عليه وسلم يحاول أن يُخرج من استطاع من النار.

v الدمعة: كل من ذكر الله تعالى في خلوة وتذكر ذنوبه فخاف وبكى من خشية الله يحرّم الله تعالى عليه النار (وعين بكت من خشية الله) في الحديث "لا يلِج النار رجل بكى من خشية الله".

v بِر الوالدين: من مات وأبواه راضيان عنه فهو محرّم على النار على أن يكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أي من أهل القِبلة. "حديث ثلاثة لا يضرّ معهن عمل وذكر من بينها بِر الوالدين".

v شهادة الآخرين: ما شهد له سبعة من جيرانه بأنه على خير حرّم الله تعالى عليه النار وكذلك من صلّى عليه أربعون وشهدوا له بالخير. وشهادة الآخرين هذه هي أعجوبة العجائب (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة.

v من مات له ثلاثة أولاد "لا يموت لسملم ثلاثة من الولد يلج النار"

v تربية البنات: من كانت له ابنتان أو ثلاث أو أربع فأكرمهن وأحسن تربيتهن كُنّ له لجاء من النار.

v بعض الوظائف إذا كانت احتساباً لله تعالى كالمؤذن والذي يثوّب معه مثله من حيث لا تمسه النار والتثويب هو أن تردد خلف المؤذن فإذا قال أشهد أن لا إله إلا أشهد أن محمداً رسول الله قال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله رضيت بالله رباً وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً لم يكن بينه وبين الجنة إلا أن يموت.

v أهل الليل والتهجد (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) السجدة).

v كل العَوَق والبلاء: أي عَوَق في الجسم يحمد الانسان الله تعالى عليه يكون وجاء له من النار وكذلك البلاء بكل أشكاله في المال أو الجسم أو الأهل أو الزرع إذا قال العبد إنا لله وإنا إليه راجعون وصبر فإن الله تعالى يحرّمه على النار.

v كل موت غير اعتيادي: كالموت في حادث أو بمرض أو حرقاً أو غرقاً أو قتل غير اعتيادي كل هذا يحرّمك على النار وعن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول :" اللهم إني أعوذ بك من موت الفجأة".

v الصلاة في وقتها في جماعة

v الصوم بكل أشكاله

v حديث "لا تمسّ النار من رآني أو رأى من رآني" وهذا حديث صحيح إلا أني لا أعرف معناه ولا قوانينه.

v حديث " من قال لا إله إلا الله حُرمت عليه النار" وهذا الحديث يختلف المسلمون فيه وما كان لهم أن يختلفوا. في أول الدعوة أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدخل الناس إلى الاسلام ويتركون الشِرك بالله ولم يكن هنالك أية تكاليف بعد فكان المهم التوحيد وكان همّ الرسول صلى الله عليه وسلم حينها أن يعلن الناس التوحيد فكل من ترك عبادة الأصنام حينها وعَبَد الله تعالى وحده لا تمسّه النار ثم لمّا جاءت التكاليف صار هناك أموراً أخرى. الأن في هذا العصر إذا ذهب أحدنا إلى روسيا ونحن نعلم أن كلهم ملاحدة وجعلت قِلّة منهم يوحدون الله تعالى فهؤلاء يدخلون الجنة بدون صيام أو صلاة ."عجبت لرجل دخل الجنة وم يصلي لله ركعة واحدة هذا الرجل كان مشركاً فآمن فمات على التوحيد.

v عندما تفسد الأمة وينتشر الزنى والعهر يصبح أي عمل بسيط كافياً لأن ينجو العبد من النار.

v أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب ورجل فقير عفيف متعفف. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي فيكم تبعاً لا يبتغي أهلاً ولا مالاً (الخدم والإماء والعبيد فلا ينبغي الاعتداء عليهم "من زنى بأحدهم سفاحاً لا نكاحاً") والخائن (الذي يخون بلده وأهله) ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك على أهلك ومالك والشنظير الفاحش (الذي يشتم شتماً مقدعاً) وذكر أيضاً الكذاب الخائن.

v صنفان من أهل النار: الذين يعذبون الناس (كما يحصل في السجون الآن) والمرأة المسلمة التي تمشي حاسرة الرأس.

v إن الله حرّم النار على كل هيّن ليّن (أي كل انسان بسيط متواضع ليس عنده جبروت)

v "ثلاثة من كُنّ فيه حرّم الله النار عليه وحرم عليه النار : إيمان بالله وحُبّ الله وأن يُلقى في النار فيُحرّق أحبُّ إليه من أن يرجع إلى الكفر" أي لا يمكن أن يرتدّ عن الاسلام.

v "من اغبرّت قدماه في سبيل الله فقد حرّم الله عليه النار" هؤلاء المجاهدون في سبيل الله.

v الذاكرون في حِلَق الذكر "إن لله ملائكة يتبعون حِلَق الذكر" وفي الحديث "ذهب الذاكرون بكل خير"

v المرابطون بين المغرب والعشاء والرباط هو انتظار الصلاة بعد الصلاة ولا يقول المرابط بينهما إلا خيراً أو يقرأ أو يتعلم أو يكتب.

v آية الكرسي بعد الصلاة.

الأعمال التي تحرمك على النار كثيرة ولا بد أن يكون المؤمن قد كظم غيظه مرة لوجه الله أو عفا عمن ظلمه لوجه الله أو توضأ على المكاره أو أنفق ما كان لديه وهو يحتاجه لوجه الله.

وصدق الله تعالى (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) الليل) أي الذي كذّب وحرّض وقتل وانتهك ولم يترك شيئاً إلا وآذى به المؤمنين وما أكثر ما جعل الله تعالى أسباباً لئلا يلِج المؤمن في النار وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يدخلها إلا شقي".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الخميس 2 سبتمبر 2010 - 15:07



حرف الحاء - منظومة حصن والتحصّن

الحصن– الملجأ – الوَزَر – الصياصي – البروج المشيّدة – الركن الشديد – الملاذ

هذه هي منظومة التحصّن. وكلمة حصن هي كلمة ضمن مجموعة الكلمات القرآنية التي تدل على تحصّن الانسان من عدوه أو من ساعة كرب شديد لا يفرّجه إلا رب العالمين سواء كان العدو مادياً أو معنوياً أو من نفسك أو أي شيء. ولقد استعمل القرآن الكريم هذه الكلمات استعمالاً اعجازياً ليس بوسع بشر أن يستعملها بحيث لا يمكن أن تُغني كلمة عن أخرى. والأحرف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن تدلنا على أنه ما من أحد أحسن استعمال حروف اللغة أدباً وشعراً كالعرب ومع هذا فإن الله تعالى استعملها استعمالاً عجز العرب لبذين هم أهل اللغة عنه.

الصياصي: هي حصون تُشيّد للهجوم وليس للاحتماء. وأصل الكلمة صيصة وتعني قرن الثور القوي يقاتل به وجمعها صياصي. بعض الناس يبنون هذه القلاع على شكل قرني ثور لتكون مكاناً لقهر العدو وليس للتحصّن. قال تعالى (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) الاحزاب) ولم يقل ملاجئهم لأنها ستعني أنهم كانوا خائفين وأين يكون الاعجاز في إنزال قوم خائفين من ملاجئهم؟ قال تعالى صياصيهم لأنهم أقوياء وهذه الصياصي من الصعب الدخول إليها ومن هنا كان إعجاز استعمال الكلمة صياصيهم في هذه الآية ولا يمكن أن يكون لها بديل في هذه الآية.

الحصن: عندما يزداد هجوم العدو عليك وتشعر أنك فقدت قدرتك تنسحب من موقعك أمامه إلى موقع آخر تتحصّن فيه حتى يكون ذلك الحصن موقفاً إضافياً للقوة. قال تعالى (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) الحشر).

الملجأ: أنت منهزم وتدخل إلى الملجأ الذي لا يعرفه عدوك وتلجأ إلى الله بحيث لم يبقى لك بديل آخر. والملجأ للمنهزمين. قال تعالى (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) التوبة) و (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) الشورى). تلجأ إلى الله عندما لا يعد لديك وسيلة غير ذلك. أحد يغرق في البحر ولا يوجد أية وسيلة للمساعدة أو النجاة وأوشك أن يغرق وليس له إلا الله تعالى يقول يا الله هذا لجوء إلى الله تعالى وهو الحلّ الأخير الذي لا بديل له.

الوَزَر: هو الملجأ الذي يُلتجأ إليه من الجبل المترمدين على السلطة القوية. هي حصون في رؤوس الجبال يتحصن بها المتمردون على عدو ذو عِزّة ومناعة أو اللصوص. وقوة الوَزَر أنها شاهقة في رأس الجبل ويصعب الوصول إليها ويصعب على قوى الأمن مثلاً الوصول إليها. قال تعالى (كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) القيامة). وفي قصة نوح عليه السلام في الطوفان عندما نادى ابنه لريكب معه قال ابنه (قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) هود).

البروج المشيّدة: تُبنى عالية جداً وتكون أبوابها سرّية وقد تكون مداخلها تحت الأرض ولا يعرف أحد من أين يدخل إليها. (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) النساء)

وأضيفت هذه الكلمات من بعض الأخوات المشاهدات اللواتي اتصلن بالبرنامج مباشرة على الهواء:

الركن الشديد: وهو الشخصية القوية التي يُستند إليها أو المكان المسلّح القوي الشديد. (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) هود)

الملاذ: جاءت في القرآن لواذا وهي التقوي بشيء آخر. قال الإمام علي رضي الله عنه: كُنّا إذا حمي الوطيس لُذنا برسول الله. وتُسمى العشيرة القوية ملاذاً إذا كنت تتقوى بها. قال تعالى (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) النور).

كلمة المغارة ليس من اللجوء ولكن من الهرب الذليل كما جاء في آية سورة التوبة (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)).

وأضيف والله أعلم كلمة الكهف ولا أدري إن كانت كلمتي المأوى والغار تدخلان في هذه المنظومة أيضاً:

الكهف: كما جاء في قصة الفتية في سورة الكهف (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16) الكهف) هرب الفتية من الملك ولجأوا إلى الكهف.

لا تُغني كلمة من هذه المنظومة عن كلمة أخرى وهذا من دقة القرآن الكريم. وهذه هي الفروق بين كلمات التحصين. والتحصّن يكون كما قلنا من أشياء مادية أو معنوية وقد أمرنا الله تعالى أن نتحصّن من الشيطان بالمعوذات والرسول صلى الله عليه وسلم تحصّن منه " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

والله تعالى له صفات جلال مع العصاة كالمنتقم والجبّار وله صفات جمال مع الطائعين كالرحمن والرحيم والغفور. وقد يكون الانسان من أعداء الله تعالى فيتعامل الله تعالى معه بصفات الجلال ويحتاج الانسان لكي ينجو من هذا ولا ينجو إلا أن يفرّ إلى الله تعالى فلا ملجأ ولا مفرّ إلا أن تلجأ إلى الله تعالى (لا ملجأ من الله إلا إليه) والانسان يفرّ عادة من كل ما يخافه إلا الله تعالى فنحن نفرّ منه إليه سبحانه وتعالى. اللهم إني أعوذ بصفات جمالك من صفات جلالك.

الحصن والمحصنين والمحصنات وردت كلها في القرآن الكريم ووردت في ذكر مريم ابنت عمران في قوله تعالى (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) التحريم) لم يقل ابنة عمران العفيفة مع أنه جاء استعمال يستعفف في القرآن في قوله تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) النور) وكلمة التعفف معروفة جداً عند العرب وكان يسمّون الفيف والعفّان الذين حرموا على أنفسهم الخمر والنساء منهم عفّان أبو عثمان بن عفّان سُمّي عفّان لأنه كان عفيفاً عن الزنا والخمر. والفرق بين العفيفة والمحصنة أن العفيفة لا تزني مع اشتهائها للجنس الآخر فهي تتعفف أما المحصنة فهي التي لا يمكن أن يجتاحها أحد أو يقهرها أو يصل إلى مراده منها أحد مهما كانت قوته. قال تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (24) النساء). والله تعالى أراد أن يهيب بكل مؤمنة فقال تعالى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ (32) النجم)

قال تعالى (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) الحشر) هذه ثقافة اليهود في التاريخ لا يقاتلون وجهاً لوجه وإنما يقاتولن في قرى محصنة ومن وراء جدر في دبابة مثلاً وهذا ليس لأنه خائف ولكن لأن هذه عقيدته لا يقاتل إلا في حصون أو صياصي. فسبحان الله تعالى الذي قال (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) النساء) وهذا من حيث اللفظ ، وقال تعالى (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87) النساء) وهذا من حيث المعنى.

التحصّن من الشيطان يكون بالذكر والدعاء يكون في أي وقت.

لو تأملنا في قوله تعالى (لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ) في ساعة لا يمكن أن يخطر على بالك إلا الله تعالى تلجأ إلى الله. لم يقل لا حُصن إلا الله لأنه في ساعة الهروب الكمل والهزيمة الكاملة ليس لك إلا الله تعالى فتلجأ إليه. عندما ييأس الانسان ويظن أنه هالك لا محالة (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) الاحزاب) (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) لا بد أن يكون في ملجأ وأي ملجأ غير الله تعالى قد لا يعصمه أو ينفعه أما الملجأ إلى الله تعالى فهو الذي يعصم وينقذ. في قصة يونس عليه السلام في بطن الحوت عندما وصل إلى قمة اليأس لجأ إلى ربه فقال (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) الانبياء) فنجّاه الله تعالى. وكلّنا مرّت عليه ساعات شِدّة وعسرة أو ضياع أو فقدان مال أو وصول إلى خطر داهم وعندما تصل إلى قمة اليأس تقول يا الله بلسانك وقلبك تشعر براحة وطمأنينة عجيبة جداً وتستقبل الأمر برضى وطمأنينة شجاعة لم تعرفها من قبل بمجرد أن خلوت بالله تعالى ونسيت من عداه وانتهى كل أمل إلا الله تعالى تشعر أن الله تعالى يراك والمحتضر الذي بدأ يرى شبح الموت يبدأ يشعر أنه وصل إلى كنف الله تعالى ولم يعد له ملجأ إلا الله تعالى تراه مطمئناً (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) فصلت) . المسلمون في غزوة بدر والاحزاب عندما وجدوا أنفسهم أمام قوة قاهرة لا يقدرون عليها لجأوا إلى الله تعالى فنصرهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الخميس 2 سبتمبر 2010 - 15:16



حرف الحاء - منظومة حَسَد


الحسد– العين – السحر – النفث

هذه هي منظومة قوة الشرّ الخفية في النفس والطاقة الكامنة في كل إنسان والتي تدفعه إلى الشرّ.

حسد والحسد: هو تمني زوال نعمة من مستحق لها وربما كان مع ذلك السعي في إزالتها. والحسد يكون عنحقد شديد وغليان وهذا الغليان يبعث في النفس تغيراً كيميائياً بحيث يؤدي إلى الإضرار بالمحسود. (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) الفلق)

النفث: هو قذف الرّيق القليل وهو أقل من التّفل. والساحرة مثلاً تأتي بعقد معينة فيها أشياء غريبة ويجعلها في عقدة ثم ما أن تنفث فيها حتى تصبح مؤثّرة ولشدة الهول في النفث أنزل تعالى آية فيها (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) الفلق) وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين بأن يستعيذوا منها وهذه الآية نزلت لتدفع بها هذا الشرّ الداهم. فما علاقة الرذاذ بأن تقرأ شيئاً من الدعاء ثم تنفث في يديك وتمسح به فتشفى كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع علي رضي الله عنه في خيبر وكان علي قد أصابه الرمد فنفث الرسول صلى الله عليه وسلم في عينيه ورقيه فشفي وأخذ علي رضي الله عنه الراية لفتح خيبر. والنفث هو عملية تركيز كما في علم اليوغا الآن والتخاطب عن بعد وغيرها تحصر تركيزك بأمر معين حتى تصل بتركيزك إلى شيء خارق في طاقاتك. وعندما تقرأ رقية على إنسان مريض ثم تنفث في يديك وتمسح به على المريض تؤثّر فيه فكأن النفث هو بداية توجيه هذه الرقية إلى صاحبها كما يعمل جهاز التحكم عن بُعد (الريموت) الذي لا بد أن يكون موجّهاً إلى الآلة التي يتحكم بها. والنفث والله أعلم في الخير أو الشر هو تشغيل لعملية الرقية أوالسحر.

والفرق بين الحاسد والنافث أن الأول يتمنى زوال النعمة من المحسود أما النافث فهو لا يتمنى زوالها وإنما لا يرى الآخر أهلاً لما حصل عليه ويرى نفسه خيراً منه ويستصغره بعينه ويراه دون المستوى لكنه لا يحقد عليه ولا يتمنى زوال نعمته. وفي الحديث : " لا تجوز الرقية إلا من عين أو حمّى أو نافث".

العين: العين معروفة قال تعالى (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) القلم) والعين لغة فالعين تتكلم إن كنت حزيناً أو راضياً أو غاضباً أو معجباً أو مداعباً أو محتجّاً وكان مشركو العرب إذا أرادوا أن يصيبوا أحداً بالعين جوّعوه ثلاثة أيام جوعاً عظيماً ثم يذهب إلي الذي يريد أن يصيبه فيمدحه فيصيبه بالعين. والآية نزلت في المشركين الذين عجبوا لحُجّة الرسول صلى الله عليه وسلم والدين الذي جاء به فحسدوه وأكثر من حسده أقاربه ولهذا وصّى الاسلام بالرّحِم لشدة أذى بعضهم لبعض ولذلك يوقل الرسول صلى الله عليه وسلم " أفضل الصدقة على ذي الرّحِم الكاشح المُبغِض" فالعين تأتي من أقرب الناس إليك.

السحر: هو مجموعة أشياء تفعلها تفرّق بها بين الناس أو تؤذيهم أو تُنسيهم كما في قوله تعالى (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) البقرة)

نبيّن أن الانسان مليء بالطاقات الهائلة في الخير والشّر كما أن فيه طاقة الحيد بحيث يقتل المحسود أو العين إذا نظر إلى إنسان فأعجبه فيهلكه أو النفث وكذلك السحر بكل أنواعه طاقات فعّالة من اللامعقول يمكن للإنسان أن يكون قاتلاً بعينه بحيث لا يُعاقب عليها القانون. والإنسان معبّأ بططاقات خيّرة كثيرة منها علم التخاطب من بعيد والخوارق الكثيرة عند الصالحين والطالحين وهي قضية رياضية وتعويد النفس كالمشي على الماء والقفز من مكان إلى مكان.

الإنسان طاقات هائلة ومعنى ذلك أن كل إنسان يولد وفيه هذه الطاقة (لقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) التين) كما خلق الله تعالى الكرة الأرضية مليئة بالطاقات منها ما اكتُشف منها من لم نكتشفه بعد. هكذا عبّأ الله تعالى الإنسان بطاقات هائلة ليس السحر والحسد والعين وإنما طاقات خيّرة فهناك من إذا رأيته تهابه مهابة عظيمة ويأسرك ولا تدري كيف ومنهم من إذا رأيته تتبعه ومنهم رياضي واقتصادي لديهم طاقات هائلة في مجالهم.

والإنسان أعجوبة العجائب (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11) لقمان) ولعظمة الإنسان جعله الله تعالى يعمُر الأرض فالذي اخترع الطائرة مثلاً فيه طاقة هائلة أن فكّر في هذا الأمر ثم نفّذه والذي صنع الغوّاصة تفكّر في الحوت ثم صنع الغواصة وكل مخلوق فيه طاقات وعليه أن يكتشفها.

وكل إنسان هو من نمط معين فهناك نمط عسكري مثل خالد بن الوليد وهناك نمط اقتصادي وآخر رياضي وآخر تعبّدي. وعلى كل إنسان أن يكتشف طاقاته وهذه هي الفطرة التي خلق الله تعالى الناس عليها. كل إنسان فيه قدرة قد يأتي بعض الناس فيكتشفوا الطاقة عندهم فتُنمّى هذه الطاقة بطرق علمية. وهذه الطاقات تُقتل وتموت بالتعذيب والترهيب والتجاهل والازدراء ولهذا فإن عملية التربية عملية مقدّسة. لأجل هذا جعل الله تعالى الطاقة في الخير والشر فالساحر لم يكن ساحراً لكنه اكتشف في نفسه طاقة التأثير على الآخرين وكان من الممكن أن يكون خيّراً ويستعمل قدرته في الخير. والخمر انحراف للطاقة فأصلها عنب حلال فيه منافه وأوجه استعمال في الخير وكذلك الطين يمكن أن يكون للخير ونصنع منه الزجاج وغيره لكنه عندما ينحرف عن طاقته يُصنع منه أصناماً، وكذلك علم الذّرة كان يمكن أن يكون لاصلاح الكون لكنهم صنعوا منه سلاحاً قاتلاً يدمّر الناس.

علينا أن نكتشف الطاقات ثم نوجهها التوجيه الصحيح. علم التخاطب أصبح علماً الآن وكذلك التنويم المغناطيسي يكفي أن تنظر في عين أحدهم حتى يُخرجك من ذاتك ويأمرك بفعل بعض الأشياء لا تعرف عنها شيءاً فتفعلها وهذا أمر خطير وصل لدرجة فصل الروح عن الجسد فتقعل ما تفعله في اليقظة لكن دون أن تعلم.

هذه الطاقات الهائلة سبيل من سُبُل الشر مثلما هي سبيل من بل الخير. إنسان ما اشترى سيارة جديدة فاخرة وآخر يغلي حقداً عليه يتمنى زوال النعمة منه، فبهذا الانفعال يصدر منه اشعاعات بحيث فعلاً يصيب المعيون بضرر أو مرض. الجوّال الآن لشدة إشعاعاته يصيب بالصمم أو بالسرطان فكيف لا تُهلِك العين بالاشعاع؟ العين تُصدر إشعاعاً قد يؤدي إلى خير وقد يؤدي إلى شر.

هذه الأمّة لم تصل بعد إلى أن يكتشف الإنسان طاقات نفسه وأن تكتشف المدارس طاقات طلابها والحكومات طاقات شعبها أما الأمم العظمى فهم يحتفون بأصحاب الطاقات حفاوة عظيمة.

يقول تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) التين) وهذه الفطرة والأمثال تقول في كل شاعر طفل والطفل يعني الفطرة فالطفل مادة خام تُعبّأ فيها الطاقات فإما أن تُنمّيها وإما أن تسحقها وفي الغالب أطفالنا يعانون منّا خوفاً وإذا خاف الطفل ضاع والنتهى وقُتلت فيه الطاقات تماماً كما تسحق النبتة الجميلة بقدمك. كل صاحب إبداع أو خارق (والخوارق هي أن تفعل غير المألوف) كل إنسان فيه جانب من هذه الخوارق والرسول صلى الله عليه وسلم يقول :" اعملوا فكل ميسّر لما خُلِق له" وهذا يذكّرنا بالرسول صلى الله عليه وسلم عندما وزّع المهامات على أصحابه ففي الآذان مثلاً كان رؤية رآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في منامه لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له :" مُر بلالاً يؤذّن فإنه أندى منك صوتاً" وكذلك الحديث عن زرقاء اليمامة التي كانت ترى من مسافة ثلاثة أيام هذه خارقة . وكذلك عمر بن الخطاب عندما رأى المعركة في خراسان فقال يا سارية الجبل. وإلى الآن يسمع الناس أصوات صهيل الخيول في موقع غزوة مؤتة. فالكون كله معبّأ بقواني وطاقات والكون كله فيزياء.

مرحلة التعليم والتربية هي مرحلة أساسية من أجل هذا ولذلك فإن أعداء الأمة الاسلامية يرصدونه هذه المرحلة رصداً وطاقات الأمة الاسلامية وحدها تعادل طاقات الكون لكنها مقهورة مقموعة لا يُسمع لها وإذا حدث أن وصل أحد الملسمن لاكتشاف وتنمية طاقاته قتلوه وقد حدث أن قُتل الكثير ن العلماء المسلمين المصريين والسوريين والعراقيين وغيرهم لمّا وصلوا إلى حد لا يسمح الغرب للملسمن أن يتجاوزوه.

وبالتالي جعل الله تعالى من كل هذه الأمراض شفاءات بكلمة وكم من كلمة لها تأثير معيّن على كل الأحداث قال تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) ابراهيم) وإذا رأيت شيئاً أعجبك فقلت: بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله فإنك تلجم الطاقة عن أن تُضرّ وينتهي أثرها. وروي أن بعض الصحابة كان يسبح فمرّ به صديق قال: ما هذا والله ولا جسد المخدّرة فأصابه فكاذ أن يكوت فذهب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو على وشك الموت فقال لأصحابه :" لمَ يقتل أحدكم أخاه أما أن تقول بارك الله لك بارك الله فيك". فما أن تقول بارك الله لك بارك الله فيك بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله حتى ينتهي الأثر تماماً.

وكل شر إذا جابهته بما يقطعه ينتهي أثره فالكون كله إشعاعات والمصريين اكتشفوا أن الذين يحصّنون أنفسهم بالتعاويذ والرُّقى وجدوا هالة نورانية على وجوههم.

أدوات استجلاب الطاقة الهائلة:

هناك أدوات لاستجلاب الطاقة الهائلة:

الصمت: قال الرسول صلى الله عليه وسلم :" إذا رأيتم الرجل يُطيل الصمت فهو يُلقّن الحِكمة"

الخلوة: أن تبتعد عن الاختلاط مع الكثير من الناس وتنبقى خالياً.

التأمّل: هو مفتاح هذه الطاقة وفي الحديث:" اعتكاف ساعة خير من صلاة ستين سنة" وفي حديث آخر: " من اعتكف ساعة في المسجد باعج الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق كل خندق ما بين المشرق والمغرب" . فالاعتكاف في المسجد مثلاً بين المغرب والعشاء بعيداً عن الناس والأسواق والأخبار والمشاكل تجد نفسك تخرج من هذا الاعتكاف بطاقة مصقولة مصنوعة صناعة ربّانية. وعن الإمام القطّان ذكره عند البغدادي وقد عُرِف بجودة استنباطه واستشهاده في كتاب الله فسُئل عن ذلك فقال: بكثرة الخلوات في الفلوات والتأمل في الكائنات والتدبّر في الكائنات.

ولكي تصل إلى طاقة نفسك في العلم أو في أي مجال لا بد أن تكون في صمت وخلوة وتأمل وتفكّر.

والقرآن الكريم يعلّمنا عبارات تقطع الشر. فمثلاً لو تآمر عليم كل الخلق فقلت (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) غافر) يقيك الله كل سوء لأن بعد هذه الآية قال تعالى (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)). ولو أصابك سوء أو مرض فقلت (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) الأنبياء) كما قالها أيوب يشفيك الله تعالى لأنه قال بعدها (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)) لكن عليك أن تقولها بنفس العمق الذي قالها به أيوب عليه السلام. وكذلك المغموم إن قال (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) الأنبياء) ينجيه الله من الغمّ لأنه قال بعدها (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)) لكن بشرط أم تقولها مع مقدمات من الصمت والتأمل والخلوة والاعتقاد الجازم بالله تعالى.

الحسد طبيعة في الإنسان وكل إنسان كما قلنا معبّأ ابلطاقت خير وشر وهناك إنسان يستعمل هذه الطاقات بالشر ومنهم من لا يستعملها وهناك حَسَد يحسُد من باب نصر ينصُر وهناك حَسَد يحسِد من باب ضرب يضرِب وهذا هو الحسد المنهي عنه وقوله تعالى (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) الفلق) أي من شر الحاسد إذا حسد فيمكن أن يكون هناك حاسد لا يحسد. والرسول صلى الله عليه وسلم جعل الحسد مع منظومة أخلاقية هائلة فقال في الحديث: " إيّاكم والظنّ فالظنّ أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا" وهذه منظومة تؤذي المسلم أذى مباشراً . ومن أراد أن يكون مسلماً حقاً عليه أن يتربّى ويحتهد حتى يُنقّي نفسه من هذه المنظومة ليصدُق فيه قوله تعالى (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) الشعراء). وفي الحديث :" لا يجتمع في قلب مؤمن إيمان وحسد" وقال أيضاً : " لا يزال الناس متعارفين متحابين أصحّاء ما لم يتحاسدوا" وقال: "دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء" وكلاهما متقاربان.

والحاسد لا يناله من حسد المحسود شيئاً. وروي: المؤمن يغبِط والمنافق يحسد" فالغِبطة هي أن تتمنى أن يكون لك مثل النعمة التي مع غيرك إلا أنك لا تتمنى زوالها من الآخر.

v ومن الطاقات الهائلة التي ينميّها الإنسان ما يُعرف الآن بالبرمجة العصبية اللغوية وقد قيل أن الإنسان العادي يستخدم طوال حياته 1% من قوته العقلية والعالِم من البشر يستخدم إلى أقصى حد 4% ويقال أن العالِم آينشتاين استعمل 4% من قوته فماذا لو طوّر الإنسان نفسه بحيث أصبح يستعمل 10% مثلاً من طاقته وعقله؟

v الرقية الشرعية إشعاع من الراقي وانفعاله تؤثّر على المرقي ولا أظن أن الرقيةبالكاسيت تنفع لأن الراقي عليه أن يمس المرقي فكم سمعنا بمن يشفى بلمسة. والرقية تقتضي يقيناً كاملاً من الراقي والمرقي. ولا يقول أحدنا رقيت وما زال الحسد لأنه بقراءة الآيات لا تدري ماذا ردّ الله عنك من سوء ولولا قراءة الآيات لأصابك شر عظيم لكن علينا أن نبدع في الرقية فعل قدر ما نبدع فيها على قدر ما يكفينا الله تعالى شر الحسد.

العوائق التي تحول دون وصول الإنسان إلى العلوم المدفونة في ذاته:

1. نقص في التدريب العقلي والانسان كلّما تعلّم ترقّى عقله ونحن بحاجة لأن نترقّى بعقولنا وقلوبنا كما يترقّى المقاتلون بنفسياتهم حتى يصبح الموت عندهم لا يعني شيئاً.

2. عدم الصمت والخلوة والتأمل.

والآن في كل دول العالم المتحضّر توجد معاهد لابراز واكتشاف طاقات الانسان وتوظيفها توظيفاً علمياً مدروساً.

الخوارق تكون في الإيجابيات والسلبيات ونحن نعرف نوعها من تأثيرها وآثارها وقد أُسيء استعمال الكثير من هذه الخوارق ولهذا أوصانا الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث: " لا تعلموها السفهاء" حتى لا يستعملوها في الشّر كما في قوله تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) الأعراف) وقوله تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الأنبياء).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
rawanheha
رائد
رائد


عدد الرسائل : 259
العمر : 16
تاريخ التسجيل : 02/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الإثنين 6 سبتمبر 2010 - 6:18

جزاكم الله خيرا Razz Razz Razz Razz Razz Razz
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الأحد 12 ديسمبر 2010 - 13:50



حرف الحاء - منظومة حسب

حسب– عدّ – أحصى


هذه هي منظومة الحساب في القرآن الكريم.

حسب: لشيء غير محدود. مبلغ كبير من المال مثلاً لا تعرف كم هو تحسبه حساباً. وحسب للأشياء غير المحدودة وغير المعروفة سلفاً تحسبها لكي تعرف قدرها. وهذه بعض الشواهد القرآنية على استعمال كلمة حسب ومشتقاتها:

v (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) النساء)

v (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) يونس)

v (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)) الأنبياء)

v (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) النور)

v (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) ص)

v (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (Cool الانشقاق)

v (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) الغاشية)

v (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) النبأ)

قال تعالى (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) النبأ) عطاء بغير حساب لأن عطاء الله تعالى كثير ولا يُعدّ عدّاً وإنما هو حساب ولهذا سمّى الله تعالى يوم القيامة بيوم الحساب وليس يوم العدّ لأن الله تعالى أحصى أعمال البشر جميعاً صغيرها وكبيرها وسيحاسبهم عليها يوم القيامة ولن يعدّها لهم فقط (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16) (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)) (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53)) ص) (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) غافر).

عدّ والعدّ: للشيء المعدود والعدّ هو ضمّ الأعداد بعضها إلى بعض. يستعمل الناس مصطلحات معينة للتعبير عن كمية من المال ففي مصر مثلاً يسمون 10 آلاف جنيه بالباكو وفي العراق يسمى الدفتر. إذا كان لديك رزمة من المال ثم قلبتها لكي تتأكد من قيمتها يسمّى عدّاً.

قال تعالى (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) البقرة) والأيام المعدودات معروفة وهي ثلاثة أيام التشريق وليس غيرها، ثلاثة أيام بالعدّ. وكذلك قوله تعالى (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) البقرة) كما قال بنو اسرائيل لأنهم ظنوا أن الله تعالى سيعاقبهم مدة عبادتهم للعجل وهي أربعين يوماً فقط. وفي الآية الثانية قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) آل عمران) هذا ليس تكراراً لكن هذه الآية تختلف عن الآية الأولى فهذه لفريق والأولى لفريق آخر فريق قالوا سيعذبون أربعين يوماً فقط والآخر قال سيعذبون سبعة أيام فقط. ومعدودة هي أكثر من معدودات.

قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) البقرة) عِدّة هو اسم للمعدود وهي الشيء المعدود. والآية معناها أن عليه أياماً بعدد ما فاته من زمان آخر غير زمان شهر رمضان.

وشهر رمضان ثلاثون يوماً هذا عدّ وليس حساباً (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) البقرة). وكل كلمة عدد جاءت في القرآن منضبطة انضباطاً تاماً.

وهذه بعض الآيات التي جاءت فيها كلمة عدّ ومشتقاتها:

v (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) التوبة)

v (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) هود)

v (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) يوسف)

v (وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ابراهيم)

v (فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)) الكهف)

v (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) المؤمنون)

v (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) السجدة)

v ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)) (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) الطلاق).

أحصى وإحصاء: كل معدود لا تعرف قدره يسمى حساباً وكل معدود محدود سلفاً يسمى عدّاً وكل عملية حساب أو عدّ تتناول أدق التفاصيل تسمّى إحصاء. ويستعمل التعداد والاحصاء للسكان فالتعداد السكاني هو الذي يجري للمرة الأولى وفي المرة الثانية يسمى إحصاء فيقال إحصاء سنة كذا وتعداد سنة كذا. والاحصاء السكاني ليس عداً للسكان وحسب وإنما هو معرفة كل إنسان وما هو عمره وعمله وعدد أفراد عائلته وكل التفاصيل الدقيقة المطلوبة. قال تعالى (لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) مريم) لأن الله تعالى يعلم كل واحد من الناس عدّاً وإحصاء بالتفاصيل الكاملة. مثلاً كل منا يعرف كم صلّى ةيمكن أن يحسب عدد الصلوات والركعات التي صلاّها لكن الله تعالى يحصي هذه الصلوات ويعلم كم من الركعات خشعت ويعلم ثوابها وقيمتها وكذلك في الذنوب فالله تعالى يعلم كل ذنب ومقداره وكيف كان العبد عندما أذنب وفي الحديث القدسي عن رب العزة :" إن العبد ليعصيني فيذكرني على الذنب فلا يستغفرني فأغفر له" حتى وهو يذنب الانسان إذا ذكر ربه وعلم أن ما يفعله ذنب سيعاقب عليه لكنه لم يستغفر الله تعالى يغفر الله له بمجرد ذكره وهذا لا يتساوى مع المذنب الذي لا يفكر بذنبه ولا بربه وهو على الذنب. ولهذا قال تعالى (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) المجادلة).

وهذه بعض الآيات التي جاءت فيها كلمة أحصى:

v (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) الكهف)

v (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) النحل)

v (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) يس)

v (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28) الجن)

v (إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20 المزمل)

v (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) النبأ).

علينا جميعاً أن نستعد ليوم الحساب وساعاته الحرجة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه وعلينا أن نعلم أنه ليس بيننا وبين الحساب إلا الموت ولهذا جاءت الآية الكريمة (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) المؤمنون) وهناك أعمال كثيرة منجيات كما وردت في الأحاديث النبوية الشريفة منها سورة تبارك بعد العشاء والواقعة بعد المغرب والدخان ليلة الجمعة والكهف يوم الجمعة وصيام ثلاثة أيام من كل شهر وطاعة الوالدين وبرهما وإخلاص العمل والذِّكر وكثرة الخُطى إلى المساجد ودوام الوضوء وصلة الرحم وصلاة الليل. وهناك أعمال يحبها الله تعالى وهي الآيات التي وردت في القرآن بقوله تعالى (إن الله يحب) مثل التوابين والمتطهرين وغيرهم. وهناك أعمال يضحك لها رب العالمين وإذا ضحك الله تعالى لعبده فإنه يحبه وإذا أحبه لا يعذبه أبدا ومن هذه الأعمال من قام بالليل والناس نيام وقام وهو متعب وترك فراش حبيبه وصلّى ركعات لله تعالى، ومنهم مجاهد بقي في مكانه بعد أن فرّ الباقن من كثرة الضغط عليهم فهربوا إلا واحداً منهم ثبت في موقعه.

وعلينا أن نبتهل إلى الله تعالى أن يوفقنا ويهدينا لنفائس الأعمال (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) المطففين) وعلينا أن نبتعد عن التسويف كما جاء في الحديث الشريف:" إياكم والتسويف فإن الموت يأتي بغتة ولا يغترّنّ أحدكم بحِلم الله" ولنحذر قوله تعالى (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) آل عمران).

وأهم ما ينبغي أن نركّز عليه هي النقاط التالية التي سيسأل عنها العبد يوم الحساب:

v عن عمره فيما أفناه: فإذا أفنى الإنسان ثلثي عمره في العبث فهو في خطر شديد فيجب علينا أن نعرف نسبة العبث والخطايا والذنوب من عمرنا.

v وعلمه فيما عمل به: هل نفع بالعلم الذي معه أم أبقاه لنفسه ولم يفيد به أحداً وهل نافق بعلمه أم كان خالصاً لوجه الله تعالى ولنتذكر الحديث الشريف عن أول من تُسعّر بهم النار يوم القيامة عالم ومُنفق وشهيد. قال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) الاعراف).

v وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه: يُسأل الإنسان عن ماله من أين اكتسبه هل هو حلال أو حرام وفيما أنفقه؟ في طاعة الله وفي الصدقات أو أنفقه على منكرات ومحرمات؟

v وعن جسمه فيما أبلاه: هذا الجسم هل أبلاه بالسهر والمخدرات والمسكرات والزنا والهمّ أو أبلاه في الجهاد والصلاة والعلم النافع وقيام الليل والصوم وهمّ العيال (خاصة للأمهات اللواتي تحملن همّ عيالهن حتى الموت وهذا مما يكفّر الذنوب).

فعلى كل إنسان أن يكون دقيقاً في عمره وعلمه وماله وجسده. ولنعلم أن الله تعالى لو حاسبنا على أعمالنا وحسناتنا لما دخل أحد الجنة لأن نعمة واحدة من نِعم الله تعالى علينا تأخذ كل الحسنات وتزيد ولن يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى كما جاء في الحديث الشريف. وعلينا أن نكون في حياتنا بين الخوف والرجاء فلا نقنط من رحمة الله وعلينا أن نُحسن الظنّ بالله تعالى وفي نفس الوقت نخاف ذنوبنا ونخاف من عذاب الله تعالى ولا نأمن حتى تصير كلتا قدمينا في الجنة كما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه "لو أن أحد رجلي في الجنة والثانية خارجها ما أمنت مكر الله".

والله تعالى وعد كثيراً من عباده بعدم الحساب وهم كل من زادت حسناته على سيئاته لا يُحاسب وهذا لا يكون إلا بالقبلة فلنحرص على الصلاة فهي أساس الدين وهي أول ما يُسأل العبد عنه يوم القيامة وهي التي تستجلب شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم القيامة "وجبت شفاعي لأهل الكبائر من أمتي" وأمتي هم أهل القبلة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الأحد 12 ديسمبر 2010 - 14:04



حرف الحاء - منظومة حزن

الحزن– الضَيْق – الحسرة – الأسف – الابتئاس – الهمّ – الغمّ – النّكد - الأسى

الحزن كلمة تنطوي تحتها عدة كلمات كلها تُشكّل منظومة الحُزن. وهذه الكلمات تُعبّر عن حالة ضد الفرح والسرور والارتياح وكل كلمة ترسم في هذا الباب زاوية دقيقة لا تُغني عنها كلمة أخرى.

الحزن: عندما يغلب على مشاعرك شيء تكرهه وتأسف على ما فات فأنت تحزن وسٌمّيَ حينئذ حزناً، وهو أعمّ وأشمل من أية كلمة (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) طه) (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) القصص) (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) النحل). وينقسم الحزن إلى عدة حالات:

الضَيْق: من الحون ما هو ضيق أي الشعور بعدم تحقيق الهدف. كأن تكون أمامك مهمة أو هدف لكن بعض الظروف والأوضاع أو الأشخاص يحولون بينك وبين تحقيق الهدف فيصيبك ضيق. (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) النحل) (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) النمل).

الحسرة: كانت أمامك فرصة عظيمة سهلة المنال ثم لم تأخذها لتقصير منك أو تخلفك عنها فتشعر بالحسرة. مثال إذا دُعيت لاستلام جائزة عظيمة وطُلِب منك الحضور في موعد محدد لاستلام الجائزة ثم تخلّفت عن الموعد لسبب ما تشعر بالحسرة. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) آل عمران) (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) مريم) (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) يس) (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) الزمر) (وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الحاقة).

الأسف: هو حزن يبعث على الغضب ويثير الحزن في نفسك الغضب وحب الانتقام فمتى كلن ذلك على من دونه انتشر فصار غضباً ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزناً. (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا) (فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) الزخرف) (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) الكهف) (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) يوسف) حزن يعقوب u على يوسف مشوب بالغضب على إخوة يوسف. والأسف هو كل حزن عميق على شيء مهم جداً يثير غضباً.

الابتئاس: هو كل ما كان ناتجاً عن البأساء من فقر أو مرض أو قهر عدو، هذا الحزن يؤدي إلى انهيارك لشدة الفقر أو شدة المرض أو قهر العدو. (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) يوسف) (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) هود) .

الهمّ: مأخوذ من اسم المصدر (المهمة). هو الحزن على عدم قدرتك على مهمة عظيمة ثقيلة عليك حُكم بلاد مثلاً أو أولاد كُثُر ولا يوجد ما تنفقه عليهم أو امتحان صعب والهمّ يُذيب قلب المهموم ويُضعفه ويُذهله لأنه يطول فالحزن قد يكون ساعة والأسف قد يكون يوماً والحسرة قد تكون أياماً أما الهمّ فيطول كهمّ الاولاد من صغرهم حتى يكبروا يتعلموا ويتزوجوا وينجبوا فهمّهم يكول. فالحزن إذا كان من أجل عدم قدرتك على مهمة عظيمة تُحبّها يُسمى همّاً. وجاء في الحديث الشريف "إن من الذنوب ذنوباً لا يغفرها إلا الهمّ للعيال". (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) آل عمران آية 154.

الغمّ: هو الحزن الذي تشعر به وأنت في محنة تظن أنها مُهلِكة أو كُربة لا بد أن تقضي عليك يسمّى غمّاً. مثال ما حصل مع يونس u حينما التقمه الحوت وهو يمشي على شاطئ البحر فظنّ أنه هالك لا محالة فهو في كربة عظيمة ما ظنّ أنه ناجٍ منها فنادى في بطن الحوت (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) الانبياء) فنجّاه الله تعالى من الغمّ. وهكذا على كل من أصابه غمٌ ظنّ أنه لا يستطسع أن ينجو منه فعليه أن يلجأ إلى الله كما فعل ذو النون لأن الله تعالى قال في الآية (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ). وقال تعالى (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) طه) (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) الحج).

النّكد: الحزن الناتج عن خيبة الأمل والنكد هو الذي يكون جُهده لا يأتي إلا بمردود ضعيف جداً. كأن تكون في امتحان تتوقع أن تحصل على درجة ممتازة فتحصل على درجة منخفضة أو تاجر قدّر أن ربحه سيكون كبيراً من تجارته فلم يربح إلا القليل أوالمزارع الذي يتوقع أن يكون محصوله الزراعي عظيماً فيخرج النبات بائساً قليلاً لا يساوي الجهد الذي بذله. قال تعالى (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) الأعراف) والبلد الخبيث هو البلد الذي فيه ظُلم وقلنا سابقاً أن النبات يتأثر بواقع الزُارع وبواقع الحُكم في البلد فالبلد العادل يبارك الله تعالى في زرعه ونباته كما حدث في دولة الإمارات التي أصبح لديها الآن أكثر من 50 مليون نخلة مع أنه ليس لديها أنهار بينما انخفض معدل النخيل في العراق من الظلم الذي ساد هذه البلاد.

وأضيف إلى هذه الكلمات كلمة الأسى والكرب والبثّ وهي كما أظن والله أعلم من ضمن المنظومة

الأسى: وهو الحزن وحقيقته اتباع الفائت بالغمّ يُقال اسيت عليه أسى وأسيت له (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) المائدة) (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) المائدة) (لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الحديد) (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) الأعراف).

الكَرْب: وهو الغمّ الشديد والكُربة كالغُمّة وأصل ذلك من كرب الأرض وهو قلبُها بالحفر فالغمّ يٌثير النفس إذارة ذلك أو من الكَرَب وهو عقد غليظ في رشا الدلو وقد يوصف الغمّ بأنه عقدة على القلب يُقال أكربت الدلو. (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) الأنبياء) و (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) الصافات) (وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) الصافات)

البثّ: بثّ النفس ما انطوى عليه من الغمّ والسِّر يُقال بثثته فانبثّ،. وأصل البثّ التفريق وإثارة الشيء كبثّ الريح للتراب، قال تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يوسف) أي غمِّي الذي يبثّه عن كتمان فهو مصدر في تقدير مفعول أو بمعنى غَمِّي الذي بثّ فكري نحو: تَوَزَّعني الفكر فيكون في معنى الفاعل.

أثر وفلسفة الحزن:

الحزن عموماً شعور فاضل قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث: "إن هذا القرآن أُنزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا" وكان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُرى إلا حزيناً لأن الحزن يعني أن ما حولك ليس كما ترضاه أو تتمناه والحزن قانون بشري وهو يفرض نفسه على الانسان وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في موت ولده ابراهيم "إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا ابراهيم لمحزونون ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا" وهذا هو محل النهي عن الحزن (لا نقول إلا ما يُرضي ربنا) عندما يطلب ربنا تعالى من رسوله أو منا أن لا نحزن فهو لا ينهانا عن الحزن الطبيعي الذي هو قانون البشر وإنما ينهانا عن آثار الحزن السلبي (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) الحج) والنهي عن البكاء ولطم الخدود وشق الجيوب "إن الميت ليُعذّب ببكاء أهله". وكل حزن يؤدي إلى أثر سلبي فهذا هو المنهي عنه لأنه خلاف الصبر والله تعالى بشّر الصابرين (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) البقرة). فالنهي إذن هو أن لا تصل بحزنك الذي هو عبادة عظيمة إلى معصية وقد جاء في الأثر :" الحزين في ظلّ الله يوم القيامة" فالحزن يمكن استغلاله كعبادة عظيمة وهو نوع من تصفية النفس وتجعل المحزون قريباً من الله تعالى.

وقد جعل الله تعالى الحزين مكرّماً ودلّنا الرسول صلى الله عليه وسلم كيف ننجو من الحزن إذا كان شديداً فقد جاء في الحديث الشريف: "ما من عبد أُصيب بحزن وقال اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فيّ حُكمك عدلٌ فيّ قضاؤك أسألك بأسمائك الحسنى كلها وبكل اسم هو لك سميّت به نفسك أو علّمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي وجلاء حزني وذهاب غمّي إلا أبدل الله حزنه فرحا وكشف الله كربه" وقال الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا الحديث :" من سمعه فليتعلّمه" أي فليحفظه.

إن الله تعالى عندما جعل القوانين تجري على البشرية من فرح وشقاء ونصر وهزيمة وسعادة وحزن جعلها وفق منظومة دقيقة من حيث التطبيق العملي الذي يكون في محيط المشروع وفي محيط التحضّر الإنساني العظيم الذي كرّم الله تعالى به بني آدم وهذا الانسان المكرّم في سلوكياته أرسله الله تعالى بعد أن نفخ فيه تعالى من روحه ولا يليق بالانسان أن يتدنّى به إلى مرحلة الحيوانية.

والحزن فرصة للحزين أن لا يُبقي الله عزّ وجلّ عليه ذنباً كما في الحديث " إن العبد لتسبق له المزلة عند الله فلا يبلغها بعمله فيسلّط الله تعالى عليه الهمّ والحزن فيبلغها بذلك" وليس عيثاً أن الحزين في ظلّ الله تعالى يوم القيامة. والحزن هو من المصائب التي قد تعمي العيون كما حصل مع يعقوب عليه السلام (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) يوسف) الذي كتم حزنه بدون شكوى فقال (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)) لكنه أوكل أمره إلى الله تعالى وهكذا يجب على المحزون أو يوكل أمره إلى ربه تعالى ويقترب بحزنه من الله تعالى فيتكفّل سبحانه بما أنت حزين من أجله وكل من أصابته مصيبة فقال (إنا لله وإنا إليه راجعون) فإن الله تعالى يجعله في مرحلة (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) البقرة) وكلما تذكّر مصيبته فاسترجع كما فعل في أول يوم يعطيه الله تعالى مثلما أعطاه في المرة الأولى من رفعة درجة ومفغرة ذنب .

وهناك الحُزن والحَزَن والبعض يقول الثانية هي من أدوات الحُزن لكن هذا الكلام ليس منضبطاً إنما الحُزن والحَزَن لغة واحدة فيما عدا أن الحَزَن هو حزن لا يذهب (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) فاطر) (فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (Cool القصص) ففرعون بقي للنهاية وموسى له عدو وحَزَن.

الحسرة: هذه أعجوبة العجائب وهي أن تتاح لك فرصة هائلة ثم تفقدها بشكل نهائي لا رجاء بالعودة إليها لكنك ضيّعتها بشكل يدل على حُمق وسوء حظ. كل شيء في حياتك له قيمة عالية مادية أو معنوية تفقده بشكل نهائي بسبب تافه يورثك حسرة كما أصاب سيدنا يعقوب u فهو كان يعلم أن إخوة يوسف يغارون منه ويحقدون عليه ومع هذا سمح لهم بأن يأخذوه ووصى أولاده بأن ينتبهوا له وهو غير مطمئن (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)) فكيف فرّط بيوسف وحصل ما حصل فقال (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) والحسرة في الدنيا كثيرة مثل فوات منصب أو جائزة أو زواج من امرأة معينة كلها ضاعت بسبب تصرف سخيف لكن حسرات الدنيا فانية لكن المصيبة الكبرى هي الحسرة يوم القيامة وهي التي لا علاج لها وهي تقطع الأكباد ولذلك سمّى تعالى يوم القايمة بيوم التغابن لأن الإنسان يشعر يومها بأنه مغبون غبِن نفسه فسيصاب بالحسرة بحيث ضاعت عليه المكانة في جنة الخلد وفي الحديث الشريف:" لا يتحسّر أهل الجنة إلا على ساعة لم يذكروا فيها اسم الله عزّ وجلّ" يتحسرون لما يروه من نعيم من ذكر الله دائماً ويتمنون لو أنهم ذكروا ربهم أكثر في الدنيا لينعموا بهذا العطاء وتلك المكانة العالية في الجنة. والذكر من أعظم العبادات والأذكار المأثورة الواردة علينا أن نتمسك بها منها أذكار بعد الصلاة وعند سماع المؤذن وعند الدخول والخروج من البيت وعند الأكل واللبس ونزول المطر وغيرها من الأذكار المأثورة ومن سمع المؤذن فقال بعد قوله أشهد أن لا إله إلا الله : وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت رضيت بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد نبياً فليس بينه وبين الجنة إلا أن يموت". وفي الحديث " ذهب الذّاكرون بكل خير يضع الذكر عنهم أوزارهم" "أحبُّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ" والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ومن حسرة المسلم أيضاً يوم القيامة من لم يحفظ البقرة وقد كان قادراً عليها في الدنيا لشدة ما سيرى من عطاء الله تعالى لحافظ البقرة كما في الحديث "البقرة أخذها بركة وتركها حسرة" وحسرات أهل الجنة تنطلق من اهمالنا لكل ما يُحبّه الله تعالى كالذاكرين والمتطهرين والتضرع والتوابين والدعاء فهذه عبادات سهلة جداً وأن يكون الانسان على وضوء دائم طيلة يومه وأن يذكر الله تعالى بالأذكار المأثورة هذه العبادات السهلة إن قصّرنا فيها ستكون علينا حسرة يوم القيامة لأننا فرّطنا فيها.

أما الحسرة العظمى فهي حسرة دخول النار (وأنذرهم يوم الحسرة) يتحسّر الكافر على ما أشرك بالله من شركاء وأنكر الخالق وهو في قرارة نفسه كان على علم بأن لهذا الكون خالق واحد (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) النمل) لغبائه وعدم مسؤوليته أشرك بالله وسيصاب يوم القيامة بالحسرة الكبرى العظيمة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
HAFSA
عقيد
عقيد


عدد الرسائل : 515
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 06/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الأحد 12 ديسمبر 2010 - 23:39

سبحان الله العظيم
تبارك الذى نزل القرآن معجزا وتحدى العرب الفصحاء ببلاغته
فهذه الكلمات ومعانيها من أوجه الإعجاز اللغوى فى القرآن

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الأربعاء 7 سبتمبر 2011 - 14:00



حرف الحاء - منظومة حَرِيَ

تحرّي– استخبار – تبيّن – تحقق – تجسس – تحسس – توسّم - القصّ والقصص – تنقيب


هذه الكلمات كلها تدخل قي منظومة كشف الغيب وطرق الحصول على معلومات.

الغيب غيبان: غيب يختص الله تعالى به أو يعلّمه من أراد من رسله (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) الجن) (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) لقمان) هذه الغيببيات الخمس من اختصاص الله تعالى وحده أو يعلّمه رسوله كما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن غيبيات علّمه إياها ربه تعالى فأخبرنا بما يجري في الدنيا. والغيب الثاني هو غيب إنساني وهو كل ما غاب عنك وما لا تراه ولا تعرف عنه شيئاً وهذا الغيب يتقلص من جيل إلى جيل فالبترول مثلاً كان غيباً عن السابقين ثم أصبح مشاهداً وكذلك أخبار الأمم السابقة التي ذكرها تعالى في القرآن الكريم (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) الأنفال) (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) هود) (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) آل عمران) وما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم أصبح مشاهداً منه إخباره بحصار العراق وبقتل العلماء في أحاديث "لا تقوم الساعة حتى.." مثل:"لا تقوم الساعة حتى يكون الروم أشد الناس عليكم" "لا تقوم الساعة حتى يتحدث رجل في المشرق يسمعه من في المغرب" وهذا أصبح مشاهداً الآن وكان غيباً فيما مضى.

وهذه المنظومة تهيب بنا وتستفزنا وتطلب منا أن نسعى لاكتشاف الغيب سواء كان علماً أو آثاراً أو معادن أو أشخاص ضاعوا أو أشياء فقدناها. وكل حركة الكون تقوم على كشف الغيب عن شيء لا بد أن نعرفه لأنه بمعرفته دفع لشرّ أو كسب لخير. وهذه المنظومة هي منظومة البحث عن ما غاب عنك بطرق مختلفة حسب الشيء المطلوب وأصلها أحكام لفرد بمعنى أن التحري كان منفرداً وشخص واحد يقوم به وعلى مرّ الزمان أصبح عمل مؤسسات ودوائر عظيمة. وهذه المنظومة تؤثر بالناس شقاء وسعادة، سلاماً وحربا والعالم كله اليوم يقوم على هذه الدوائر التي تتحارب فيما بينها بالمعلومات والتحريات والمعارف وغيرها.

وهذه المنظومة تحقق هدفان إما أن تجلب نفعاً كأسولق جديدة واكتشافات جديدة وإما أن تدفع شراً وهذه المؤسسات مُطالبة اليوم بأن تكون دروع الأمة فلو كنت ضعيفاً لا تستطيع التقدم فهذه الأجهزة يجب أن تدفع عنك على الأقل الشر والضرر من العدو وعلى كل دولة الاهتمام بهذه الأجهزة اهتماماً عظيماً.

حَرِيَ: التحري هو أن تتناول الأمر من جانبه اي سراً بمعنى تأخذ الحَرَى أي الجانب بدون أن يشعر بك أحد (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) الجن) لم يعرفوا من مرة واحدة ولكنهم مرّوا بتجارب عديدة كما تحرى ابراهيم عليه السلام حتى بلغ إلى الرشد تحرى الكوكب والقمر والشمس وعبادة عمّه للأصنام فأدّى به التحري إلى الرُشد وهو أرقى أنواع التفكير العقلي (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) الأنبياء). وهناك طريقتان للتحري إما عن طريق التجارب تجربة تلو الأخرى كما فعل ابراهيم عليه السلام حتى وصل إلى الحقيقة والحقّ، والطريقة الثانية هي استعمال الشكّ حتى يؤدي إلى اليقين كما في قصة ابراهيم عليه السلام في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) البقرة) فالتحري يوصل إلى اليقين والذي يؤمن بالدين يكون بعد يقينه بهذا الدين أنه هو الدين الصحيح.

الاستخبار: هو أن تكشف خطط العدو وتعرف تصرفاته من بعيد كما فعل الهدهد مع ملكة سبأ (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) النمل) (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) التوبة). والخبر يكون من قريب أما الاستخباروالنبأ فيكون من بعيد.

التبيّن: هو المراقبة من بعيد أو التغلغل في صفوف الآخرين لمعرفة صدق الخبر لأنه لا بُدّ من التيقن من صحة الخبر أو كذبه كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) الحجرات) بمعنى اُطلب البيان وهو تفصيل كامل من الذي نقل الخبر.

التحقيق: هو كشف مدى صدق الدعوة وهو يختلف عن التبيّن الذي هو كما أسلفنا يكون لكشف صدق الخبر. وفي الإسلام علم عظيم هو علم التحقيق لإثبات احاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُقال أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع حديثاً من أبي هريرة فخزنه عاماً ثم سأل أبا هريرة عنه فرواه عليه بنفس لفظه الأول فقال له عمر لو كنتَ أخطأت لدلّ على كذِبك. والفرق بين التبيين والتحقيق أنك في الأول تجعل صاحب الخبر يبيّن ويٌبين أما في الآخر فأنت تجعل صاحب الدعوة يأتي ببرهان على صحة دعوته. قال تعالى (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) البقرة) طلب تعالى منهم أن يأتوه بالبرهان على صدق دعواهم تلك. إذن على صاحب الخبر أن يبيّن عما قال بالتفصيل وعلى صاحب الدعوة أن يبرهن عن دعواه لادليل.

التحسس: هو معرفة مكان شسء أو شخص غائب أو مفقود ولا بد من الانظلاق بالحركة للسؤال عن هذا الغائب أو المفقود في محاولة لإيجاده ولا بد من استعمال كافة الحواس حتى تجعل المفقود أو الغائب مُشاهَداً كما في قوله تعالى في سورة يوسف (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)) .

والفرق بين التحسس والتجسسس أن التحسس يكون للصديق أو إذا ضاع منك كنز أو ولد أو معلومات والتحسس يكون عادة لمصلحتك أما التجسس فهو محاولة اكتشاف غيب العدو وحركاته وخططه ويكون ذلك عن طريق استراق السمع ونشر العيون وهذا يكون لمصلحة الآخرين. والتحسس والتجسس محاولة اكتشاف الغيب. والتجسس إن كان على العدو فهو من التجسس الإيجابي وهو فضيلة كما فعل الهدهد في قصة سبأ، لأنه قد يدفع شر العدو ويُفشِل خططه أو قد يُعين على مهاجمته أما التجسس على المسلمين فهذا من التجسس السلبي المذموم الذي نهى الله تعالى عنه في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) الحجرات) ونهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم "لا تحسسوا ولا تجسسوا" وهذا من خائنة الأعين. وقد تجسس عمر مرة على شاربي خمر فحاججوه فاعتذر منهم.

القصّ والقَصص: هذه كانت موهبة وأصبحت الآن علماً قائماً بذاته. وقد كان السابقون يقصون آثار الناس ويتعرفون على آثار شخص ما من بين آلآف الأثار وكان هذا العلم يسمى (قص الأثر) أما الآن فلدينا بصمة الأصابع وبصمة الصوت والشفرة الوراثية وبصمة الشعر والعين وغيرها وهذه كلها تطوير لعلم القصّ حتى أن الكلاب الآن تستخدم لتقصي الأثر. قال تعالى (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) القصص) و (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64) الكهف) اتبعوا آثارهم حتى وصلوا إلى المكان المُراد.

التوسّم: وهو من اللامعقول كالقصّ سابقاً. فالله تعالى يعطي من يشاء من عباده بصيرة عظيمة كأنه يكتشف ما وراء الحُجُب فيرى ما لا يراه أحد وهو ناجم في الغالب عن طاعة (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) الحجر) كما في قصة الخضر كشف الله تعالى له أن الغلام سيكون شقياً وكذلك قصة عمر بن الخطاب (سارية الجبل) والتوسم من الفراسة ومن ضمنها أيضاً الرؤية الصالحة "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله".

التنقيب: هو البحث عن الشيء الثمين في موقع معين. أو البحث عن طريق سريّ يهرب منه (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) ق).

هذه جملة الأساليب التي يكتشف بها الإنسان الغيب فيصبح مُشاهداً وهي أساس حركة الكون كله من البحث عن المعادن والخصب والمرض والمجرمين وكل الاكتشافات.

وقد أمرنا الله تعالى أن نتخذ من هذه الكلمات سواء كنا أفراداً أو أجهزة ما يمكننا من منع الأذى عن أنفسنا والوقاية من الشرّ القادم ووعدنا أن لا نُفنى بما في هذه الأمة من علماء وأجهزة كما جاء في الحديث الشريف :" وعدني ربي أن لا يسلّط على أمتي من يستبيح بيضتها من سوى أنفسها" ويُشترط في هذه الأجهزة أن تكون سلاحاً ذو حدين ويجب أن نتعلم ونأخذ العبرة من قصة الهدهد في القرآن الكريم لأن فيها صفات الاستخباري الناجح وهذه الصفات هي:

> الانتماء إلى الوطن انتماء شديداً لا شك فيه والولاء المطلق عقائدياً وعاطفياً. فالهدهد لا يغادر وطنه وأهله وفيه عاطفة على أسرته فيموت حنيناً إلى أهله إذا غاب عنه طفله أو أُنثاه فهو عاشق مثالي وكذلك على صاحب المخابرات أن يكون عاشقاً لوطنه عشقاً كاملاً.

> ضورة الإلمام بلغة العدو ومعرفتها معرفة كاملة وأن يكون صاحب المخابرات عالماً بلغة الدولة التي تستخبر عنها وتعرف آدابها وأحكامها وإشاراتها.

> أن يتمتع بالسريّة التامة الكاملة.

> أن يكون سريع الاستيعاب

> أن يكون تحت أنظار رئيس الدولة كما فعل سليمان مع الهدهد لم يأخذ منه الخبر مباشرة بل امتحنه ليُثبت حقيقة ما نقله إليه. وكم نحن بأمس الحاجة إلى هذا التحقيق الآن وسجوننا ممتلئة بمن سجنوا من أكثر من ثلاثين عاماً على نكتة قالوها أو كلمة تفوهوا بها وقد لا تكون حقيقة أصلاً فيجب أن تُمحّص الأخبار جيداً وعلى الأمة أن تعيد النظر في مهام هذه الأجهزة وأن توجهها لاكتشاف مصادر الثروة وكف الأذى والتصالح مع الناس وأن تعمل خارج نطاق حدود الدولة وأن تكون لخدمة الشعب وليس ضده فعلى هذه الأجهزة أن تكون سلاح الأمة فترفع عنها الأذى فإن لم يكن لنا جيوش تُقاتل فيجب أن يكون لنا عقول تدافع وتخطط وتدفع الشر وتناور.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الأربعاء 7 سبتمبر 2011 - 14:00


كل عام وأنتم بخير وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الأربعاء 7 سبتمبر 2011 - 14:19



حرف الحاء - منظومة حَرَق


الحَرْق– اللّفح – اللّوح – الكيّ – الشَيّ – الصِّلاء – النّزع - الكّلح – الصّهر - السّجر


هذه الكلمات كلها تدخل قي منظومة أعمال النار يوم القيامة.

اللّفح: اللفح هو الوهج الذي يُصيب ظاهر الجلد من النّار. عندما تمر النار فإن وهجها يصيب البشرة من الخارج. قال تعالى (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) المؤمنون).

اللّوح: هو أثر من آثار اللفح أي يصير الجلد ملوّحاً أي حائلاً إلى لون آخر (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) المدّثّر) وقال تعالى (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) الزمر) وجوههم مسودة من شِدّة اللفح. والنفح عكسه النفخ وهو نوع آخر من العذاب في جهنم وهو عذاب بالبرد والزمهرير وهذا لا يدخل في منظومتنا هذه (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) الأنبياء).

الكيّ: وهو الحرق بشيء محمي من حديد أو ما شابه يُكوى به المكان المعيّن لوَسْمه. والكيّ يُستعمل يوم القيامة لتمييز المعذَّب كالمنافق والمُرابي والسارق والقاتل والمُشرك كما توسم البهائم ليُعرف مالكها، فيوم القيامة يوسم كل مجرم بوسم معين عن طريق الكيّ فيُعرَف ما ذنبه وما هو جُرمه (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) التوبة).

الشَيّ: وهو الشي بالحرارة فقط وليس على اللهب أو الجمر وإنما هو على حرّ اللهب والجمر. يوضع الشيء في مكان يأتيه حرّ النار من بعيد فيُشوى وينضج كما يشوى العِجل (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) الكهف).

الصِّلاء: وهو الشيّ باللهب والجمر وهذه نار خاصة بالمشركين كما في قوله تعالى (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الليل) (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) النساء) (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) النساء) (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) ص) ولا يدخلها الموحّدون.

النّزع: تنزع أطراف الإنسان يداه وذقنه وأصابعه . من ضمن أعمال النار أنها تتناثر أعضاء الإنسان. (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) المعارج) والشوى هي أعضاء الإنسان.

الحَرق: يوضع الإنسان على الجمر حتى يتلاشى المحروق من شدة حرارة الجمر (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) الأنبياء).

الكَلْح: من آثار النار يوم القيامة أن تتقلص الشّفَة العليا حتى تصل إلى الرأس والشفة السفلى تندلق حتى تصل إلى أسفل الذقن فتقسو الشفتان وتبرز الأسنان ويبدو الهلع والعبوس من شدة الألم على سُحنة الإنسان المعذّب وهذا المنظر المخيف من آثار النار يوم القيامة وهو منظر بشع مخيف في غاية القُبح (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) المؤمنون).

الصّهر: هو أن يستمر الحرق بالماء الحار أو المواد الشديدة الحرارة (غسّاق، غسلين) فلا يبقى إلا العظم يُصهر الجلد واللحم ثم يعود وينسلخ اللحم عن العظم وهكذا عملية مستمرة (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) الحج). والفرق بين الصهر في الدنيا (في حالات التعذيب في بعض السجون) أن المعذّب يموت أما في الآخرة فليس هناك موت وإنما يستمر العذاب وكلما تلاشى اللحم وانصهر عاد من جديد لتتكرر العملية وهذا أشد من عذاب الدنيا بكثير.

السّجر: هو إشعال النار في الشخص كما يفعل بعض الناس الآن الذي يعترضون على أمر ما فيُشعلون النار في أجسادهم. ومن العذاب يوم القيامة أن يُسجر الناس كل يوم (فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) غافر).

وأضيف إلى هذه المجموعة الكلمات التالية التي أظنّ والله أعلم أنها تدخل في منظومة عمل النار يوم القيامة:

المسّ (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (80) البقرة)

العَرْض (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) هود) (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)غافر)

الغشية (سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ (50) ابراهيم)

الاطلاع (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) الهمزة)

هذه منظومة عمل النار يوم القيامة وليس بوسع العقل البشري أن يُلِمّ بما سيحصل يوم القيامة لأن ما سيجري يومها لا تدركه قوانين عقولنا البشرية لأن قوانين عقولنا في الدنيا مخلوقة لإدراك أمور الدنيا فقط وقضاياها البسيطة حتى إذا مات الإنسان كشف الله تعالى عنه غطاءه ليُبصر (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ق). ومن ما لا يمكن أن ندركه بعقولنا أن النار يوم القيامة سوداء كالحة أما نار الدنيا فحمراء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم يصف نار الآخرة أُوقد عليها ألف عام حتى ابيضّت ثم أوقد عليها ألف عام حتى احمرّت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودّت فهي سوداء مُظلمة. وكل شرارة فيها سوداء مظلمة قاتمة السواد وعظيمة كالقصر العظيم (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) المرسلات). النار يوم القيامة عبارة عن كوكب كامل وعالم كامل مقابل الجِنان وكما أن الجِنان متعددة فالنار متعددة أيضاً وفيها وديان وجبال وصحارى وأنهار وقارات كاملة باردة فيُعذّب بعض أهل النار بالبرد (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) الأنبياء). والخلايا في الآخرة حيّة وكل شيء ينطق (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (Cool الملك) (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) ق). فالكرة الأرضية كانت ملتهبة عندما انفصلت من القمر وبقيت كذلك ملايين السنين وكان يسكتها الجنّ الذين خُلِقوا من نار وعندما بردت الأرض خلق الله تعالى الإنسان عليها وقد هيّأ سبحانه وتعالى أهل النار للنار وهيّأ أهل الجنة للجنة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أهل النار لا يتعاظمون" أما أهل الجنّة فيتعاظمون بشكل جميل فاتن وهذا من نِعَم الله تعالى عليهم. "ما بين كتفي الرجل في النار مسيرة ثلاثة أيام للمسرع" "سِنُّ أهل النار بقدر جبل أُحُد" ومن هذه الأحاديث تخلُصً إلى أن لا نُتعِب أنفسنا لإدراك حقيقة ما سيجري يوم القيامة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو جِيء بأسعد رجل في الدنيا ثم أُخِذ حتى شمّ رائحة النار فيُقال له هل رأيت نعيماً قطّ فيقول لا، ولو جيء بأشقى رجل في الدنيا ثم أُخذ ختى شم رائحة الجنة فيُقال له هل رأيت بؤساً قطّ فيقول لا"

فمجرّد رائحة النار تُنسي الإنسان كا نعيم ذاقه في الدنيا ومجرّد رائحة الجنة تُنسي الإنسان كل شقاء وبؤس عاناه.

النّار بأشكالها وأنواعها ودركاتها أُعدّت للكافرين (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) النساء) والنار في الآخرة تتفاوت كما يتفاوت العقاب في الدنيا فهناك من يُسجن ليوم واحد ومنهم من يُسجن لأشهر أو أعوام ومنهم من يُحكم عليه بأحكام شاقة وغيره فالعذاب يكون بحسب الجريمة والذنب وكذلك في الآخرة. وفي الحديث الشريف :" إن أخفّ الناس عذاباً في الآخرة توضع جمرة تحت قدمه يغلي منها دماغه" فالنار يجب أن تكون زاجرة رادعة عن ارتكاب المعاصي والكبائر والإصرار عليها ولهذا فتح الله تعالى باب التوبة فلا نار مع التوبة. والصلي في الآخرة خاص بغير الموحّدين مصداقاً لقوله تعالى . لكن هذا لا يعني أن من الموحدوين من يعذّب بالنار كما جاء في الكتاب والسُنّة "يُعذّب قوم من أهل التوحيد بالنار حتى يكونوا حِمماً ثم يُعادوا" "إذا كذب كفر وإذا كفر فجر وإذا فجر دخل النار" وللأسف أن أهل التوحيد يُعذّبون بجرائم كان من الممكن التوبة عنها في الدنيا فالشقيّ هو الذي يذهب إلى النار برجليه وقد جاء في الحديث الشريف :" لا يدخل النار إلا شقي".

ومن الأعمال التي تُدخل النار:

· عدم أداء الصلاة كما في قوله تعالى (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) المدثّر) وقوله تعالى (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) مريم).

· ومن ضمنها الغمز واللمز وأن نُعيب على الناس فمن كان هذا ديدنه ولم يتب إلى الله تعالى ويستغفر ويعتذر من الذين غمزهم أو عابهم فهو من أهل النار.

· من المهذبين في النار القُرّاء العلماء المُراءون المنافقون الذين يشتغلون بالدين مراءآة للناس ولا يخلصون عملهم لله تعالى وإنما يفعلونه سُمعة ورياء "حديث أول من تُسعّر بهم النار عالم ومُنفِق وشهيد" فهؤلاء يكون هتافهم في الآخرة (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) الشعراء). فالرياء مصيبة المصائب ولهم في الآخرة جُبٌّ فيه من المياه الآسنة والحيوانات يُسمّى جُبُ الحُزن.

· من المعذبين في النار الظَلَمة " من غَلَبَ جوره على عدله فله النار" وهذا من رحمة رب العالمين الذي يعلم أن الإنسان يمر بساعة ظلم والظلم من قوانين البشر وهناك فرق بين أن يظلم الإنسان مرة أو مرتين وبين من أصبح ديدنه الظلم. في الحديث الشريف:" إن امرأة دخلت النار في هِرّة حبسَتها".

· العاقّ لوالديه ولساحر وقاتل النفس والمرابي والذين يتخوّضون في مال الله بغير حق سواء كان مال الزكاة يضعه في غير مكانه أو يسرقه أو مالاً عاماً أي مال الشعب وهذا هو الغلول وهو اللعب بأموال الله تعالى (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) آل عمران).

· "من أهل النار الجبارون المتكبرون"

· من حلف في المدينة المنورة يميناً كاذبة كما في الحديث الشريف :" ما من عبد أو أمَةٍ يحلِف عند هذا المنبر على يمين آثمة ولوعلى سِواك رطْب إلا وجبت له النار".

· من أهل النار إنسان حيثما ذهب أثنى الناس عليه شرّاً " من أهل النار من ملأ أُذنيه من ثناء الناس عليه شرّاً" أو الذي يمتهن مهناً حقيرة مالراقصة والبغيّ والمُرابي .

· من أهل النار من لا يحبهم الله تعالى فهناك شرائح من الخلق لا يحبهم الله تعالى كما جاء ذكرهم في القرآن الكريم (المعتدين، كفّار أثيم، الظالمين، مختالاً فخورا، خوّاناً أثيما، المسرفين، المستكبرين) وعلينا أن نبتعد هن كل ما لا يحبه الله تعالى ورسوله .

· عندما خلق الله تعالى الجنة قال: وعزّتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل ولا قاطع رحِم. (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24) الحديد)

كيف نتّقي النار؟

· أن نكون ممن جاء وصفهم في أوائل سورة البقرة (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)) فعلى كل مسلم أن يقيس نفسه بهذه الصفات ويحرص على أن لا ينقص منها شرط واحد. وهذه الصفات هي: الإيمان بالغيب، إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، الإيمان بالكتاب والإيمان بالآخرة وهذه الصفات هي الأساس لما بعدها.

· الدعاء: كل الأنبياء كانوا يكثرون من الدعاء لله تعالى بأن يقيهم النار كما جاء في القرآن الكريم (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) آل عمران) (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) البقرة) (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) آل عمران) ومن قال : اللهم أجرني من عذاب النار سبع مرات بعد صلاة الصبح وصلاة المغرب تقول النار يا رب إن عبدك فلاناً استجار بك مني فأجِره فربّ العالمين يُجيره منها. وقد امتدح الله تعالى الكثير من الصالحين الذين يتعوّذون من النّار.

· الشهادة: إذا شهد عليك بعد موتك مجموعة من الناس إنك على خير فأنت على خير على ما كان منك من سوء (حديث وجبت وجبت وجبت) فالناس شهداء على الأرض (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) الحج). " من صلّى عليه أربعون إنساناً شهدوا له بالخير فهو على خير" وحديث من شهد له سبعة من جيرانه.

· الاستغفار: هو أعجوبة العجائب وفي الحديث الشريف:" من سرّه أن يرى صحيفته يوم القيامة فليُكثر من الاستغفار".

· الصدقة: "مل امرئ في ظِلّ صدقته يوم القيامة" "اتقوا النار ولو بشِقّ تمرة" "الصدقة تُطفئ غضب الربّ".

· "عينان لا تمسّهما النار عين بكت من خشية الله وعين سهرت تحرس في سبيل الله" والعين الساهرة هي عين الشرطة والطبيب والعالم وحافظ القرآن وكل من سهر في عمل من أعمال الخير. وعين لا تمسّها النار عين غُضّت عن محارم الله.

· التوحيد: "من قال لا إله إلا الله مُصدّقاً بها قلبه لا تطعمه النار" وكلمة التوحيد ليست مجرد كلمة وإنما على كل مسلم أن يؤدي حقّها.

· "لا تمس النار مسلماً رآني أو رأى من رآني" حديث شريف.

· شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي تمنع الإنسان من دخول النار أو تُخرِج البعض من النار بشروط معيّنة وفي الحديث الشريف:" شفاعتي وجبت لأهل الكبائر من أمّتي" وأمّتي هم أهل القِبلة فلا بد أن يكون المسلم من أهل القبلة حتى تحِلّ له شفاعة النبي صلى الله عليه وسلّم وعليه فلبيادر كل تارك للصلاة ويبدأ ويحافط على صلاته حتى تشمله شفاعة المصطفى إن كان من أهل الكبائر ومات وهو مُصرٌ عليها.

· "إن الله قد حرّم على النار كل هيّن ليّن سهل" كالانسان المسامح البسيط السهل الذي يُحبّ كل الناس

· "ثلاث من كُنّ فيه حُرّم على النار وحُرّمت النار عليه: إيمان بالله وحُبّ الله وأن يُلقى في النار فيُحرَق أحبُّ إليه من أن يرجع في الكُفر"

وحتى نكون ممن لا يقربون النار أو يُعذّب بها علينا أن نبحث في كتاب الله عن كل الآيات التي يقول فيها المولى عزّ وجلّ (إن الله يُحبّ) ونحاول أن نكون منهم كالتوابين الذين يُكثرون الاستغفار والمتطهرين الذين يحافظون على الطهارة ويداومون على الوضوء ومن لزِم الوضوء والطهور طيلة يومه فقد بريء من النفاق، والمقسطين الذين يعدلون في كل شيء ومع كل الناس، والمحسنين وأصحاب الخُلُق الحسن لأن معظم الأعمال التي تُدخِل الجنة هي الأخلاق فهذا باب من أبواب دخول الجنّة.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الخميس 8 سبتمبر 2011 - 11:15



حرف الحاء - منظومة حَرَض


حرض– بور – زبد – غُثاء – هباء – هشيم – سراب - سُدى


هذه الكلمات كلها تدخل قي منظومة اللاشيء وهي تعني أن هناك في كتاب الله تعالى تعبيرات تدل على اللاشيء بمعنى أن شيئاً كان له وجود وأثر ووظيفة أو تأثير ثم لم يعد له أي قيمة أو نفع أو اعتبار ولم يعد يحرُص عليه أحد حتى صار لا شيء .

حَرَض: الحرض هو الانسان اللاشيء الذي بلغ من الضعف والهزال والكِبَر حتى لم يعد يطيقه أحد او يلتفت اليه أحد ولم يعد له وظيفة ولا قوة ما عدا نفساً. انسان هو والموت سواء بسواء الا انه يتنفّس. قال تعالى في سورة يوسف (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)).

بور: الشيء الكاسد الذي لا يريده أحد. قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) فاطر)، (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) الفرقان) وقال تعالى (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) الفتح) أي قوماً لا قيمة لكم وليس لكم صفة من علم أو خُلُق وليس هناك من يعترف بكم أو ينتمي إليكم. لا أخلاق ولا علم ولا فضيلة وليس هناك من يحرص على الانتماء إليكم.

زَبَد: الزبد هو النسيم الأبيض الذي يحمله السيل سواء في القِدْر أو النهر. عندما يغلي القدر يظهر الزبد عليه وكذلك السيل والزبد لا قيمة له ولا يُنتفع به في شيء ولا يُمتلك ولا يمكن أن يُوصف بوصف وإنما يُلقي به الماء جانباً فيتلاشى وليس له وجود تُلقي به الأمواج خارج النهر أو الحوض ثم يتلاشى. قال تعالى (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) الرعد) جُفاء أي بعيداً مُلقى على حافة النهر.

غثاء: ما يطفح من السيل من النباتات الصغيرة التي يجرفها تكاد تغطي سطح الماء وربما يتوهم أنها شيء لكنها في الحقيقة لا قيمة لها ولا يُنتفع بها. قال تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) المؤمنون) وقال تعالى (فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى (5) الأعلى)

هباء: هو ذرّات التراب التي لا تُرى بالعين المجردة وإنما تُرى عندما تُسلّط عليها أشعة الشمس وهي ذرات هزيلة دقيقة. قال تعالى (فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) الواقعة) وقال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) الفرقان) فعمل الكافرون والمُراؤون يُحبط مهما عظُم فيجعله الله تعالى كالهباء المنثور هزيل دقيق لا قيمة له.

هشيم: هو النبات اليابس عندما يتكسّر إلى أجزاء صغيرة فيصبح بلا قيمة ولا يُنتفع به بشيء حتى لو كان جبلاً من الهشيم تهُبّ عليه الريح فيتلاشى. قال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) القمر).

سراب: هو الماء الوهمي الذي تراه على الطريق من خداع العين كأن ترى ماء في الصحراء وكلما اقتربت منه تجده شيء وليس له قيمة ولا تأثير له وهو من التفاهة بمكان فهو لا شيء. قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) النور).

سُدى: كل بيت من البيوت فيه زاوية يوضع فيها أشياء لا قيمة لها من أثاث أو ملابس أصبحت بالية أو مهشّمة ولم يعد لها قيمة أو وظيفة ويحاول أهل البيت أن يتخلصوا منها. مثال كرسي مكسور لا يمكن أن يُستعمل للجلوس أبداً ولم يعد يتعلق به أي وظيفة. وكل شيء كان له وظيفة ثم لم يعد كذلك يُسمّى سدى. والانسان لن يكون سُدى إلا إن وصل إلى جهنم فيكون حطبها وقبل جهنم كان هذا الانسان مسؤول ويُحاسب. قال تعالى (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36) القيامة).

وقد يدخل في هذه المنظومة كلمة خاوية كما في قوله تعالى (كأنهم أعجاز نخل خاوية).

وهذه الحلقة تقوم على محورين أولهما بيان كيفية استعنال القرآن الكريم لكلمات هذه المنظومة كما أوضحناها فيما تقدّم ، والمحور الثاني هو بيان كيف أن قبل يوم القيامة ستكون هذه الحياة لا شيء وكيف ستككون نهاية الدنيا والبشر.

قال تعالى في سورة الرعد ((أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)) ، الحق والباطل أي الوهم والحقيقة. هذه الآية تشير إلى قانون من قوانين الدنيا يقوم على امتزاج الحق والباطل بشكل دوري ثم تأتي قوة تفرز الحق من الباطل فترة من الزمن ثم يعودان فيمتزجان ثم ينفصلان بحركة دورية إلى قيام الساعة. كل ما في هذا الكون من أحياء ونباتات ينطبق عليه هذا الأمر فالبناء مثلاً لا بد أن يختلط معه الخراب وبقايا البناء وأكياس من القاذورات وفلا بد من فصلهما فتذهب البقايا إلى مكانها والبناء الجميل وحده. وكذل عملية الزراعة لا بد أن يختلط الزرع مع بعضه فيأتي الفلاح فيفرز الجيد من الرديء ثم يعودان فيختلطان ثم يفصل بينهما وهكذا إلى أن تموت الأشجار. حتى عملية الطبخ يتختلط فيها الطبخ الجيد ولا بد من وجود بقايا تُرمى ثم عند الأكل لا بد أن يبقى في الاطباق من العظام وبايا الطعام ما يحتاج إلى الفرز فتُرمى البقايا جانباً ويبقى الطعام النظيف الجيد في مكان. حتى الأديان والفلسفات والدول والأفكار كل شيء يختلط. الدين يأتي نظيفاً نقيّاً ثم بعد مئة عام تأتي قوة تُحرّفه فتغلّفه الخرافات والزيادات ثم تأتي قوة أخرى إصلاحية تفرزه وهكذا حتى يعود التلاحم بين الحقيقة والوهم أو الخرافة. وفي الحديث " يبعث الله على كل مئة من يُجدد للأمة أمر دينها" . وفي آية سورة الرعد أن التراب يمتزج بالذهب والحديد والنحاس لكنه يحتاج إلى فرز فيوضع في فرن فيّفرز الذهب وحده والتراب وحده ثم يعود الامتزاج ثم الفصل وهكذا إلى أن تقوم الساعة. وهذا من المتزاج الحق والباطل بين النافع والضّارّ ثم تأتي قوة تفرزهما ثم يعودان إلى الالتحام الى أن تقوم الساعة وهذا من نظام الكون الذي ضرب الله تعالى فيه مثلاً بالزبد.

القوانين تتبدّل فكل سنيتن أو ثلاثة هناك تعديل قانوني وأحكام فقهية تزول ويتجاوزها الزمن والحياة في عملية اختلاط بين الحقيقة والوهم كالفرن العالي الحرارة يفرز الذهب من الشوائب كذلك يأتي الله تعالى بالعلماء الذين هم من القوة والذكاء بحيث يفرزون بين الحق والباطل وبين الدين والخُرافة إلى يوم القيامة.

واللافت أن هذا الفرز بين التافه وغير التافه يستمر في كل التاريخ يأتي حاكم تافه مثلاً أو قانون تافه ثم تأتي قوة تُزيل هذا الحاكم أو القانون وتأتي بحاكم جيد وقانون جيد. والملاحظ من الكتاب والسُنّة أن آخر الدنيا سيقوم على سيطرة اللاشيء والتوافه كما جاء في الحديث الشريف:" لا تقوم الساعة إلا على شِرار الناس" "لا تقوم الساعة وعلى الأرض من يقول الله". فعلينا أن ننتبه أين نحن وما علينا أن نفعله قبل أن نصبح لا شيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"طوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسد الناس المتمسّكون بسنّتي عند فساد أمّتي" والغرباء أو الغريب هو الذي يبقى شيئاً عظيماً. فعلينا أن ننتبه أن نكون شيئاً عظيماً قبل أن تقوم قيامتنا لأنه من مات فقد قامت قيامته. وقد قال تعالى (رحمتي وسعت كل شيء) فعلينا أن نكون شيئاً حتى تشملنا هذه الآية فإن كنا لا شيء تجاوزتنا رحمة الله تعالى فإياكم أن تكونوا لا شيء.

ونستعرض مجموعة من الأحاديث البنوية الشريفة في هذا الباب:

· "سيكون من أمتي دجّالون كثيرون"، "بين يدي الساعة ثلاثو دجّالاً وكذّاباً آخرهم الأعور الدجّال"

· "لا تقوم الساعة حتى يكون في أمتي خسفٌ ومسخٌ وقذف" والخسف أن تنتهي مدن كثيرة لا يعود لها قيمة من حيث ضياعها إلى الأبد، والمسخ هو هلاك القيم فتصبح الأمة مسخاً كأنهم القردة والخنازير ليس لهم هم إلا الطعام والشراب ويكونوا في فوضى عارمة والمسخ ليس تحويلاً وإنما يكون المسخ في الأخلاق، والقذف وهي الصواريخ من السماء تدكّ الناس دكّاً.

· "لا تقوم الساعة حتى يلي أمر العامّة الرويبضة، قالوا من هو الرويبضة يا رسول الله؟ قال الرجل التافه"

· "لا يقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا نُكعٌ ابن نُكَع" والنُكع هو إنسان أحمق ليس محترماً وربما يكون منبوذاً من عشيرته وحيّه لأن صفاته غير جيدة وغير كريمة، ويشعر بالغربة كل من له قيمة ولا يشعر بالسعادة.

· "لا تقوم الساعة حتى يكثُر الفُحش والتفحّش وحتى يُخوّن الأمين ويُؤتمن الخائن"

· "لتُنتقوّن كما يُنتقى التمر من أغفاله فليذهبنّ خياركم وليبقينّ شراركم فموتوا إن استطعتوا"

· "يذهب الصالحون الأوّل فالأوّل وتبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر" كما تُرمى نواة التمر بعد أكله أو بقاياه بعد عصره.

· "لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظاً ويكون الشتاء قيظاً" في العادة الولد يكون أما والديه وإنما في ذلك الوقت يصبح الولد عبئاً على أبويه ومصدر شقائهما فيكون فاجراً تافهاً لا قيمة له، وكذلك الشتاء فيزول البرد ويترك الناس في أجواء صيف قارس.

· " لا تقوم الساعة حتى يهلك العرب" "لا تقوم الساعة إلا على هلاك العرب"

· "لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها وكل سوق فُجّارها"

· " لاتقوم الساعة حتى يكون المؤمن في القبيلة أذلّ من النقد" والنقد هو الشاة الصغيرة المولودة حديثاً هزيلة ضعيفة لا يُستفاد منها.

· "لا تقوم الساعة حتى ترتفع الأمانة حتى يُقال إن في بني فلان أمين"

· " لاتقوم الساعة حتى يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء"

· "لا تقوم الساعة حتى يُعمّر الخراب ويُخرّب العمار"

· " لاتقوم الساعة حتى يكثُر الشُرَط والغمّازون والهمّازون واللمّازون" الشُرط أي الشرطة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كان في المدينة شرطي واحد وفي آخر الدنيا سيزيد عدد الشرطة، والغمازون هم الذين يغمزون ويعملون إشارات من غير كلام توحي بوصف معيّن للشخص المقصود بالغمز، والهمّازون هم الذين يذكرون الناس بمعايبهم في غيابهم، واللمازون هم الذين يتتبّعون المعايب.

· " لا تقوم الساعة حتى يغشو القلم وتظهر شهادة الزور وكتمان الشهادة بالحق" أي تتلاشى الأمية ويزيد انتشار العلم ومع هذا تنتشر شهادة الزور وتُكتم شهادة الحق فتضيع الحقوق.

· "لا تقوم الساعة حتى يكثُر ولد الزنى حتى أن الرجل يغشي المرأة على قارعة الطريق حتى يمرّ الرجل فيقول لولا تنحّيت بها عن قارعة الطريق وهو يومئذ فيهم كأبي بكر وعمر فيكم"

· " لاتقوم الساعة حتى يمر الرجل على القبر فيتمرّغ عليه ويقول يا ليتني كنت مكانك وليس به الدين ما به إلا البلاء"

· " لا تقوم الساعة حتى يكثر الهَرَج حتى يقتل الرجل أخاه وجاره وابن عمه حتى لا يدري المقتول فيما قُتل والقاتل لمَ قتل"

· " لا توم الساعة حتى يظهر البغي والحسد والشُحّ"

· " لا تقوم الساعة حتى يُعزّ الله فيه ثلاثاً: درهماً حلالاً وعلماً مستفاداً وأخاً في الله"

· " لا تقوم الساعة حتى يتحوّل شرار أهل الشام إلى العراق وخيار أهل العراق إلى الشام"

· " لا تقوم الساعة حتى يقعد الرجل إلى قوم فما يمنعه أن يقوم إلا مخافة أن يقعوا فيه"

· " لا تقوم الساعة حتى يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فيكم" خوفاً من الناس لشيوع النفاق.

· " لا تقوم الساعة حتى يُقتل العلماء كما تُقتل الكلاب فيا ليت العلماء في ذلك الزمان تحامقوا"

· " من اقتراب الساعة أن يُصلي خمسون نفساً لا يُقبل لأحدهم صلاة" وهذا لكثرة محبطات العمل.

· " من علامات الساعة سوء الجوار وقطيعة الرحم" الجوار في الاسلام المسؤول عنه الإنسان هو أربعون بيتاً أي بمساحة لا تزيد عن عشرين متراً والآن اتسعت البيوت وأحيطت بالسور ولم يعد الجار يعرف جاره.

· " لا تقوم الساعة حتى لا تحمل النخلة إلا تمرة"

· " لا تقوم الساعة حتى يكون المنكر معروفاً والمعروف منكراً"

· " لا تقوم الساعة حتى يُغار على الغلام على يُغار على الجارية"

· " لا تقوم الساعة حتى يظهر قُرّاء عبادتهم التلاوم بينهم أولئك يُسمّون في ملكوت السماء الأرجاس الأنجاس" الذين يشتم ويلعن بعضهم بعضا.

· " إذا رأيت الخلافة قد نزلت أرض بيت المقدس فقد أتت الزلازل والبلابل والأمور العِظام والساعة أقرب من يدي هذه إلى رأسك" رواه الحاكم وابن داوود.

· " لا تقوم الساعة حتى لا يُحجّ البيت"

· " إذا اتُخذ الفيء دولاً والأمانة مغنماً والزكاة مغرماً وأطاع الرجل امرأته وعقّ أمه وأدنى صاحبه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأُكرِم الرجل مخافة شرِّه وظهرت القينات والمعازف وشُرِبت الخمور ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً وقذفاً وآيات تتابع كنظّام بالٍ قُطِع سِلكه فتتابع".

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   السبت 10 سبتمبر 2011 - 15:36



حرف الحاء - منظومة حَرَس وحارس


حارس– حافظ – خازن – راصد – رقيب


هذه الكلمات كلها تدخل قي منظومة الحماية وكل منها يعبّر عن وظيفة معيّنة.

الحارس: هو الذي يحمي المحروس من الخارج فقط وليس له علاقة بالداخل كالحارس الذي يقف خارج مبنى ما كالمعسكرات والسجون والمباني الحكومية والشركات وظيفته حماية هذا المبنى من الخارج فقط. وفي السماء ملائكة لا يعرفون ما يجري في الأعلى والحرس من الملائكة هم الذين يحرسون السماء من الشياطين والشهب والخلل كما في قوله تعالى في سورة الجنّ (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ( 8 )). ووظيفة الحارس أيضاً عدم السماح لأحد بالدخول إلا بإذن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" عينان لا تمسهما النار عين حرست في سبيل الله"

الحافظ: إن كان يعمل داخل المبنى فهو حافظ. والحافظ يتصرف من الداخل ويحمي المحفوظ من الداخل وينمّيه ويرقّيه ويطوّره ويحضر الأجهزة ونحوها. والحفظ هو العمل الدؤوب من الداخل وهو مباشرة المحفوظ من الداخل (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) الطارق) فالحافظ داخلك يمنعك من الانحراف والسلوك الرديء . والملائكة الحفظة تعمل داخل الانسان أما الحُرّاس فخارجه (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) الأنعام). والحفظ هو رعاية المحفوظ رعاية كاملة من داخله. (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) يوسف) فسيدنا يوسف عليه السلام لم يكن يحرس وإنما كان يطوّر اقتصاداً ويقوم بمشاريع ويُنمّي ويُرقّي .

وقوله تعالى في سوة الحجر (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)) سخّر تعالى أناساً يعملون على حفظ القرآن ويعملون من داخله شرحاً وتفسيراً وبيان إعجازه وعلومه العديدة.

والحفيظ تكون بمعنى الحفظ والتحفّظ وهناك حفظ سلبي (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) الشورى) كأن أتحفّظ على المجرم حتى لا يهرب وحفظ إيجابي (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) هود).

فالحفظ هو التربية الإلهية المباشرة بدون أسباب من داخل الإنسان وهذا هو الحفظ من الله تعالى بأمره الملائكة الحفظة بحفظ العباد كما قال تعالى (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11) الرعد)

قال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) المؤمنون) فالحافظين فروجهم لا تعني فقط عدم الزنا فقد لا يزني المؤمن ولكنه ينظر إلى المحرمات ونحوه لكن الذي يحفظ فرجه أو تحفظ فرحها هم الذين لا يقربون مقدمات الزنا ولا يفعلون أي شيئ لا يليق بالمؤمن من الخضوع بالقول أو النظر أوغيره.

قال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) المؤمنون) وهناك فرق بين قوله تعالى (على صلاتهم دائمون) و(على صلاتهم يحافظون) وقائمون. فإقامة الصلاة تأديتها، والدائمون على صلاتهم تعني في أماكن الدوام الرسمي وهي صلاة الجماعة في المساجد أما يحافظون فهي تعني الحفاظ عليها من حيث تطويرها أولاً كالخشوع فيها والنوافل والمحافظة عليها من أن تُحبط ثانياً وهذا هو الأهم. ومحبطات الصلاة كثيرة كما في الحديث الشريف:" اثنان لا تُرفع صلاتهما فوق رأسيهما شبراً أخوان مُتصارمان وعاقّ لوالديه" فالمُصلّي الذي يُصلي صلاة عظيمة متكاملة لكنه عاقّ لوالديه تُحبط صلاته لأنه لم يحافظ عليها. في الحديث الشريف:" ثلاثة لا ينفع معهن عمل الشرك بالله وعقوق الوالدين والتولّي يوم الزحف". وفي الحديث الشريف أيضاً:" ثلاثة لن تُقبل لهم صلاة من تقدّم قوماً وهم له كارهون ورجل يأتي الصلاة دباراً ورجل صلّى على جنازة ولو يؤمر"، والذي يأتي الصلاة دباراً أي الذي يتعمّد أداء الصلاة بعد انقضاء وقتها وبدون عذر ورجل صلّى جنازة لم يُؤمر (ومن السنة أن يختار أهل الميت ويوافقون على من يؤم صلاة الجنازة فإن صلى بهم من غير موافقتهم أُحبطت صلاته. وممن تُحبط صلاته امرأة دعاها زوجها من الليل فأبت عليه.

قال تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) النساء) هناك فرق بين أن لا تزني المرأة وبين أن تكون حافظة لفرجها. ولهذا وضع تعالى لكل شيء حدوداً وحمىً "ألا إن حِمى الله محارمه". فالقانتات هنّ الخاشعات في الصلاة المطيلات الدعاء فيها والصالحات الحافظات هن اللواتي تحفظن أزواجهن بالغيب كما تحفظهن في حضورهن فلا تخرجن إلا بإذنه ولا تخضعن بالقول مع الرجال ولا تتبسّطن بالحديث وتحرصن على مال زوجها وعرضه في غيابه كما في حضوره ولهذا قال تعالى (بما حفظ الله) "التي إذا نظر إليها سرّته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته في ماله وعرضه".

ونقف عند قوله تعالى (الرجال) ويجب أن ننتبه إلى أنه تعالى لم يقل الأزواج بل قال الرجال كل الرجال فالأخ قوّام على أخته والأب على ابنته والزوج على زوجه وهكذا. وللأسف فقد فهم الكثيرون هذه الآية على غير مُراد الله تعالى فيها وقالوا فيها ما قالوا لصالح الرجال ولكن الآية واضحة فالله تعالى يقول (بما فضّل الله به بعضهم على بعض) أي أن الله تعالى فضّل الرجال بشيء وفضّل النساء بشيء أيضاً. وفي التاريخ الاسلامي كان يوجد في المدينة أكثر من ثمانين مجتهدة والسيدة عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما كانتا أتقى من بعض الصحابة. والرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث:"النساء شقائق الرجال". والرجل مفضّل على المرأة بقوته الجسدية وملائمته لتحمل مصاعب الحياة ومشاقّها والمرأة مفضّلة بصبرها وقوة تحملها ورعايتها لبيتها وزوجها وأولادها وصبرها على الحمل والولادة وعلى الزوج الشيء وعلى الولد الشقي وغيره.

والتفضيل للرجال بما أنفقوا لأن الرجل مطالب بالانفاق على بيته وزوجه وليست المرأة مطالبة بذلك إلا إذا أنفقت من طيب نفسها وبلا إكراه فإن أكرهها زوجها على الإنفاق تسقط قوامته عليها. فالمرأة تنفق في بيت زوجها تطوعاً والرجل ينفق على بيته إلزاماً.

وحفظ المرأة يكون من داخلها بطهارة القلب.

قال تعالى (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) ق) ومن هذه الكلمة نستطيع أن نتصور أن هذا الكتاب كأنه عاقل وكأنه جهاز عجيب يغيّر أعمالنا في حياتنا وبعد موتنا فمن قال اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات كان له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة وكون هذا الكتاب حفيظ أي أنه يغيّر الأعمال إلى أن تقوم الساعة ويمحو السيئات بالحسنات. والتوفيق والهداية من الحفيظ سبحانه.

في الحديث الشريف أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:" استحوا من الله حق الحياء قالوا نحن نستحي من الله قال ليس هذا لكن الحياء أن نحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وتذك الموت والبِلى" وحفظ الرأس وما حوى يكون بحفظ العينين واللسان والأذنين والعقل والتفكير وهذا الحفظ هو عملية تربوية هائلة والحافظ أكثر أجراً من الحارس.. وهناك أدعية كثيرة لاستجلاب الحفظ منها سورة الفاتحة وفواتح سورة البقرة وآية الكرسي وغيرها.

الخازن: حماية شيء مُهمّ في مكان واحد وعدم السماح له بالخروج إلا بأمر الملِك سواء كان المخزون مالاً أو أناساً أو كنزاً. يكون الشيء عادة في مخزن أو مستودع أو بئر ولا يُسمح لأحد أن يأخذه أو يدخل إليه ويقال خازن بيت المال فلا يسمح للمال بأن يخرج من بيت المال إلا بأمر من الملك، وخازن السجن لا يسمح للسجين بالخروج أو الدخول إلا بإذن، وكذلك خازن النار لا يسمح لأحد بالخروج من النار إلا بإذن الله تعالى (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) الزمر) (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8 ) الملك) (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) غافر).

الراصد: يحمي المرصود من شيء واحد متوقع كـأن يأتي بلاغ بأنه سيكون هناك انفجار أو هجوم على مكان ما، الحارس لا يعرف عنه شيئاً فتُحضر الأجهزة المختصة فريقاً مدرباً يسمى الراصد يكون في مكان لا يراه أحد وهو خبير بدفع الشر عن المرصود. (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) الجن) (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) الجن). قال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) الفجر) يوم القيامة سنحاسب وسيكون هناك رصد على الصراط ويحجب أن نمرّ على رب العالمين، والصراط فيه ثلاث قناطر الأولى يجلس عليها الرحِم والثانية الأمانة والثالثة رب العالمين ولا يعبر أحد الصراط إلا بعد أن يمرّ برب العالمين ولا يدخل الجنة إلا بعد رضى الله تعالى فإن كان العبد محكوم عليه بالجنة وهو قاطع لرحمه أو لم يؤدي الأمانة ولم يرض الله عنه فلا يدخل الجنة. وما من شيء أقسى على المؤمن يوم القيامة من جحد الأمانة وقطع الأرحام. يقول أبو حمزة الشيباني: المؤمن لدى الحق أسير إن المؤمن لا يسكن روعه ولا يؤمن اضطرابه حتى يخلِّف جهنم خلفه. وقيل: إن القرآن قلب عن كثير من الشهوات فالقرآن دليل والخوف محجّة والشوق مطيّة والصلاة كهف والصوم جُنّة والصدقة فكاك المؤمن والصِدق أمير المؤمن والحياء وزيره وربه عز وجل من وراء ذلك بالمرصاد. وقوله تعالى (إن ربك لبالمرصاد) تدل على أن التصفية النهائية للعبد لآخر خطو من خطلاات العبد باتجاه الجنة أن يعلم الله تعالى أن العمل كان خالصاً لوجه الله تعالى.

الرقيب: هو الذي يحمي مصالح الأمة وهي من وظائف الملك أو رئيس الدولة أو من ينوب عنه وهو الذي يرعى مصالحها ويتابع حُسن أداء الدولة ويطوّرها ويسهر على تربية شعبه (رقابة) والرقيب مُخوّل من الملك أو هو الملك نفسه (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) النساء) (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) هود). وقد جعل الله تعالى بعض الملائكة تتابع حُسن أداء العبد في الحياة وارتباطه بالله تعالى. قال تعالى (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52) الأحزاب) فهو تبارك وتعالى يتولى بنفسه مراقية حسن أداء العباد. وكل ملك من ملوك المسلمين كان لديه أحد من أهل الصلاح يتابع حُسن الأداء في الدوائر ويكون اتصاله بالملك مباشراً ولا أحد يمنعه من الدخول (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ق). الملائكة في البيت أنواع: حفظة، رقباء، مستغفرين،.. وقد يغادر الملائكة في بعض الأحيان مثلاً حياءً عندما يأتي الرجل زوجه، أو عند وجود صورة أو كلب في البيت. أما الرقباء فلا يغادرون أبداً ويراقبون حسن الأداء.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   السبت 10 سبتمبر 2011 - 15:45



حرف الحاء - منظومة رفع الحرج في الأمور الدينية


منظومة رفع القلق والشك في الجدث والفعل في كل مراحل الشعور من ساعة الشعور بالادراك ثم الوجدان ثم النزوع وهي أحاسيس يمرّ بها المؤمن دائماً. ونعيد ما جاء في الحلقة السابقة حيث قلنا أن كلمة لا تثريب تختص برفع العار ولا جناح رفع الحرج إذا تُوهّم إن فعلاً ما حرام، ولا حرج تُستعمل عندما يكون الفعل ضيّق لا سعة فيه، أما لا ضير فتستعمل عندما يمون هناك نقص في الحقوق ولا لوم عكس المطلوب ولا جرم عندما يُتوهّم أن في الفعل اعتداء.

وذكرنا الحرج وهو الضيق والضيْق وقلنا أن رفع الحرج هو قضية كونية تتعلق بأمور الدنيا والآخرة. والحرج هو التصاق الشيئين بحيث لا يكون بينهما مساحة للعمل. وكلما وقف الانسان في الدنيا أمام جدار مسدود فتح الله تعالى له باباً آخر ورفع عنه الحرج. وذكرنا في الحلقة السابقة رفع الحرج في أمور الدنيا ونتطرق في هذه الحلقة لرفع الحرج في أمور الدين مستندين لكتاب الله تعالى وسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

علينا أن نعلم أن هذا الدين كله جاؤ لرفع الحرج عن أي علاقة من علاقات العبد بربّه فما من علاقة بين العبد وربّه تجبر العبد أن يقف أمام جدار مسدود أبداً. ولله تعالى ثلاث إرادات (يريد الله بكم اليسر) و (يريد الله أن يخفف عنكم) و (يريد الله أن يتوب عليكم)، وهذه الثلاثية هي من الارادة لتي لا بد أن تقع فاليُسر والتخفيف والتوبة تعني رفع الحرج. وعدم المؤاخذة هي نتيجة رفع الحرج فعندما يقول الله تعالى (لا جناح عليكم) يعني لا يؤاخذكم.

والله تعالى جعل على الأمم السابقة حرجاً عظيماً بدليل أن الله تعالى لم يتب على بني إسرائيل حتى قتل بعضهم بعضا، أما المسلمون فيكفي أن يستغفروا ربهم ويعودوا إليه فيغفر لهم. ونبي آخر الزمان هو الذي سيرفع عنهم الإصر والأغلال. وشدة القيد ليس من دين الاسلام في شيء وليس من دين أشد سماحة من الاسلام. والدين له وجه واحد والتوحيد هو قضية الأمة المركزية. ولكا أمر شرعي حدّان حد أدنى لا تقربوه وحدّ أعلى لا تعتدوه وبينهما مساحة يتحرك فيهما المسلم فالصلاة مثلاً تكون بين أول الوقت وآخره ولا حرج في ذلك وتخيّل لو أن وقت صلاة الظهر أو غيرها كان محدداً بوقت معيّن كالساعة الثانية عشر مثلاً فهذا بالتأكيد سيكون فيه حرج على المسلمين.

ومن أمثلة رفع الحرج في الدين:

أن الله تعالى خالق كل شيء فماذا لو قال تعالى من لم يتوصل إلى معرفتي فقد هلك بالطبع سيهلك معظم الأمة لأن العارفين بالله قِلّة لا يتجاوزون 1% والمعرفة متدرجة لكن المطلوب من العبد أن يعلم أن الله واحد لا شريك له ويؤمن بذلك يقيناً كاملاً فيرفع الله تعالى الحرج عن العقل البشري عندما يتوجه لعبادة الله تعالى. وأولو الألباب ملوك الجنّة ومن رفع الحرج أن العبد ليس هالكاً ولا يدخل النار إلا شقي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فالمجالات أمامه واسعة إلى حد كبير وكلها مبنية على مبدأ رفع الحرج. والله تعالى يرفع الحرج عن العقل لأنه متفاوت كما قال الشافعي: " رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" فعلى المسلم أن لا يكفّر أحداً أبداً طالما أنه من أهل القِبلة على ما قد يكون فيه من الاخطاء.

رفع الله تعالى الحرج عن تعامل المسلمين مع غيرهم (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) الممتحنة)

من رفع الحرج أن شرّع الله تعالى لنا بعض الأعمال يغفر لعباده فيها كبير الذنوب والأمثلة على ذلك كثيرة منها "غفر الله تعالى لامرأة بغي بسقيا كلب".

الزمان يتغير ومن الذنوب ما لم يكن معروفاً في الازمنة السابقة وقد يرفع الله تعالى درجة عبد من عباده يوم القيامة بعمل واحد وقد يُحبط عمله الصالح كله بعمل واحد. وفي زماننا هذا من الذنوب ما لم يكن معروفاً سابقاً وإلا فما ذنب هذا الجيل بالامتحان والابتلاء بالفضائيات والعُري والسفور والربا كما في الحديث الشريف:" لا تقم الساعة حتى يأكل الناس الربا ومن لم يأكله أصابه منه" فمن رفع الحرج أن الحلال والحرام ليسا ثابتين ثباتاً قطعياً من حيث أن حجمه لا من حيث حُكمه ولهذا رُبّ كبيرة لك صغيرة بالنسبة لغيرك. وفي الحديث الشريف: " أنتم اليوم في زمن لو عمل أحدكم عُشر ما أنزل الله لهَلَك وسيأتي على الناس زمن لو عمل أحد بعُشر ما أنزل الله لنجى" وفي حديث آخر " أجر العامل منهم أجر خمسين" عمل قليل في عصر قد يساوي عملاً كثراً في عصر آخر وهذا من رفع الحرج.

من رفع الحرج عن الأمة ما عمّت به البلوى على قاعدة إذا ضاق الأمر اتّسع. كانت الشوارع من خمسين عاماً ملسئة بفضلات الحيوانات وكانت هندما تمطر يختلط هذه الفضلات بالماء ولم يكن هناك مهرب من أن يتّسخ ثوب أحدنا بهذه الفضلات النجسة والنبي صلى الله عليه وسلّم قال أن هذا جائز استثناء لأنه مما عمّت فيه البلوى، وكذلك دم البعوض فنحن نعلم أن الصلاة في ثوب فيه بقعة ولو صغيرة من الدم تبطل لكن في البلاد التي يكثر فيها البعوض فلا حرج على المصلّي أن يتم صلاته ولو امتلأ ثوبه بدم البعوض لأنه مما عمّت فيه البلوى. وفي عصرنا هذا عندما يخرج أحدنا في الشارع فلا بد وأن تقع عينه على فتاة شبه عارية والله تعالى رفع عنا الحرج حيث قال (غضوا من أبصاركم) ولم يقل أغمضوا أبصاركم وكذلك الغناء فحيث ما كان المرء يسمع غناءً وهناك فرق بين السماع والاستماع فإذا سمع الانسان الغناء عَرَضاً فلا حرج عليه لكن عليه أن لا يتقصّد الاستماع.

ويمكننا من قاعدة رفع الحرج أن نصل إلى أن الخطايا التي كانت في غير زماننا نسبة حُرمتها أقلّ في زماننا.

من الحرج ارتكاب الكبيرة وأن يموت الانسان وهو عليها. والاسلام يحذّرنا من ارتكاب الكبائر (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) النساء) واستعمال (إن) هنا تدلّ على أن الفعل أقل حدوثاً مما لو استعمل (إذا). ولا بُدّ من أن يقع المسلم في كبيرة في حساته من غيبة أو ربا أو سحر وهو منتشر كثيراً في هذا الزمان فيفتح الله تعالى باب شفاعة النبي صلى الله عليه كما جاء في الحديث:" شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي" وأمتي هي أهل القِبلة فإن مات المسلم على كبيرة وهذا حرج شديد رفعها تعالى بشفاعة المصطفى وإن تاب المسلم من الكبيرة قبل موته فإن الله تعالى يمحُها. ولقد شرّع اله تعالى لنا عبادات تمحق الذنوب محقاً كالاستغفار الشديد كما في الحديث الشريف:" من سرّه أن يرى صحيفته يوم القيامة فليُكثر من الاستغفار".

رفع الحرج من حيث الطعام والشراب: فالذي كون في صحراء ويصيبه الجوع والعطش حتى يوشك على الهلاك رفع عنه الحرج في أكل لحم الخنزير أو شرب الخمر للبقاء حيّاً وهذا في الاسلام فقط لأن اليهود حرّموا الأكل والشرب من المحرمات حتى في حالات الضرورة. أما في الاسلام فلا إثم على الذي يفعل هذا لأنه من باب الضرورات التي تبيح المحظورات حتى الكفر فالله تعالى رفع الحرج عن من كفر كُرهاً (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) النحل) (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) المائدة). والضرورة في الاسلام هي قضية حياة أو موت وقد سُئلنا عن بعض المسلمات المجبات في الغرب اللواتي تعرّضن للأذى الشديد وقلنا أنه إذا سبب لها الحجاب الحرج يسقط عنها.

ومن رفع الحرج أيضاً قصر الصلاة في السفر والافطار في رمضان للمريض والمسافر ومع أنه من أفطر يوماً من رمضان عامداً متعمّداً لم يُغنه صيام الدهر كلّه وإن صامه فقد شرّع الله تعالى للمسافر والمريض الفطر ويقال أن الفطر أفضل من الصيام في السفر حتى لو كان السفر مريحاً حتى أن بعض الفقهاء يحرّمون الصيام في السفر.

ومن رفع الحرج أن في الأمة منافقون لكن هذا ليس من شأننا فالفيصل هو القِبلة والله تعالى علّم رسوله صلى الله عليه وسلم مبدأ إحسان الظنّ بالمسلمين جميعاً حتى لو رأيناهم على الذنب كما في حادثة الصحابي الذي اعترف لرسول الله تعالى بالزنى فقال صلى الله عليه وسلم لو سترته بثوبك لكان خيراً لك. فإذا علمنا أن أحد المسلمين أذنب علينا أن ننصحه ولا نعيّره فيما بعد بهذا الذنب كما جاء في الحديث الشريف:" إذا زنت جارية أحدكم فليجلدها ولا يثرّبها" هذا في الجارية فما بالنا في المسلمين؟ ومن رفع الحرج أنك لست مسؤولاً عن أي مسلم مهما كان سلوكه معوجّاً وما يجري الآن من اتهامات بالعقيدة والدين والبدعة مصيبة كبيرة. والخلاف من رفع الحرج عن العقول (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) هود) فالله تعالى خلق الناس مختلفين والاختلاف في الآراء جمال أما أن يسفّه أحدنا الآخر لمجرد إختلاف آرائهم فهذا هلاك يوم القيامة "أحسِن الظنّ بالمسلم وحسابه على الله تعالى" وفي الحديث الشريف:" من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ومن حمى ظهر مسلم حمى الله ظهره يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إليه".

ومن رفع الحرج أننا لسنا مسؤولين عن كل ما نُحدّث به نفوسنا ما لم نفعله كما جاء في الحديث الشريف:" تجاوز الله لأمتي عما حدّثت به نفسها ما لم تفعل". وهذا رفع حرج عظيم أن لا يكون المسلم مسؤول عن خواطره.

ومن رفع الحرج أن شرع الله تعالى عبادات شاملة تمحو الذنوب اليومية الكثيرة مثل الغفلة عن ذكر الله تعالى وعدم ردّ السلام أو التقصير في العبادات أو عدم الاهتمام بالجار أو الاهمال في وقت العمل أو استعمال ما يخصّ العمل فيما لا يتعلق بالعمل نفسه وكل هذه الذنوب هي ذنوب خطيرة لكن بفضل الله تعالى شرع لنا بعض العبادات التي يمحو الله تعالى بها هذه الذنوب منها زيارة المريض واتباع الجنازة وقيام الليل وكثرة الاستغفار.

ومن رفع الحرج أن الله تعالى لا يحاسب المختلطين أي أخذ المال من أب أو زوج أو غيره ممن بينهم نسب وصِلة.

رفع الله تعالى الحرج حتى في الحدود بحيث لا تُقطع يد كل سارق أو يُرجم كل زاني ولمنع الحرج قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" ادرأوا الحدود بالشبهات" فيجب البحث عن عذر للمذنب ولو كان هذا العذر يمثّل واحداً بالألف لا ينفّذ الحدّ. فالقلتل إن عفا عنه واحد من أهل القتيل يُعفى عنه. فالحدود شُرّعت للتخويف ولم تُشرّع للتطبيق إلا في الحد الأدنى لأخذ العِبرة. وفي خمسة قرون قطعت في الاسلام قّطعت أيدي خمسة أشخاص فقط وفي رواية سبعة.

منظومات رفع الذنوب كلها:

شرع الله تعالى لنا بفضله وكرمه بعض الأعمال التي يغفر بها الذنوب كالذكر " ذهب الذّاكرون بكل خير يضع الذكر عنهم اوزارهم يوم القيامة فيمرّون على الصراط خفافاً"

· كثرة الاستغفار.

· أسماء الله الحسنى من أحصاها دخل الجنة وأحصاها تعني من قرأها مع معرفة معناها وأسرارها ويفتح الله تعالى على عباده مغاليق باسم من أسماء الله الحسنى.

· قول لا إله إلا الله مئة مرة

· زيارة المريض

· اتباع الجنائز

· بِرّ الوالدين

· صلة الرحم

· الصيام المأثور

· قيام الليل

· المرض فليلة من الصداع تغفر الذنوب جميعا، والحمّى من فوح جهنم وذلك نصيب المؤمن من النّار.

· الحزن والهمّ فإن من الذنوب ذنوباً عظيمة لا يغفرها إلا الهمّ.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mr/slc500
فريق أول
فريق أول


عدد الرسائل : 5687
العمر : 37
الموقع : EgyPt OlDeSt schOol in the wOrlD
العمل/الترفيه : عندما تنتفض الامة ستكون البيعة على تراب فلسطين
تاريخ التسجيل : 21/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   السبت 10 سبتمبر 2011 - 19:15

جزاكم الله كل خير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://WwW.islamway.Com
semsem
رائد
رائد


عدد الرسائل : 249
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله   الأحد 11 سبتمبر 2011 - 14:29



حرف الحاء - منظومة حَرَج


حرج– لا تثريب – لا جُناح – لا ضير – لا جَرَم – ليس عليك هداهم – لا تك في ضيق


هذه الكلمات كلها تدخل قي منظومة رفع الحَرَج ومن خلالها رفع المسؤولية. في كتاب الله العزيز منظومة دقيقة واسعة ومُعجِزة تعالج الشعور بالقلق أو الخوف أو الحزن أو التردد التي تصيب الانسان في مراحل الشعور. ومراحل الشعور هذه هي المراحل التي يمر بها الانسان عندما يُقدِم على أي فعل مهما صغُر أو كبُر مثلاً كيف نصلّي؟ المرحلة الأولى هي مرحلة إدراك أن الصلاة ركن لا بد من فعله ثم المرحلة الثانية وهي مرحلة الوجدان فعندما يقرأ الانسان أكثر عن الصلاة ويعرف أهميتها وأجرها ويعلم عقوبة تاركها يصبح عنده شعور بأهميتها وبحبّها ويشعر بالراحة فيها كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم "وجُعلت قُرّة عيني في الصلاة" ثم تأتي مرحلة النزوع وهي أن يقوم الانسان للصلاة.

وهكذا فكل فِعل نفعله في حياتنا سلباً أو إيجاباً طاعة أو معصية لا بد وأن تترك شعوراً بالخطأ أو التقصير أو المعصية أو اللوم كأن يصلي الانسان ثم يراوده شهور هل قُبَلت صلاته أم لا؟

ونأخذ مثالاً قصة امرأة العزيز التي أُعجبت بيوسف عليه السلام لمدة أعوام فأدركت أنه جميل وهذه تمثل مرحلة الادراك ثم بدأت تحبّه وهذه مرحلة الوجدان ثم جاءت مرحلة النزوع حين غلّقت الأبواب وهمّت به.

هذه المراحل كلها في كل حدث تترك شعوراً بالخطأ وشعور بعدم الراحة أسبابه كثيرة كفعل غير صحيح أو فيه عار أو معصية أو فعل ناقص وقد وضع القرآن الكريم لهذه المشاعر منظومة محددة مُعجَزة تُزيل كل زاوية من الزوايا التي تُصاحب مراحل الشعور الثلاث. مثلاً إنسان صلّى صلاة مستعجل فيقول الله تعالى (لا جُناح عليك) أو انسان خطب امرأة في فترة العدّة فيقول تعالى (لا جُناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء) وهكذا في القرآن الكريم كلّما أراد الله تعاى أن ينفي المسؤولية عن أي حدث يستعمل إحدى كلمات هذه المنظومة. وكل كلمة في هه الكمنظومة تنفي شعوراً معيناً لا يمكن لأي كلمة أخرى من نفس المنظومة أن تنفيه أو تعطي المعنى المطلوب.

لا تثريب: كل من يرتكب فعلاً يظن أن فيه خزي أو عار أو يسبب له عار يستعمل كلمة لا تثريب بمعنى لا تعيير ولا تعييب. فكل فعل يُخزي الانسان إذا عُيّر به يسمى تثريباً وقد جاء في الحديث الشريف: " إذا زنت جارية أحدكم ولا يثرّبها" أي لا يُعيّرها. وقد جاء في القرآن الكريم في قصة إخوة يوسف لماّ قالوا (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) يوسف) قالوها وهم يشعرون بالخزي والعار مما فعلوه أجابهم يوسف (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) يوسف) أي أعيّركم ولا عار عليكم ولا تقوم كلمة هنا مقام كلمة لا تثريب. وكلمة لا تثريب هي نفي القلق الناتج عن الشعور أن المسؤولية وقعت على شكل غير مرضي. فمع كل ما فعله المشركون مع الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى، قال لهم عند فتح مكة " لا تثريب عليكم" أي لن تُعيّروا بما فعلتموه سابقاً.

لا جُناح: عندما تأتي مرحلة الوجدان وانت تشك في أنك فعلت شيئاً خطأ كأن تخطب امرأة صراحة وهي في فترة العدّة فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه لمّا قُتل الزبير بن العوّام وتحته عائشة بنت طلحة وكانت من أجمل نساء العرب وجدها تلطم خديها بقوة فأرسل لها امرأة تقول لها: ترفّقي بخدّك فإن لنا به حاجة. وهذه إشارة ضمنية أنه يخطبها. في هذه الحالات قال تعالى في سورة البقرة (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)) ألغى سبحانه وتعالى أي شعور بالحرج أو الذنب أو التقصير من خطبة امرأة أرملة في فترة العدّة تعريضاً وليس صراحة. وكذلك في قوله تعالى في سورة البقرة (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)) لأن المسلمون بعدما دخلوا في التوحيد بعد عبادة الاصنام كانوا يجدون حرجاً في الطواف حول الكعبة أو السعي بين الصفا والمروة لأنهم كانوا يفعلون ذلك قبل الاسلام فرفع الله تعالى هذا الخوف والقلق والحرج عنهم.

لا ضير: عندما يُغمض حقك أو يُنتقص كمثل إنسان فُصل من عمله فقال لا ضير لأنه يعلم أن الله تعالى سيرزقه خيراً منه وقوله لا ضير يعني نفي أن يكون حظه قد انتقص لأن هذا الحظ يقابله جزاء عظيم وموقف عظيم. وقد جاء في القرآن الكريم في قصة فرعون الذي طغى في سورة الشعراء (قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49)) أجابه بنو اسرئيل (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50)) بمعنى أننا سنموت ونُبعث وكل ما ستفعله سيكون في صالح أعمالنا.

ليس عليك هداهم: الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشعر بالفشل من محاولاته المتكررة ليُسلِم أقرباؤه وأعمامه فقال له تعالى إياك والشعور بالفشل(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) البقرة) لأنهم لا يستحقون الشعور بالقلق من عدم هدايتهم (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) الأنعام) وإياك أن تذهب نفسك عليهم حسرات كما جاء في قوله تعالى (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (Cool فاطر) وقوله تعالى (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) الكهف).

لا تكن في ضيق ولا تك في ضيق: الرسول صلى الله عليه وسلم وكل مسلم عندما يًصلح كافراً أو مشركاً لكن هذا الأخير يكيد له ودائماً يشعر الانسان بأنه حزين متألم كيف تنقلب عليه الأمور هذا الانقلاب ويقول الانسان ما هذا المكر الذي يصيبنا كما يحدث للمسلمين في هذا العصر. وعندنا ضِيق وهي شدة الحزن (ضيّق: كل شيء يضيق ويتّسع) وعندنا ضَيْق وهو الضيق الذي لا يتّسع. والرسول بشر فلا بد أن يضيق صدره بما يفعله المشركون (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) الحجر) والله تعالى نهاه عن الضَيْق وهو غاية الحزن الذي يسيطر على الانسان حتى يُتعبه ويُصبح أسيراً له والذي لا فرج بعده ولا فرح. فيقول تعالى لرسوله (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) النحل) وهذه الآية نزلت في حادثة معيّنة عندما حزن الرسول على مقتل عمه حمزة في غزوة أُحُد ونهى الله تعالى رسوله والمسلمين عامة عن الحزن بشكل مستمر في قوله تعالى (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) النمل) وهذه يجب أن تكون قاعدة عامة في حياة المسلم.

اللوم: هو العذل الذي يعقب كل فعل ناقص أو خاطئ وهو ان يلوم الانسان نفسه عن فعل يفعله ويقول لو أني فعلت كذا أو لم أفعل كذا. والرسول صلى الله عليه وسلم كان يرى عناد الكافرين فيتولّى عنهم في بعض الأحيان ويشعر باللوم ويعتقد أن ما يفعله قد يكون خطأ فيقول له الله تعالى (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) الذاريات) أما في حادثة ابن أم مكتوم فعاتبه الله تعالى في سورة عبس على ما فعله. وعلى المسلم أن لا يُعرض عن عمل صحيح في الظاهر إلى عمل غير صحيح في الظاهر وعلى الداعية أن يداوم على الدعوة لكن بعض الجماعات لا ينفع معهم شيء وعندها لا بأس بالتولي عنهم كما جاء في قوله تعالى (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) الذاريات) فنفى تعالى اللوم عن رسوله وإن كان الفعل في ظاهره خطأ (ترك دعوة قوم معينين).

لا جَرَمَ: عندما أقسو عليك أو أشتمك أو أقول عنك كلاماً ليس طيّباً ربما يكون هذا خطأ أو ظلم فإذا كنت تستحق ذلك أقول لا جرم. فالكفار مثلاً قالوا أنهم هم أهل الجنة فردّ تعالى عليهم في قوله (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) النحل) وقوله تعالى (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) هود) من حيث أنهم يستحقونها وليسوا مظلومين. وكذلك قال موسى لقومه (لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) غافر) فكأنها شتيمة لفرعون وقومه وليست ذنباً ولا ظلماً لهم لأنهم أهل النار وعباداتهم باطلة.

حَرَج: في اللغة هو مجتمع الشيئين وهو المكان الضيّق جداً بحيث لا يستطيع شيء أن ينفذ من خلاله. والحرج هو آخر الضيق ولا توجد كلمة تُضرب بالضيق المتناهي والمتنامي ككلمة حرج. لأنها تعني ملتقى الشيئين انطباقاً. واستعملت كلمة الحرج في الضيق الناتج عن القلق أو الشّك بالفعل الذي يفعله الانسان في مرحلة الوجدان أو النزوع وليس في حالة الادراك لأنه ليس مؤاخذ عليها وإنما تبدأ المؤاخذة في مرحلة الوجدان والنزوع. ففي هذه المراحل قد يحدث خطأ والقلق الذ يساور الممن يكون عند مراحل الشعور الثلاث فعندما يصلي المسلم يشعر أن صلاته كان فيها سهو أو أنه لم يؤديها بشكل جيد وقد يتطور هذا الشعور عند البعض ليصبح وسواساً وهذا كله جناح. فالجناح إذن هو القلق الناتج عن الحدث الذي تشك وتفكر فيه ويسبب لك الضيق. ويقول الله تعالى (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) الحج) ويقول تعالى في آية أخرى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) المائدة) , الله عز وجلّ رفع عنا الضيق والحرج في قضايا الدين والدنيا ففرّجها سبحانه ونضرب مثالاً على رفع الحرج في الدين في الترخيص للموشك على الهلاك بشرب الخمرة التي هي في الأصل أم الكبائر إذا كانت حياته مهددة وليس لديه ماء يشربه ويُبقي عليه حيّاً. فالدنيا فيها قواعد خيالية في الاقتصاد والسياسة والبيع والشراء والدين فيرفع الله تعالى الحرج عن كل ما صار مستحيلاً. وفي القرآن الكريم نماذج من رفع الله تعالى الحرج عنا في الدنيا وفي قضايا المعيشة والكون مرصود رصداً هائلاً كما في قوله تعالى (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) الانعام). ومن قواعد الكون أن القوة في النهاية لا تكون إلا للحق مهما كانت قوة الباطل. ففرعون الذي طغى وقال لقومه أنا ربكم الاعلى رفع الله تعالى الحرج عن بني اسرائيل المؤمنين من قوم موسى. وكذلك قوم عاد الذين كانوا طغاة وقالوا (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فُصّلت) دمّر الله تعالى ديارهم تدميراً كاملاً (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) فُصّلت) (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (Cool الحاقّة) . وكذلك النمرود كان جيشه لا يُقهر وأذلّ شعوباً وأمماً وضاق الأمر وصار حرجاً فأرسل الله تعالى عليه البعوض فقتله وجيشه كاملاً. فالقوة العسكرية وحدها إذا سادت سيادة مذهلة هذا حرج ومن سنن الله تعالى أن يزيل الحرج من عنده (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) المائدة). ومن قواعد الكون طول ظلم الجماعات والأفراد ولا بد أن يُري الله تعالى قوته في الظالم وكيف يجعله سخرية أمام الذين ظلمهم والظَلَمة يقعون في شرور أعمالهم ويصبحوا أمثولة التاريخ.

ومن قواعد الكون أنه مهما كثُرت البشرية لا بد وأن يجدوا رزقهم في هذه الارض ولن يضيق الرزق بأحد (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) هود) وكل أمة تتطور يتطور معها رزقها فدول الخليج عندما كان عدد سكانها قليلاً كان تعتمد على الصيد واللؤلؤ وعندما ازاد السكان أرشدهم تعالى للنفط ومصاد الرزق الأخرى التي تلبي احتياجاتهم.

ومن القواعد الكونية أن الله تعالى يدمّر المماليك المؤمنة الباطلة ولا يدمّر المشرك العادل في الدنيا (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج)

ومن الحرج الذي رفعه الله تعالى في الدنيا أنك قد تجد إنساناً يعمل أعمال وكأنه أسوأ خلق الله تعالى لا يجب أن نُطلق عليه لفظ كافر إلا أن يجعل لله تعالى نداً أو يُشرك في عبادته إلهاً آخر.

ومن قواعد الكون أنه ما من داء إلا وله دواء لكن على الناس البحث عنه ويحذّر الله تعالى من اليأس الكامل بل يجتهد الانسان في بحثه حتى يصل إلى الدواء.

ومن قواعد الكون أنه لا يمكن لقوة أن تستبد في الأرض وتخطف خيراتها على حساب الشعوب الأخرى فهذا حرج وكقوم عاد وفرعون والاسكندر وغيرهم ولا بد من وجود قوتين تتعادلان لتجنيب الضعفاء الظلم (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) البقرة) والتاريخ مليء بمثل هذه القصص.

ومن قواعد الكون أن الله تعالى خلق القوارض لأكل النفايات في الدنيا حتى لا تزدحم الدنيا بالنفايات وقد جعل الله تعالى لكل شيء عادم فاقولرض عادم الكرة الأرضية فإن فسدت الأرض فمن أيدي الناس (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) الروم).

ومن قوانين الكون أن الله تعالى جعل للبلاء والفقر ولكل ما تضيق به الحياة باباً واسعاً عظيماً لا يُسدّ إلى يوم القيامة ألا وهو الصبر فما من بلاء إذا تعوّد صاحبه على الصبر وأدرك ما هو الصبر ثم جعله له وجدانا يعلم كيف يجزي الله تعالى الصابرين ثم ينزع للصبر.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حفظه الله
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 3 من اصل 4انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التحكم الآلي والإلكترونيات :: منتديات الإسلاميات :: منتدى التلاوة وعلوم القرءان-
انتقل الى: